رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تمر وجمر

محسن النوبى;

يتعلق الليل بإطراف الشتاء.الجوع يغرس أنيابه. . . عيناه معلقتان خارج سور الجامع الكبير. بجواره مساحة كبيرة خضراء، بها ضريح أحد الأولياء الذين وفدوا من بلادهم وماتوا هنا،ونافورة أمر بإنشائها الحاكم الذى ترك المدينة منذ وقت قريب. وطرقتان تبدآن بمعبرتين رخاميتين مثبت على كل منهما باب حديدي. الأيمن لايفتح الا لدخول المشيعين وهم يحملون على أكتافهم أحد الموتى للصلاة عليه ودفنه خارج السور بالناحية الشرقية ،حيث القبور وبعض البيوت التى هى فى الأصل مقابر وأضرحة . سكنها من يقومون بالدفن أو تغسيل الموتي.يزداد الجوع فى التهام معدته. العربات التى كانت تنخر الإسفلت بإطاراتها كاد الشارع يخلو منها. القطارات القادمة من الشمال أو الجنوب لم تأت بعد . أصحاب الدكاكين أغلقوها،لم يبق إلا دكان زغلول الفوال الذى على يمين السور.

الشتاء والليل الجوع والقطار،اتحدوا سوياً مع يومه الذى ليس هو الخميس ولا الجمعة وأيضاً لم يكن الإثنين أوالثلاثاء الأيام التى يكون معه ما يكفيه من طعام، حينما يذهب خلف السور الشرقى يمر بين القبور يجمع الرحم التى يجود بها أهل الميتين . تعود أن يحسب عدد الأيام بين كل ميت يمر أمامه ليعرف متى يذهب إلى أهله مع الشيخ المسن. يمسك عصاه أو يضع يد الشيخ على كتفه، ليقوده إليِ مكان الجنازة التى تعقبها منذ يومين . بين النسوة يجلس مع الشيخ وباقى الأفراد ممن ذهبوا فى مرافقة سيدهم. أمام الشيخ وجبة مخصوصة يوصى بها من اللحم الصافي،أمامنا قطع اللحم المختفية بين العيش المفتوت فى الشوربة. لم يكن على الشيخ حرج فى الجلوس مع النسوة،فهو كفيف وهن صغار، الشيخ يعرف كل النساء والنساء يعرفونه. يبدأ بالقراءة على هدوم الميت وهم يرددون خلفه. ويعودون وقد امتلأت حواصلهم. لكنه أوفر حظاً لوجهه الأبيض وعيناه الخضراون وشعره الناعم جعلت النساء تسأل من يكون؟

يمنون عليه بالفكة. لكن الشيخ مات . لم يعد له إلا أن يحتضن الرصيف يمرغ وجهه بالتراب ينخر البرد ثوبه البالي. ويختفى خلف الباب الأيسر للمعبرة الثانية من رجال الشرطة الدائمى البحث عن أمثاله.

ينظر للجامع الكبير والهلال الذى يعانق النجمة التى يحكى لها عما يدور بمخيلته التى جفت, من بعد الكلمات التى سمعها من الشيخ , حينما همست فى أذنه احدى النساء وأطلقها هو قذيفة فى أذنيه. (اللى يموت أبوه يأكل التمر.....واللى تموت أمه يأكل الجمر)

من يومها عرفت لماذا تذكر كل نخيل حياتي، وسقط السيف الذى كان مرسوماً فى يد الأسد على ساعد والدي، وطار الطائر الذى يقف على شاربه،ونامت عيناه فى أحضان سيدة تركت أبناءها لتعيش معنا.قالت نادينى بأمى .

رفضت فى داخلي.انا ليس لى إلا أماً واحدة. أما أبى فيكون له زوجة ثانية،ثالثة،أبناء كيفما يشاء. تزداد حدقة الذاكرة فى الاتساع، ويفتح الماضى فوهته يتلاشى السور الخارجي،وتضيع المساحة الخضراء ويختفى السكون ليزداد الجامع فى الاتساع والأنوار ترمى بأشعتها على وجه الشارع، عصر يوم الجمعة تحدثت زوجة أبى بطلب الزيارة لجامع سيدى عبدالرحيم فى مولد صاحبه،أزالت الشعر الخفيف الذى نما على وجنتيها،خطت فوق شفتيها باللون الأحمر وكحلت عينيها. كنت معهم .أقصد كنت ملاصقا لوالدي،بينما كان هو قلباً وعقلاً معها . وقفت أمام أحد البائعين أعجبتها دمية، بينما كان القطار الأبيض الصغير يجذبنى أكثر. موج من البشر يتزايد يبتلع أبى مني، والقطار يلف فى دائرة مغلقة.صوتى ضعيف لم يسمعه أحد.دموعى جفت من كثرة البكاء. امتلأ جلبابى بالحمص والفول السودانى .افتقدت أبى وقريتنا وشجرة الجميز العجوز التى العب تحتها أمام البيت. صوت القطار يكسر سكون الليل وهدوء زغلول الفوال، نظراته التى تحذرنى من الإقتراب، يرفع فى وجهى مغرفته.

(,أوعى تيجى هنا يابن ال... ،)

القطار لم يقف فى المحطة.انا أتلوى من افتراس الجوع لى .ويزداد هو فى الاضطراب. نادى علي.

وقفت أمام فترينته.أشعر بأنى التهم الأرغفة التى خلف الزجاج وطبق الفول بنظراتي.

(روح المحطة إسأل عن أول قطر شوفه إمتى يكون هنا).

لم أعره اهتماما فأنا مازلت آكل ولم أشبع نظراتي. قطع نصف رغيف وحشاه لي.كان سطح القضبان يلمع تحت ضوء القمر.أقطم قطعة وأنتظر حتى لا ينتهى .وقفت فى البداية متردداً مازلت أحمل فى رأسى صورة أحد المارة. وهو يلتهمه القطار. كان يمشى مثلى على نفس السكة. أشعر بعزيمتى بدأت تخور منى مرة أخرى من صوت طقطقة بين القضبان كنت أسمعها أحياناً خلفى وأمامى وبين أقدامي. يهتز السكون حولي.لابد وأن القضبان سوف تخرج ماردها،ليستوقفنى ويربطنى على سطحها.أحاول طرد كل الهواجس..لابد أن أعود بالخبر اليقين،فهو لا يعطينى نصف رغيف هبا ء والقطار يفرش ضوءه على السكة. أنفاس العربات يذوب منها البرد الذى يتخلل جسدى .أرانى داخل إحداها. القطار تحرك. رحت أنظر من النافذة لم أر زغلول من زحام الوافدين عليه. ودعت جامع سيدى عبدالرحيم والنجمة التى يعانقها الهلال. ازدادت السرعة بدأت أستعيد أكل السندوتش . وأنا متأملً الأجسام التى تهتز وتتراقص على الكراسي. صوت إرتطام القضبان يتعالى صريرها الوجوه مصفرة وغالبها النعاس فيما عدا رجل خط البياض على شعر رأسه وعلى أطراف شاربه الطويل المبروم كان واضعاً ذقنه على راحتيه وعيناه تنظران لظل القطار على المراعى التى اكتست بالسواد. اقتربت أكثر. رأيت أسداً يحمل فى يده سيفا. صرخت نظر لى.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق