رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

البقرة

عبد الرحمن بن محمد;

اشتريت بقرة ووضعتها فى محفظتى البنية لتجلب لى الحظ...

سخر منى الرجل الجالس بجوارى فى الأتوبيس رقم (17) الذاهب إلى ميدان السيدة زينب عندما رآها وأنا أخرج الأجرة، لكنى لم أعره أدنى اهتمام.

ـ بترضع منها دى لما بتعطش ولا ايه!؟

ناولت الكمسرى الأسمر الضخم الأجرة، ونظرت من النافذة فخوراً ببقرتى غير عابئٍ بشئ؛ وبعد لحظة صغيرة جداً طلب منى الكمسرى بصوته الممتلئ جنيهاً زيادة لأن الأجرة أصبحت خمسة جنيهات منذ أسبوع: «مش اربعة!»، وصاح بملء صوته ليسمعه كل من فى الأتوبيس:

ـ زباين آخر زمن!

لم أعترض والله، ولم أفكر حتى فى الاعتراض. لم أكن أعرف كم الأجرة تحديداً، هذا كل ما فى الأمر، وعلى كل حال طلبت منه الجنيهات الأربعة، على أن أعطيه ورقة بخمسة حالاً؛ وفى اللحظة التى مَدّ فيها يده، ومددت يدي، كاد يناولنى جنيهاتي، وكدت أتناولها؛ لكن، فجأة، قفز الأتوبيس، وقفز كل من فيه، وقفزَت الجنيهات من يد الكمسرى الأسمر الضخم!

ـ مش تمسك كويس يا برنس!

ابتسمَتْ لى جدتى هانم، وقبَلتْ رأسى ويدى كعادتها عندما أذهب إليها مع أمى بعد غياب، ودفنتُ أنا أصابعى الصغيرة فى شعرها الأبيض الكثيف، الذى يذكرنى دائماً بسُكر غزل البنات؛ فضَحِكَتْ، وتورَدتْ وجنتاها المجعدتان، وجذبتنى إلى صدرها الطري، وقرصتنى بين فخذي، وقالت بصوتها الكسول: «مابتجيش ليه يا واد أنت».

ــ لو سمحت... عن إذنك... وقع منى فلوس بس...

بحثت كثيراً تحت الأرجل، ولم أجد سوى جنيهين أحدهما فى منتصف الأتوبيس والثانى فى آخره، ويأست من إيجاد الجنيهين الآخرين؛ ولم أرغب فى أن أخوض معركة مع الكمسرى الفظ، وأطالبه بما ضاع، حتى لا يكسر أنفى ونظارتى بقبضته الضخمة، فأعطيته ورقة بخمسة على مضض، وحمدت الله على كل حال.

ــ الله أكبر، الله أعظم!

أذن المغرب قبل أن أصل إلى ميدان السيدة زينب. الطريق مزدحم جداً، والأتوبيس يقف كثيراً جداً؛ بمجرد أن يشير له أحدهم، يتوقف، ويركض الرجل أو المرأة سيان ــ خمسة أمتار على الأقل حتى يصلا إليه، ويحشرا نفسيهما حشراً فيه.

ــ سيدة... سيدة... سيدة...

ــ هتركبهم فين تاني!؟

أخبرتنى جدتى ورأسى بين نهديها أن البقر يجلب الحظ، وأن عليَّ فى يومٍ من الأيام شراء بقرة والاحتفاظ بها، كى لا أصبح مثل أبي: «ياما نصحته، بس هو فقري، أوعاك تطلع شبهه يا واد يا بَكر!»، ضَحِكَتْ أمى على كلامِ أمها، وقامت لتصنع كوبين من الشاي.

شعرت بحاجة كبيرة إلى تدخين سيجارة جيدة، لكن كيف، ولا مجال لنفس آخر! فكرت إذا فعلتها فى منتصف الأتوبيس، سوف ينهش لحمى ذلك الأسمر الفظ، وسيساعده كثير من رجال ونساء الأتوبيس على ذلك. لكنى لم أستطع الانتظار أكثر؛ عانيت كثيرا حتى وصلت إلى باب الأتوبيس، ودلدلت نفسى إلى الخارج قليلاً، وأخرجت آخر سيجارة كليوباترا من العلبة، ودخنتها، ولم تكن جيدة بطبيعة الحال.

ــ رايح السيدة زينب ده؟

ــ لأ...

حشرت نفسى داخل الأتوبيس مرة أخرى بعد أن أنهيت السيجارة، ووجدتنى واقف أمام ذلك الرجل الذى سخر من بقرتى وأنا أدفعُ الأجرة؛ وفى اللحظة التى لمحنى فيها، ابتسم ابتسامة ذات معني، وكتم ضحكة كادت تنفجر فى الأتوبيس، وهَمَّ أن يقولَ شيئاً، لكنى التفتُ بسرعة إلى ناحيةٍ أخرى وكأننى لم ألاحظ.

ــ حاسب كده يا واد...

دفعتنى جدتى برفقٍ، وفتحتْ أزرار جلبابها الناعم، ووضعت ذراعها فى عبها، وأخرجت بعد مدة من البحث- بقرة بيضاء يغطى جانبى وجهها وأجزاء من جسدها السواد، تخور فى حنقٍ وكأنها لم تتنفس مذ فترة طويلة: «وأنا ايه معيشنى لحد دلوقتى غير البقرة دي...»

شعرت بالاختناق، شعرت وكأن الأتوبيس لن يصل أبداً. فكرت أن ربما بقرتى مريضة، فأنا لم أسمعها تخور مذ ابتعتها هذا الصباح. وضعت يدى فى جيبى لاطمئن عليها، ولكن: «المحفظة! أين المحفظة!».

رابط دائم: 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق