رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أمهات وسط الزحام.. المرأة المعيلة تتحدى «الصعاب»

تحقيق ــ عبير الضمرانى

  • الرئيس ساند المرأة قانونيا وماديا .. وتمكينها اقتصاديا هدف استراتيجى
  • مطالبها: معاش مناسب وخدمات اجتماعية وصحية ومنح دراسية
  • 1.97 مليون مستفيدة من التمويل متناهى الصغر بنسبة 63.74%

 

 

المعيلة هى امرأة فقدت السند.. فقدت الزوج والأب والأخ ووجدت نفسها بمفردها فى مواجهة الحياة بقسوتها ومرارتها وآلامها، تلك الحياة التى فرضت عليها أن تقوم بدور الأب والأم معا، وتكرس جهدها فى البحث عن المال مهما كان قليلا حتى تسد رمق أبنائها.. وهيهات أن تتيسر لها الأحوال، بل تصارع من أجل البقاء وتتلطم بين أزمات مادية خانقة وصعوبات اجتماعية مسيئة، ومشكلات نفسية وعصيبة.

فمنها من مات زوجها، أو أصيب بمرض أقعده وجعله عاجزا عن العمل، أو تزوج بأخرى وهجرها هى وأبناءها الذين لا ينفق عليهم، أو أنها فتاة لم تتزوج ولكنها ترعى والديها المسنين، اللذين تخلى عنهما باقى الأبناء، تتحمل هى مسئولية توفير المسكن والملبس والمأكل والعلاج والمصاريف الدراسية للأبناء، مما يجعلها تلهث وراء أى فرصة عمل حتى وإن كانت غير مناسبة لها ولكن الحاجة تضطرها لذلك، لأنها مسئولة عن أسرتها ماديا وترعى شئونها بمفردها فهى بلا معيل.

 

وقد أثبتت الدراسات والأبحاث الميدانية التى قام بها عديد من الجمعيات الأهلية أن نسبة البيوت التى تعولها النساء تتراوح بين 20 و40%، وقد ترتفع إلى 57% فى المناطق العشوائية، وتواجههن مشكلات معقدة منها الفقر والحرمان من التعليم، وبالتالى يصعب إلحاقهن بوظيفة مناسبة، ولا يكون أمامهن إلا فرص العمل غير المنتظم وهى غير كافية لضمان الأمان واستقرار الأسرة، كما أنها تعانى الحرمان من الرعاية الصحية وتفرض عليها قيود مجتمعية وأزمات أسرية، خاصة عندما يصل الأبناء لسن المراهقة، ولا شك أن كل هذا يؤثر بالسلب على المجتمع.

«الحوجة والانكسار»

بنبرة حزينة تقول (ط ـ ح) 30 سنة، تزوجت منذ 12 عاما، أنجبت ثلاثة أبناء، وكنا نعيش حياة مستورة حين كان يعمل زوجى سائقا يتكسب قوته يوما بيوم، وإن لم يكن يأتى بالكثير من المال ولكنه كان يسترنا، رزقنا الله بثلاثة أبناء ألحقناهم بالمدارس، وظللنا نكافح حتى نتمكن من توفير متطلباتهم اليومية، «ورضينا بالمقسوم» إلى أن أصاب زوجى مرض أدخله المستشفى وأقعده عن العمل، لم يكن لدى أى مدخرات مادية لكى أنفق منها على أبنائي، شعرت «بالحوجة» والانكسار، وأول ما هدانى إليه تفكيرى أن أخرج أولادى من التعليم لأنى لن أستطيع سداد مصروفاتهم الدراسية، ثم فكرت فى أن أبحث عن عمل لكنى لم أعرف ما العمل الذى يمكننى القيام به، خاصة أننى لا أعرف القراءة ولا الكتابة، ومع الحيرة والبحث أنفقت كل جنيه كان متبقيا معى على الطعام والشراب، نصحنى البعض بعمل أى مشروع ولكن ليس معى المال الذى أبدأ به، فسمعت عن القروض التى يمكن الحصول عليها من جمعية نهوض المرأة وتوجهت إليها وحصلت على مبلغ ألفى جنيه اشتريت بها ملابس أطفال وبدأت فى بيعها لجيرانى وحققت مكسبا بسيطا ساعدنى على تلبية مصروفات البيت وأبدأ فى تسديد أقساط القرض.

وهنا تغيرت نبرة صوتها لتتسم بالتحدى قائلة: تحمست للفكرة وتشجعت على التقدم للحصول على قرض آخر لأشترى مزيدا من البضاعة، فاشتريت ملابس أخرى وملاءات سرير، واستمر الحال هكذا وازدادت مكاسبى حتى سددت المصروفات الدراسية لأولادى لحرصى على أن يكملوا تعليمهم.

بائعة خضار

وتقول (ش.59 سنة) كان زوجى موظفا بسيطا فى الحكومة، أنجبت منه 8 أبناء وتوفى منذ 25 عاما، وكان معاشه 45 جنيها فقط، لا يكفى مصاريفنا، أظلمت الدنيا أمام عينى حين تحملت تلك المسئولية فجأة، وأولادى فى المدارس والمعاهد الخاصة، فعملت كبائعة خضار ودواجن، لكن مع مرور السنين بدأت صحتى تتدهور وأمرنى الطبيب بأن أتوقف عن حمل أشياء ثقيلة، فنصحنى أولادى بأن أبيع إكسسوارات «ففتحت فاترينة إكسسوارات وفضة»، وأكملت تربية وتعليم أولادى منها، إلى أن عادت لى ابنتى الكبرى بعد طلاقها من زوجها ومعها أبناؤها الثلاثة، «استلفت» كثيرا من جيراني، لكن كان لابد من حل لزيادة دخلي، فنصحنتى جارتى بأن أحصل على قرض بألفى جنيه، وبالفعل اشتريت بضاعة جديدة وبرفانات، ونما حجم مشروعى وزاد ربحى، وكلما سددت قرضا حصلت على آخر أكبر منه وهكذا حتى تمكنت من تعليم أولادى وتجهيز بناتى، وأيضا أعطى مصروفا لأحفادي، كافحت وتعبت كثيرا على مدى سنوات عمرى لكن الحمد لله كنا مستورين.

حمل ثقـيل

مشيرة (34 سنة)، تابعتها تتجول من مكان لآخر ويعلو وجهها ملامح تحمل مزيجا من القلق والخوف واليأس والحزن الدفين، وتفضفض قائلة: أتيت إلى القاهرة من إحدى محافظات الجنوب بعد أن زوجنى والدى من رجل يكبرنى بخمسة وعشرين عاما، وكان عمرى حينها خمسة عشر عاما، ولم أحصل سوى على الشهادة الابتدائية، أقمنا فى شقته الإيجار بمنطقة شعبية وأنجبت منه طفلتين، بعد ستة أعوام مرض ثم توفى تاركا حملا ثقيلا لى فى محافظة ليس لى فيها أحد، وحتى أهل زوجى المقيمين فى القاهرة تجاهلوا وجودنا تماما ولم يعرض علينا أى أحد منهم أى مساعدة، وجدت نفسى فى مهب الريح لا أعرف ماذا أفعل، لم أتمكن من الحصول على معاش زوجى لكثرة الإجراءات والأوراق التى لم أعرف إنجازها، نزلت أجوب الشوارع أطرق أبواب المحال والسوبر ماركت والمطاعم أبحث عن أى عمل، المواقف الصعبة والسخيفة التى تعرضت لها من أصحاب أماكن العمل لا تعد ولا تحصى لأنى شابة أرملة ومطمع من كثيرين وعشت فى حالة دفاع عن النفس مستمرة، أضطر دائما لإثبات أنى أبحث عن عمل شريف، وهكذا كنت أترك الطفلتين الصغيرتين فى البيت وحدهما وأغلق عليهما الباب بالمفتاح وكلى خوف ورعب أن تتعرضا لأى خطر، وتوكلت على الله، وعملت (كاشير) فى أحد المطاعم بمرتب ألف وخمسمائة جنيه وأنتظر أى «بقشيش» لأكمل به مصاريفى اليومية، وكان صاحب المطعم يعطينى كل يوم وجبة غداء مجانية، وبهذا كنت أوفر بعضا من نفقاتى حتى أتمكن من شراء الطعام لبناتي، ولكنى كنت أتأذى كثيرا بسبب سماعى ألفاظا بذيئة من العمال ومعاكسات بعض الزبائن فتركت المكان، وعملت سكرتيرة فى إحدى الشركات الصغيرة ولكن المرتب كان ألفا وسبعمائة جنيه فكان لا يكفينى، حيث كنت أنفق منه خمسمائة جنيه شهريا على المواصلات، فمكثت فى البحث عن عمل آخر ومن مكان لمكان ومن مرار لمرار لعذاب لحيرة، عملت أخيرا فى سوبر ماركت وكان صاحبه يراعى ظروفى فى المواعيد حتى أعود لبناتى قبل ظلام الليل، وعملت به لمدة عام لأحصل على ثلاثة آلاف جنيه ورغم انه أكبر مرتب أحصل عليه إلا أنه كان يكفينا بالكاد بعد إيجار الشقة ومصاريف الدراسة والكهرباء، وما يتبقى نشترى به الطعام..

> المشروعات متناهية الصغر إحدى وسائل تمكين المرأة المعيلة

العمل الميداني

ومن خلال العمل الميدانى توضح دكتورة إيمان بيبرس-رئيس مجلس إدارة جمعية نهوض وتنمية المرأة أن المرأة المعيلة فى بلادنا تواجه العديد من المشاكل التى من أهمها عدم وجود مشروعات إنتاجية كافية تتفق مع إمكانات المرأة المعيلة خاصة فى العشوائيات، التى تتناسب مع ظروفها المعيشية حتى تساعد فى زيادة دخلها، إلى جانب عدم تنظيم دورات تدريبية كافية تحتاجها المرأة المعيلة لرفع مهاراتها وربطها بسوق العمل وهى النقطة الأهم فى نجاح المشاريع واستمرارها، بالإضافة إلى عدم وجود رعاية صحية مجانية كافية، والتى تتم من خلال تخصيص تأمين صحى مجانى للمرأة المعيلة ولأطفالها.

وعن نسبة المرأة المعيلة فى مصر وهل هى مقاربة للنسب فى الدول الأخرى، وهل هى فى تزايد ام تناقص تقول: إن نسبة الأسر التى تشكل المرأة المصدر الرئيسى لدخلها نسبة تصل إلى قرابة 33%، ونسبة الأمية بينهن تبلغ نحو 44% فى الحضر، و66% فى الريف، ومنهن أرامل ومطلقات ويمثلن 83% فى الحضر، و70% فى الريف، وهذا وفقا لآخر الأرقام الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزى للمحاسبات، فى فبراير من العام 2017».

حيث تصل نسب الأسر التى تعولها النساء إلى 43 % على مستوى العالم، أى ما يُقارب نصف العدد، والظاهرة تطول الدول الغنية والفقيرة على حدٍ سواء، فنجد النسبة تصل فى أوروبا وأمريكا إلى 20 %، ولكنها ترتفع فى الدول النامية، وتتراوح فى مصر بين 22 و33 %، وفى اليمن والسودان تصل إلى 23 %، وفى الدول العربية إجمالا تبلغ 12.5 %، فهذه النسب صادمة، ومن المؤسف أنها فى تزايد.

القروض الصغيرة

وحول الشروط المطلوبة لدعمهن بقروض مادية، وكيف يتمكن من سدادها تقول: من ضمن البرامج التى تقدمها جمعية نهوض وتنمية المرأة، برنامج القروض الصغيرة الذى يهدف إلى تمكين المرأة المعيلة اقتصاديًا، من خلال توفير قروض جماعية لها تمكنها من عمل مشروع صغير يدر عليها دخلا، وتعتبر الجمعية هى أول جمعية فى مصر والوطن العربى تقدم القروض متناهية الصغر لتمكين المرأة اقتصاديا بنظام يتناسب مع ظروف المرأة التى تعول أسرتها وهو بدون أى ضمان سوى الضمان الجماعي.

مساندة الحكومة

وحول اتخاذ الحكومة موقفا مساندا للمرأة المعيلة، خاصة فى مشاكلها الاقتصادية أم تكتفى بتقديم معونات مالية؟ أجابت بيبرس قائلة: بدأت الحكومة مؤخرُا منذ تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى الحكم، الاهتمام الملحوظ بالمرأة بصفة عامة والمعيلة بصفة خاصة، وأصبح هناك خطوات فعلية لمساندة المرأة المعيلة فى مشاكلها، هذا بالاضافة إلى تقديم معونات مادية، فعلى سبيل المثال أصبح للمرأة المعيلة نصيب من القوانين، حيث تم تشريع قانون رقم 201 لسنة 2020 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 141 لسنة 2014 بتنظيم نشاط التمويل متناهى الصغر، وتكمن أهمية هذا القانون فى دعم المشروعات الصغيرة وتوفير فرص عمل للنساء، خاصة أن عدد المستفيدين من القانون 3.2 مليون مواطن أغلبهم من السيدات المعيلات بنسبة 63%.

كما وجهت الدولة بشكل مباشر 14% من الموازنة العامة لقضايا المرأة، واعتبرت تمكين المرأة المصرية اقتصاديًا هو الركن الثانى لتحقيق استراتيجية التنمية المستدامة 2030، معتبرة أن هذا التمكين سيكون له دور كبير فى رفع الناتج المحلى المصري، وتوفير حياة أفضل لها ولأسرتها، ومواجهة الفقر فى النجوع والقرى.

كما بذلت الدولة المصرية، العديد من الجهود بشأن المشروعات الصغيرة والمتوسطة، حيث أعطى القانون رقم 152 لسنة 2020 بشأن تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر حوافز وإعفاءات وامتيازات ضريبية استفادت منها النساء بشكل كبير وبناء عليه وحسب الهيئة العامة للرقابة المالية، فقد استحوذت المرأة على النصيب الأكبر من التمويل متناهى الصغر، حيث بلغ عدد المستفيدين من النساء فى نهاية الربع الثانى من عام 2020 نحو 1.97 مليون مستفيدة بنسبة 63.74% وبأرصدة تمويل قدرها 8.19 مليار جنيه، وساهمت تلك الأرقام إلى حد كبير فى تعزيز النمو الاقتصادى للمرأة، والحد من وطأة الفقر، خاصة مع تداعيات جائحة كوفيد-19.

مطالب أساسية عاجلة

ومن واقع العمل الميدانى تتحدد مطالب للمرأة المعيلة للمسئولين والتى تضمن حياة كريمة لها ولأولادها، تقول د.إيمان بيبرس قائلة: نطالب بتوفير معاش مناسب يحميها هى وأسرتها من الفقر ومن زيادة الأسعار، وتسهيل الإجراءات اللوجيستية الخاصة بفتح مشروعات صغيرة، والتى تكون عائقا أمام البعض لفتح مشروعات خاصة بهن، وتقديم خدمات قانونية، سياسية، اجتماعية، وغيرها تساعدها على المعيشة هى وأسرتها، وأن تشملها رعاية صحية وعلاج مجانى لها ولأسرتها لضمان بيئة صحية سليمة، وعدم تفشى الأمراض فى المناطق العشوائية.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق