رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مقبرة الاحلام

منى العساسى;

جلست خلف المكتب الباذخ فى زيها الرسمى الأنيق وعطرها الفاخر الغافى فوق جيدها الخمرى الأملس يختلط بتناغم ورقة مع عبق ورقات كتابها الصفراء، يتسرب الى روحها هذا المزيج فيتماهى الزمن وتختمر فى رأسها الأحداث، بينما تبتلعها فوهة الماضى السحيق حيث رائحة الخبز الطازج تعبئ الحارة الضيقة وأشباح الماضى تطفو فوق الوحل الذى كسى الأزقة فى ليلة محاقية انصهر فيها القرص الفضى للقمر فى فوضى الظلام الكئيب كقطعة سكر فى فنجان بن غامق.

ــــ الحقى يا أمه فيه شبح بيجرى فى الحارة

بالكاد خرج صوتها من جبه العميق، وتوارت فى ثنايا الجلباب الفضفاض، دفنت رأسها كنعامة بين فخذى أمها المنتصبة أمامها يقطر من ساعديها لطخات العجين الطرى فى صحنه الفخارى الكبير، يعلو لهاثها وهى تنتفض كفرخ مذبوح، تتشبث بقوة فى قماش الجلابية الخشن المتهالك، يكبر الخوف فى عمى عينيها المغلقتين، يتجسد مارد ضخم تحمل صفاته كل معنى للرعب حملته مخيلتها الصغيرة، أنياب ذئب، وجه كلب ممطوط، قرنى ثور، قامة ممتدة الى ما لا نهاية، ساقيا تيس، عينين عميقتان مظلمتان كئيبتان ككهف لم تشرق عليه الشمس منذ زمن ما قبل التاريخ، ضاعت فى حدقتى جزعها والدتها التى تحتمى خلفها، أبتلعها سواد بؤبؤيهما عميقا فلم تعد تراها.

الآن لا شىء فى هذين المحجرين الخاويين سوى جسدها الصغير متكورا حول ذاته داخل شرنقة معتمة، عاريا فى وحدته ينتفض ارتياعا، دفعها ذعرها للركض فوق وحل الحارات المنزلق، تبتلع رئتاها رائحة الروث المطمور والقش المتعفن فى ماء الحفر الصغيرة الذى وضعه الفلاحون ليستطيعوا الحركة فى هذه اللجة الموحلة، وصفير الرياح يكاد يصم أذنيها بينما هرولة ذلك الغول بقدميه اللذين تفلطحا فجأة وأخذتا تدك الأرض كزلزال من خلفها، تكسر عظام صدرها، تكاد تقضى عليها.

فاضت مآقيها عندما رفعت جفنيها للمرة الأولى تواجه مخاوفها تشاهدها ولو مرة وحيدة قبل أن تقضى عليها، وجدت نفسها تحلق فوق الطريق الذى يحيط بالقرية متلألأ فى عباءة سواده التى غسلها ماء السماء للتو، بدت خفيفة كريشة بالكاد تلمس أعقابها الأرض والعالم مسالم مسترخى فى قيلولة الثالثة عصرا، عبق شجرتى اليوسفى الواقفتين بصمود أمام باب المنزل يزهوان بردائهما الأخضر الغامق المنقوش بالثمرات البرتقالية يعبئ النسمات الخفيفة برائحته النفاذة، ورحيق الزهرات البيض المنمنمة لحقول البرسيم تجذب أسراب النحل، يحمل هواء الظهيرة الدافئة طنينه مختلطا بزقزقة العصافير والخوار المسترسل للبقرات الجائعات وصياح الديكة التى فقدت مؤقتها الفطرى فصارت تصيح فى أى وقت دون حياء، معزوفة طبيعة أعادت الى الارض الحياة .

بينما تداعب شمس الشتاء المصفرة بياض عينيها بدلال وهى تحلق فوق سمفونية لوحتها تلك، رج قلبها فجأة دباب ثقيل وظل طويل قادم من الخلف، امتصت لسانها الجاف والتفتت تنظر القادم المرعب، فوجدته عاشور خولى القرية، راعى الرعية فى البلدة، فى ظلمة شهر طوبة يطوف الأزقة، تجده فجأة يلقى جسده الضخم وكتفيه العريضين وكرشه المنتفخ فوق أكوام القش خلف أفران الخبيز المشتعلة فى الباحات الخلفية للدور الطينية ، يلتهم أرغفة الخبز الطرية دون عدد والجبن القديمة وقطع البصل الصغيرة التى انهال على رؤوسها بقبضته فانفجرت مهشمة، يرشف بعدها كوب شاى مغليا محلى بخمس ملاعق سكر، لحظات ويشعر بالدفء فيلف رأسه فى شاله البنى المخيف ويفرد جسده الثقيل بجوار الحائط متدثرا بحرام من وبر الجمال، يغط فى نوم عميق محتضنا عصاه الضخمة دون أن يحرك أنملة ليساعد صاحبة الخبز التى أطعمته، يتركها محتارة تندب شؤم حظها، تبكى عجينها الذى خرب وخبزها الذى غرق تحت زخات المطر الهاطلة، فلن يحتمل الصمود أمام فطر العفن أياما، يبارى صوت شخيره صفير الريح بأذنيها، من خلف شباك قديم غطاه دخان الفرن المتصاعد بطبقة كثيفة من الهباب، وعشش فوق ضلفتيه نسيج رقيق لبيت عنكبوت منسي، أتى صوت الجده صفية:

ـــ قلتلك يامعدلة متخبزيش فى الطل سما طوبة بكاية، هتشتى فوق رأسك مسمعتيش الكلام، أهى ما بطلتش عويل عليكى ياحزينة.

مرت سحابة ظله الطويل من فوقها، وقف أمامها على خط فاصل بين الظلام والنور يسألها بصوته الغليظ، ما الذى يجعل قدميها نظيفة هكذا بينما الوحل يغطيه حتى ساقيه، نظرت الى ملامحه الموحشة، حبست أنفاسها هربا من رائحة الموت التى تفوح من فمه، وأشارت بأنامل مرتجفة وهى توارى وجهها بعيدا عن كفه الغاضب:

ـــ الدود بياكل وشك ياعم.

أندفع بكفه الضخم تجاه وجهه يتلمسه بخطى حذرة يستكشف الأمر، فوجد مستعمرة ديدان تنهشه، عوى فى الظلام كذئب يبحث عن قطيعه ليغيثه من بين أفواه الديدان التى لا تُري، تُهرئ لحمه السمين دون أن يقوى على دفعها بعيدا عنه، تلك الديدان اللعينة التى لم تخش غضبه ولا ضخامة جسده ولا عظم صوته ولا قبضته التى لا ترحم ولا قسوة عصاه فأكلته حيا... وأخذ يتقزم ظله، يغوص فى الظلام، يبتعد ويبتعد، حتى كاد أن يندثر، لم يجيره سوى صرخات أمها توقظها من بين قبضة كابوسها المتكرر..

عادت من شرودها، وسؤال مباغت يتعثر فى زحام أفكارها عن سر ذلك الحلم المفزع الذى طالما أرقها، فقديما كان يشغل رأسها سؤال دائم حول هذا العملاق الغريب الذى يجوب القرية، تفتح له كل الأبواب، يدخل كل الدور، تشتعل لأجله الكوانين والرواكى من يكون؟ ما الذى يجعل هذا الغول الضخم مُرحبا به، وهو لا يفعل شيئا سوى التهام طعامنا والنوم فى دفء دورنا..؟ سوى أن يأكلنا بشهية شرهة وعصا نخرة.

حاولت أن تعثر على تفسير سريع ينهى كأبة اللحظة، فلم تجد سوى جملة تتدفق بسلاسة على حافة شفتيها: الخولى المسكين عش طفيليا تتبرعم على جثثنا، تقايضنا الخوف بعصا مخوخة، حتى تعلمنا الأستغناء، فنخر السوس عصاك، وذاب المارد فى فم الدود، التقطت أنفاسها متقطعة ثم زفرتها ببطء فى الغبار القمرى للصباح براحة أحبتها، فقد شعرت لتوها إنها بعناية الله.

عادت لكتابها تطالع بدهشة رسالة خطها أحدهم فوق صفحاته... «إلى حارس مقبرة الأحلام، ذالك الغول الذى يقف على ناصية الحلم يُحى هذا ويُميت ذاك، إن العالم أوسع من حلبة المصارعة التى نحياها، أكبر بكثير من هذا المارا ثون الذى يتناحر فيه الساديون ومحبو الدماء والمرابون والخاسرون وزحام المنتفعين الذين لا يجيدون شيئ سوى الولوغ فى دم الأبرياء، لن أجلس وحيدا منزويا، متقوقعا فى كرسيّ دون حركة، أراقب جثة حلمى تتعفن، تخور فى تابوت الامانى المقتولة، أشاهد مسرح الحياة من بعيد كميت عظيم ..

«قرأت الرسالة وأغلقت الكتاب، دارت بضع خطوات حول مكتبها، من ثم وقفت فى شرفتها ترشف قهوتها المرة فى ترقب، شعور ما جعلها تستدير ،توزع نظراتها فى المكان حولها ، بضع دقائق مرت وهى تغربل ماضيها، تتأمل البلدة المظلمة وكوابيس تلك الطفلة الهشة التى علّقت الخولى على مشنقة الحقيقة متلبسا بجرمه، وضعت الفنجان على طاولة جانبية بالقرب منها وعادت الى كرسيها جادة، انغمست فى زحام أوراقها تفحصها بتأهب، ترسم توقيعها على أذيال الصفحات بحذر وتحفظ، وجملة تطفو على سطح أفكارها « كل الأحلام تولد فى مقبرة، نحن فقط من يخرجها للنور، من يمنحها إذن الميلاد»

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق