رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

رسائل جديدة لإبطال القنبلة السكانية

تحقيق ــ عـــــلا عــامـر

  • د. طارق توفيق : 70 مركزا بمحافظات قبلى وبحرى الأعلى فقرا وإنجابا
  • الجمهور المستهدف غير محدد و20% لا يتعرض لأى وسيلة إعلامية
  • د. سامى عبدالعزيز: الحملات الإعلانية خاطبت المرأة قبل اكتشاف أنها «ضحية».. والمونولوج والأغانى يخدمان القضية
  • د. مجدى عاشور: لا يوجد نص دينى يُنكر على المسلم تنظيم الإنجاب
  • د. عادل عبدالغفار: الاتصال المباشر أفضل فى القرى والمناطق الشعبية.. والمهم الاستمرارية
  • د. ديزيريه لبيب: مئات المتطوعات يطرقن الأبواب لتصحيح المفاهيم
  • د. راوية: «الحماة» فى بيت العيلة صاحبة قرار الإنجاب حفاظا على الامتداد

 

 

 

ألف باء أى تحرك جديد فى قضية قديمة ومزمنة، أن نعود إلى البدايات لنعيد دراسة الرسائل والحملات، فلربما اكتشفنا أننا كنا نخاطب جمهورا خاطئا، لم نستطع تحديد خصائصه، أوالتعرف للمدخل المناسب لإقناعه وتغيير ثقافاته، فالمرأة المصرية مثلا كنا نظنها لسنوات تلعب بمفردها دور البطولة فى قرارات إنجاب البنين والبنات، فإذا بها مجرد مؤدية لعدة أدوار مفروضة عليها منذ صغرها، فهى أولا مأمورة من أبيها بأن تودع مبكرا أحلام الطفولة، لتبدأ مرحلة أخرى ينتقل فيها زمام الطاعة إلى رجل يطالبها بأن تحقق لاسمه الامتداد وتملأ بيته بـ»عزوة الأولاد»، ومن وراء الكواليس تبدو سطوة شخصيات أخرى فى العائلة الممتدة، والجميع ــ صغارا وكبارا ــ يخضع لثقافة مجتمعية، مدعمة أحيانا بمفاهيم خاطئة لنصوص دينية، كفيلة بإسكات أى احتجاج، ووأد أى اعتراض .. كل هذا يؤكد أننا لم ننجح بعد فى فك شفرة قضية الزيادة السكانية، التى تحتاج لإعداد رسائل جديدة تناسب الجمهور المستهدف، وتتصدى للموروثات العنيدة.


كان أول سؤال للدكتور طارق توفيق نائب وزير الصحة لشئون السكان عما إذا كنا نعمل على جمهور مستهدف بدقة، فكانت الإجابة بكل صراحة بالنفى، موضحا أنه ليس هناك تحديد واضح للجمهور المستهدف فى القضية السكانية، وأن مخاطبة الجميع بنفس الرسائل خطأ كبير، لأن كل جزء أو منطقة جغرافية فى المجتمع لها ثقافاتها سواء الدينية أو المجتمعية أو الاقتصادية التى تتحكم فى قناعات الإنجاب لديها، وبالتالى عدد الأبناء، مضيفا: فمحافظات الوجه القبلى كلها تتمسك بإنجاب الذكور، حتى لو كان حظ التعليم عاليا، فربما يكون الرجل من حملة الدكتوراه لكنه يبحث عن “الولد” لأن هذا مرتبط بثقافة مجتمعية لها قوتها وسطوتها، وهذا لا يمنع من أننا رصدنا علاقات طردية بين متغيرات، مثل الأمية والفقر وكثرة الإنجاب، فهناك حوالى 70 مركزا موزعة على 18 محافظة من محافظات الوجهين القبلى والبحرى، تتحقق بها أعلى معدلات الأمية والفقر، وأيضا البطالة، وهم يمثلون فى الوقت نفسه المراكز الأعلى إنجابا على مستوى مصر خلال السنوات الثلاث الأخيرة، واستكمالا لنقطة الجمهور المستهدف، وأهمية وجود خريطة واضحة له قبل رسم أى سياسات، أوضح الدكتور طارق توفيق أنه يتم حاليا بالتعاون مع الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء عمل دراسة متعمقة، لتحديد الشرائح الموجودة بالمجتمع وخصائصها، وبالتالى تحديد المنصات الأنسب لمخاطبتها، ونوعية الرسائل كذلك، لأن هناك قطاعا من المجتمع ــ من هذا الجمهورــ لايمكن تجاهله فى القضية السكانية لكونه أعلى فقرا و إنجابا، إضافة إلى كونه بعيدا عن التعرض لأى وسيلة إعلامية أووسيلة تواصل اجتماعى عن طريق الإنترنت، مشيرا إلى أن نسبتهم ليست قليلة، وتقدر بحوالى 20% من المجتمع المصرى، وهؤلاء نصطلح على تسميتهم باسم: “الشرائح الغاطسة”

وأضاف أنه يتم التجهيز لهذه الدراسة منذ ستة أشهر، بينما يستغرق التنفيذ الفعلى لها نحو ستة أشهر أخرى، وإن تأخر التطبيق كان بسبب ظروف كورونا، للحاجة إلى إجراء مقابلات مع أفراد العينة الممثلة للدراسة.


لقاءات مباشرة للتضامن الاجتماعى مع نساء القرى والنجوع

وقال من ناحية أخرى إن الناس كلها مسئولة عن قضية السكان، فهى قضية قومية، لا يجوز استثناء أحد من دوره فيها، حتى كبار السن، وطلبة المدارس والجامعات، ولكن مع إدراك أن لكل شريحة عمرية أو اجتماعية أو ثقافية الخطاب الملائم لها، فكما قلنا هناك من يُنجب كثيرا بحثا عن الولد، وهناك من يبحث عن الإنجاب المبكر، وهناك من يريد العزوة والكثرة من الجنسين عموما، وهناك من يظن أن التدخل فى الإنجاب أمر يخالف صحيح الدين، أويعتبره قلة إيمان بالرزق الإلهى، وهناك من ينجب كثيرا لجهله بحملات التوعية والتنظيم، بينما نجد حالات لم يستطع فيها الزوج أن يرسل زوجته لتركيب وسيلة منع حمل، لأنه لا يملك أجرة مواصلات أقرب مكان مجانى لتنظيم الأسرة، مشيرا إلى أن هناك دولا مثل إندونيسيا درسوا الفئات المختلفة فى الريف والحضر،ونجحوا فى العمل وفقا لهذا الأساس.

ولفت دكتور طارق إلى أن القضية السكانية تحتاج توعية مستمرة، وليست حملات موسمية، إذ يجب العمل بنظام الاستراتيجية الممتدة لأننا نواجه مشكلة ــ كما قال الرئيس السيسى لها ماض سحيق ــ وأوضح أن معدلات الزيادة لا يمكن السكوت عليها، وأن زمن تضاعف السكان بمصر يتم فى أقل من ثلاثين عاما، فى حين أن الدول الأخرى المشابهة لنا تتضاعف فى فترة لاتقل عن الخمسين عاما تقريبا، كما أننا استغرقنا أكثر من أربعين عاما حتى نهبط بمعدل الإنجاب الكلى، أى عدد الأطفال لكل سيدة من 6 إلى 3٫5 موضحا أن الخطورة تكمن فى كون الفقر متوارثا مع كثرة الإنجاب، فالأسرة التى لديها خمسة أطفال بالكاد يتم سد احتياجاتهم الأساسية، ولاتكون هناك فرصة للتعليم أو الاهتمام بالصحة والعلاج، سينتجون بدورهم أجيالا فقراء لم يأخذوا حظهم من المقومات التى تؤهلهم للعمل والإنتاج وتحسين مستواهم، وعدنا لنسأل عن باقى الدراسات والأبحاث التى تخدم القضية السكانية، أجاب محدثنا، بأنها موجودة ولكن خروجها للواقع بالتطبيق العملى فى حملات أو إعلانات أو كرتون أمر يتطلب ميزانية كبيرة وتمويلا غير متوافر.

رسائل إعلانية متغيرة

«حسانين ومحمدين» و«انظر حولك» كانت بدايات لنماذج إعلانية تليفزيونية، حققت شهرة وذيوعا قبل عدة عقود، إلا أنه يبدو أنها لم تحقق الهدف المرجو منها، بدليل أن المشكلة السكانية لم تهدأ بل ازدادت سوءا، سألنا الدكتور سامى عبدالعزيز أستاذ الإعلان وعميد كلية الإعلام الأسبق عن مدى مخاطبة إعلانات تنظيم الأسرة للجمهور المستهدف ؟

فأجابنا قائلا: كان الانطباع قديما أن المرأة هى المسئولة عن تنظيم الأسرة وبالتالى كان الخطاب موجها لها، ثم تبين أنها ضحية لثقافة المجتمع، ولأهل الزوج، وربما أهلها أيضا الذين يغرسون بداخلها مبدأ: (اربطيه بالعيال) مشيرا إلى أنه بعد فترة بدأ التركيز على أبعاد اجتماعية أخرى مثل صحة الأم، إلا أنه كان بعدا أحاديا وغير متنوع، ثم ظهرت أبعاد أخرى كالبعد القومى ومستوى المجتمع وهذا لايمثل للأسف دافعا قويا عند مخاطبة جمهور القضية السكانية به، ثم تحول الحديث إلى انعكاس الإنجاب على صحة الأولاد وفرص تعليمهم، وأخيرا بدأت الحملات الإعلانية فى مخاطبة الرجل باعتباره شريكا بعنوان: (الراجل مش بس بكلمته) وكان الهدف وراءها ليس فقط تنظيم الأسرة، وإنما إظهار أهمية مساندة الزوج لزوجته وأولاده، وذلك بناء على دراسات أجريت، أما اليوم ـ يكمل د. سامى ـ فنحن نحتاج لحملات تتنوع فيها كل الأبعاد، وتبتعد عن الخطاب المباشر خاصة لعلماء الدين، واستبداله بخطاب فى قضايا الحياة ومشكلاتها بطريقة توصل الرسالة التى مفادها أن لا أحد مستفيد من الزيادة السكانية، ولا ننسى ــ يضيف دكتور سامى عبدالعزيز ـ دور الفن والدراما والمونولوج مستشهدا بمونولوج قديم للفنانة ثريا حلمى يقول مطلعه: طالع فيها ليه قول عملت لبلدك ايه ؟ ويضيف ضاحكا: حتى أغانى المهرجانات يمكنها أن تصل إلى جزء من الجمهور المستهدف وتؤثر فيه.


خطاب غير مباشر

الزيادة السكانية ليست إلا بعدا واحدا من أبعاد القضية، فهناك الارتقاء بالخصائص السكانية، وهناك إعادة توزيع السكان على الموارد المتاحة .. هكذا بادرنا الدكتور عادل عبدالغفارالأستاذ بكلية الإعلام جامعة القاهرة، رافضا أن تكون الرسالة الإعلامية المسيطرة هى فقط الزيادة السكانية، مطالبا بالتوازن الدائم بين كل الأبعاد، وبيان أن الارتقاء بالتعليم يرتبط بالصحة، ويرتبط كذلك بعدد السكان، وقال: خطأ كبير أن نظن أن الجمهور المستهدف يمكن الوصول إليه من خلال وسائل الإعلام فقط، فالاتصال المباشر خاصة فى الريف والمناطق الشعبية، لايقل أهمية عن الإعلام، بل قد يكون أكثر فاعلية وتأثيرا، كما أن القيادات الطبيعية فى المجتمع عليها جزء كبير من المسئولية وأيضا التأثير، وكذلك الخطاب الدينى والدراما، موضحا أننا نفتقد الإنتاج الدرامى الذى يخدم قضية السكان منذ عقود طويلة، وكذلك ينتقداختفاء الإعلان الدرامى السريع، موضحا أن كل الأطراف التى تعمل فى القضية وبرسائلها ومضامينها المختلفة يجب أن تعمل فى إطار أن كثرة الإنجاب ليست قضية الرجل المصرى وحده أو المرأة وحدها، والأهم أن تكون هناك استمرارية فى المعالجة، حتى لايحدث حماس يعقبه هبوط، ثم يعود الحماس لنجد أن علينا أن نبدأ من جديد، لأن بالفعل قضية السكان فى مصر تفتقد للاستمرارية فى المعالجة.


زيارات .. ومسرحيات

فى القرى والنجوع الفقيرة، لا تتوقع أن تكون المرأة متابعة لحملة إعلانية أوبرنامج طبي، أو دينى يحدثها عن خطورة الإنجاب المتكرر على صحتها ومستوى معيشتها، وبالتأكيد لن تقرأ ماتكتبه الجرائد أيضا عن القضية السكانية، لأنها فى الأغلب أمية، فيكون الحل الأمثل لضمان وصول الرسالة إليها هو دخول بيتها من قبل امرأة مثلها، لذا استوقفنى كثيرا عنوان حملات: «طرق الأبواب» التى أطلقتها وزارة التضامن الاجتماعى، فقمت بالتواصل مع الدكتورة ديزيريه لبيب مدير المشروع، الذى يندرج تحت عنوان:”2 كفاية”، وخلافا لما يعتقده البعض من أن المشكلة السكانية هى مشكلة الحكومة وحدها، فإن مشروع طرق الأبواب ــ كما علمنا من الدكتورة ديزيريه ـ يعتمد على استعادة دور المجتمع المدنى فى مساندة البرنامج السكانى، حيث إنه مما نصّت عليه الاستراتيجية القومية للسكان (2015 – 2030) أن «المشكلة السكانية بأبعادها المختلفة تُمثِّل تحدياً يستوجب توفير البيئة المحفزة على مشاركة الجمعيات الأهلية، كما تتطلب إذكاء الجهود التطوعية لمجابهتها” لذا ـ تضيف ـ فقد قامت وزارة التضامن الإجتماعى بدورها فى البرنامج السكانى من خلال إطلاق مشروع الحد من الزيادة السكانية بين الاسر المستفيدة من برنامج تكافل «اتنين كفاية» وتنفيذ برامج متكاملة للتنمية البشرية فى المناطق الفقيرة، حيث استهدف المشروع مليون سيدة فى عشر محافظات، (البحيرة، الجيزة، الفيوم، بنى سويف، المنيا، قنا، سوهاج، أسيوط، الأقصر، أسوان) وهى المحافظات الأكثر فقراً والأعلى فى معدلات الإنجاب، بالإضافة إلى حى الأسمرات.


د. مجدى عاشور

وتم التعاقد مع 108 جمعيات أهلية تعمل داخل هذه المحافظات، وتدريب 384 من كوادر هذه الجمعيات المشاركة فى المشروع، وكذلك تقديم خدمات تنظيم الأسرة من خلال عيادات هذه الجمعيات وتدريب الأطباء والتمريض العاملين بها تدريباً نظرياً وعملياً، بالإضافة إلى تدريب 1246 متطوعة للعمل كمثقفات مجتمعيات، وهن اللواتى يطرقن أبواب المنازل للتحاور مع المرأة حول تصحيح عدة أنواع من المفاهيم المغلوطة، منها مايتعلق بصحتها وبوسائل منع الحمل، فضلا عن معتقدات ترتبط بثقافة المجتمع المحيط.

وعن النتائج التى حققها “طرق الأبواب” تعرب دكتورة ديزيريه عن تفاؤلها، وأن ردود الأفعال كانت مشجعة ومحفزة لأن نزيد الرقم المستهدف التعامل معه مستقبلا من مليون إلى أربعة ملايين سيدة، وأن نُزيد كذلك عدد الندوات، والعيادات، موضحة أنه تم البدء فى حملات طرق الأبواب فى أول يناير 2019 وما تم تنفيذه للآن بلغ 5٫306٫713 زيارة، أى أنه تحقق 115% من المستهدف، مع ضمان المتابعة والاستمرارية فالزيارة يمكن أن تتكرر للبيت الواحد عدة مرات، وبالنسبة لعدد السيدات المترددات على عيادات تنظيم الأسرة (عيادات 2 كفاية) فقد بلغ 107٫456وعدد المستخدمات لوسائل تنظيم الأسرة: 81٫981 سيدة، بنسبة 76% من المترددات.

وقالت دكتورة ديزيريه من ناحية أخرى، أن تغيير المفاهيم من أصعب مايكون، لذا الأمر يحتاج استمرارية، ويحتاج أيضا للتنوع فى طرق توصيل الرسائل، مثل الندوات التى نحرص أن يتحدث فيها كل من رجال الدين المسيحى، وعلماء ومشايخ الدين الإسلامى، فضلا عن مسرح الشارع، حيث تم تقديم 20عرضا مسرحيا بالمحافظات العشر المستهدفة، لطرح العديد من التأثيرات السلبية الناتجة عن كثرة الإنجاب، عن طريق إيجاد مواقف جاذبة للمُشاهد تجعله يُفكّر فى الرسائل دون افتعال، بالإضافة إلى العروض الدرامية الحية، والتى تًقدم بالمقاهى العامة «سكر برة».

سطوة الكبار

المرأة فى سن الإنجاب لا تلعب دائما دور البطولة، ففى مجتمع فقير وعشوائى، تكون مجرد وعاء يأتى بالبنين والبنات، وفقا لأرقام يحددها الزوج، أو الحماة.. هذا ما كشفته لنا الدكتورة راوية خليل التى تدخل كثيرا بيوت وعقول النساء، بحكم عملها كواعظة متطوعة بوزارة الأوقاف تقول: فى حملات تمت ضمن اتفاقيات بين المجلس القومى للمرأة ووزارة الأوقاف، خرجت إلى الكثير من القرى الفقيرة جدا والمناطق العشوائية، بقرى تابعة لمحافظة الجيزة، وتضيف: هناك تكتشف سطوة الرجل وتأثير شخصيات أخرى كنا غافلين عن قوتها فى قرار الإنجاب، مثل والدى الزوج، وتحديدا أمه أو الحماة، خاصة أن أغلب نظام المعيشة يعتمد على بيت العيلة، وبالتالى ففرص الهروب من تأثير الأهل الكبار تكاد تكون معدومة، لذا ــ تضيف دكتورة راوية ـ أصبحت أهتم بتوجيه كلامى للنساء المتقدمة فى العمر اللائى يرين الحفاظ على استمرار اسماء أبنائهن والعائلة، وأؤكد لهن أن هذا أمر يصعب تحققه إلا بالإنجاب الكثيرخاصة لو تأخرقدوم الطفل الذكر، وأطلب كذلك حضور الزوج للمناقشة، فيرفض أحيانا ويستجيب أحيانا أخرى، وتشير إلى أن الزوجة الصغيرة تصاب بالرعب من مجرد فكرة التحدث مع أحد فى أمر الإنجاب، لأن القرار ليس بيدها، وتخشى إن عارضت أن يتم طلاقها أو تنفيذ الوعيد بالزواج من أخرى، مضيفة: بالطبع الأمية تكون قاسما مشتركا فى هذه البيوت، لذا نحاول الرد على كل معتقدات وأفكار الإنجاب بمنطق دينى بسيط لأنه ربما يكون الأقرب إلى إقناع هؤلاء، فمثلا بالنسبة لضرورة المباعدة بين الولادات، نذكر لها حق الرضيع الذى ذكره القرآن الكريم: «وفصاله فى عامين» كما نشير لكراهية ما يسمى بـ«لبن الغيلة»، وهو لبن المرضع الحامل، ونذكرهم أيضا بالآية القرآنية: «ولاتلقو بأيديكم إلى التهلكة» المتمثلة فى كثرة الإنجاب، كما نذكرهم بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع..» وهو ما لا يتحقق فى أسرة تنجب مالايقل عن سبعة أطفال، وتقول: لابد أن نعرف أن كل القضايا المجتمعية التى نعمل عليها مثل ختان الإناث، وزواج القاصرات محاطة أيضا بسياج من التقاليد والثقافات العنيدة.

جزء من "حجج" كثرة الإنجاب، الزعم بأن هذا توجه دينى، يبارك الكثرة، ويضمن الرزق، وهنا يتضح أن الإشكالية ليست فى الدين، بل فيمن اقتطع نصا من سياقه، أو من لم يفهم أن للرزق أدواته.. لذا توجهنا إلى الدكتور مجدى عاشور أمين الفتوى بدار الإفتاء، ليصحح هذه المفاهيم الخاطئة.

هل هناك نص دينى يتعارض مع تنظيم عدد الأبناء؟

الإجابة القاطعة لا؛ لأنه لم يرد فى نصوص القرآن الكريم ولا السنة النبوية المطهرة نص واحد يحدد – ولو تلميحًا- عدد الأولاد المطلوب إنجابهم لكل أسرة، بل العكس هو الصحيح، حيث لم نجد نصًّا يحرم تنظيم النسل أو الإقلال منه، فضلًا عن أن السنة النبوية القولية والعملية قد شهدت بمشروعية تنظيم النسل حيث أقرَّ النبى صلى الله عليه وسلم استعمال الصحابة رضى الله عنهم وسيلة "العزل" من أجل منع الحمل وتكوين الجنين فى مراحله المبكرة.

ماهى الكثرة المطلوبة فى الحديث الشريف: تكاثروا تناسلوا فإنى مباه بكم الأمم يوم القيامة:

البعض فهم الكثرة المطلوبة على أنها الكم، ولكن الحقيقة أن الكثرة الصحيحة عندنا بمعنى الكيف بدليل حديث آخر يشبه فيه النبى صلى الله عليه وسلم الكثرة العددية بغثاء السيل.

كيف نفهم قضية الرزق المتكفل به الله لكل من على الأرض، وكيف نفهم الآيتين الكريمتين: "..نحن نرزقهم وإياكم" و "نحن نرزقكم وإياهم"؟

نفهمها فى ضوء الحقائق الدينية الواضحة أن الله تعالى قد بثَّ الأرزاق، وقدَّرها للخلق جميعًا بعلمه المحيط بهم، وطلب من كل مخلوق الاجتهاد فى تلمس أسباب الوصول إلى رزقه من خلال الحركة والكسب وبذل الجهد، وفى ذلك يقول الله تعالى: (هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) والاحتجاج بهذه الآيات على عدم شرعية تنظيم النسل ليس صحيحًا، وهو نتاج خلل فى الفهم والتعامل مع النصوص والأدلة الشرعيَّة؛ لأنها نزلت فى الذين يقتلون أولادهم بعد ولادتهم خشية الفقر أو التعيير، ولكن فى عملية تنظيم النسل تحول الوسائل دون تكون الجنين أصلًا، هذا من جهة، ومن جهة أخرى إن تنظيم النسل هو من الأسباب العادية التى أمرنا الله تعالى بالأخذ بها والبحث عنها، ثم إن شاء الله تعالى خلق عندها الأثر أو لم يخلقه، وإطلاق الشائعات حول هذا الموضوع قديم جدًا فقد أطلقت مقولة فى زمن النبى صلى الله عليه وسلم تُشَبه «العزل» بـ«الموؤدة الصغرى» فكان رد النبى صلى الله عليه وسلم على من جاء يستفتيه فى الأمر (.. لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَهُ مَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَصْرِفَهُ).

من المسئول عن وجود فهم خاطئ دينيا لقضية تنظيم النسل, ومن المسئول عن التصحيح أيضا؟

وجود الفهم المغلوط أو المعكوس لهذه القضية يتحمله فى المقام الأول كل مواطن حيث تقتضى طبيعة المرحلة تغليب المصلحة العامة على الأمور الشخصية والثقة فى جهود الدولة وإجراءاتها المتنوعة، وعدم الانسياق وراء التيارات المتشددة والجماعات المتطرفة التى تتعمد نشر الشائعات وتزييف الوعى الصحيح للحقائق والمفاهيم الدينية، ولا يخفى أن دور المؤسسات الدينية والإعلامية والتعليمة والتثقيفية تجاه هذه القضية محورى، وقد أولت دار الإفتاء المصرية اهتمامًا كبيرًا بمعالجة هذه القضية من خلال الفتاوى والإصدارات العلمية، منها كتاب فضيلة المفتى "تنظيم النسل وتحديده فى الإسلام" كما تناولتُ شخصيا قضايا تنظيم النسل والعلاقات الأسرية بشكل عام فى برنامجى «دقيقة أسرية».

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق