رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الأب الحزين

أحمد البرى

بعد تفكير عميق وتردد دام فترات طويلة، أكتب إليك مأساتى، فلقد خارت قواى، ولا أستطيع أن أفعل شيئا لإنقاذ أبنائى، ونتجرع الألم والمرارة ليلا ونهارا، فأنا شاب فى الأربعين من عمرى، ولم أعش فترات طويلة من السعادة، فقد أكرمنا الله بطفلة بعد خمس سنوات من الزواج، وملأت الدنيا علينا بهجة وسارت بنا الحياة بدون منغصات حتى كبرت، وبعدها فكرنا فى الإنجاب مرة أخرى، ولكن هذه المرة عن طريق الحقن المجهرى، وكانت هذه بداية رحلة العذاب التى تجرعناها، إذ رزقنا الله بثلاثة أبناء «توائم»، وقد ولدوا قبل موعدهم بأكثر من ثلاثة أسابيع بعد أن أخبرنا الطبيب أن هناك خطورة على الأجنة الثلاثة، وحاول الطبيب وقتها إسقاط أحد الأجنة للحفاظ على الجنينين الآخرين، ولكن محاولته باءت بالفشل فى أثناء إجراء عملية الإجهاض، وفى يوم الولادة أكرمنا الله بثلاثة أطفال ذكور على عكس ما ذكر الطبيب أنهم «بنتان وولد»، وغمرت السعادة الجميع من أفراد الأسرتين، وتم بعدها إدخالهم الحضانة أسبوعا واحدا فقط، واكتشف خلالها الطبيب أن أحدهم ولد بدون العين اليسرى، وليس له مقلة أساسا، وكانت ضربة موجعة، حيث تحولت الفرحة فى لحظات إلى حزن عميق ووقتها خطر ببالى أنه ربما يكون الطبيب قد أخطأ فى أثناء إجراء عملية الولادة أنه قد فقأ عين الطفل، ولم نجزم بذلك، واستسلمنا لقدر الله بعدها حيث إنه يرى بعين واحدة فقط.

وبعد عام من ولادة الطفل سافرت به إلى أحد الأطباء فى المستشفيات المتخصصة لإجراء عملية زرع مقلة له، ثم وضع عدسة صناعية عليها، حيث تكلفت العملية الكثير، ونقوم بتغيير العدسة الصناعية كل ستة أشهر أو عام لكى تتناسب مع عمر الطفل.

وشيئا فشيئا كبر الأطفال الثلاثة، ولاحظنا عليهم عدم الاستجابة لأمهم فى بعض التصرفات مثلا لا يضحكون، ولا ينتبهون، وتأخروا فى المشى، وبعد أن وصل عمرهم عامين، كانت بداية المأساة وقصمة الظهر، حيث أجرينا لهم أشعات على المخ والسمع، ولم نتوصل إلى شىء، فحملناهم إلى متخصص فى الأمراض النفسية والعصبية، وتجرعنا مرارة لم نتجرعها من قبل، إذ صدمنا الطبيب صدمة كبيرة جعلتنا نفقد توازننا، بقوله إن الأطفال الثلاثة يعانون التوحد، وفرط الحركة والتأخر اللغوى، ويحتاجون إلى مراكز متخصصة فى التخاطب والمراكز السلوكية بالإضافة إلى العلاج الدوائى.

وبعدها كانت بداية رحلة العذاب اليومية حتى يومنا هذا، إذ لم نعرف طريقا للراحة، فنحن نعيش وسط أطفال يعانون الحالة نفسها بينهم طفل لا يرى إلا بعين واحدة، فكان الابتلاء شديدا علينا، ونقاوم طوال اليوم حركة الأطفال المستمرة وبعض الأفعال والتصرفات التى يعجز أى بشر عن مقاومتها حتى الطفلة الصغيرة ابنتنا ذات السنوات العشر ذاقت معنا ألوانا من العذاب، وتحملت ما لا تطيق لمساعدتنا فى مقاومة الأطفال، وطويت صفحة طفولتها مبكرا، فكنا نستريح بعد خلودهم للنوم فقط، ولا أنسى أن أقول لك أن أمهم عانت معاناة شديدة معهم، حيث تقوم برعاية كل طفل ومراقبة ماذا يفعل طول اليوم، ناهيك عن خدمته والاستجابة لطلباته، وبدأنا مرحلة العلاج السلوكى فى المراكز المتخصصة وكذلك العلاج الدوائى، وكان الأمر مرهقا لنا كثيرا ومكلفا ماديا، حيث إننا نعالج ثلاثة أطفال، وليس طفلا واحدا، وللأسف كان التقدم فى علاجهم بطيئا، وبلغ عمرهم ثلاث سنوات، فقررنا أن نسافر بهم إلى القاهرة، وإلحاقهم بالمراكز هناك، وكنا نقوم بشراء الأدوية غالية الثمن، منها دواء تتكلف الزجاجة الواحدة منه ألفى جنيه، بالإضافة إلى الأدوية الأخرى التى ندفع فيها آلاف الجنيهات، ومازال التقدم بطيئا، ومؤشرات الكلام لديهم منعدمة، فهم لم يتكلموا حتى الآن، وبعد عامين من العلاج فى القاهرة، عدنا بهم إلى بلدتنا، وألحقناهم مرة أخرى بالمراكز المتخصصة، وكان التقدم ضعيفا.

ومنذ فترة قريبة عرضناهم على طبيب آخر متخصص فى علاج التوحد، فأكد أنهم يحتاجون إلى مراكز سلوكية متقدمة، وعلاج دوائى متطور من خارج مصر، وعندما سألنا عن التكلفة المادية علمنا أنها مبالغ كبيرة فوق طاقة البشر، خاصة أنهم ثلاث حالات، وكنا قد أنفقنا كل ما لدينا من أموال حيث أنفقت عليهم مبالغ طائلة إلى أن توقفت عن العلاج منذ فترة، ولم أستطع مواصلة تكاليف العلاج الذى يحتاجونه من الخارج، بالإضافة إلى المراكز المتخصصة ذات التكلفة المرتفعة جدا.

إننا يا سيدى نعيش فى ظلام، ولا نعرف للسعادة طريقا، ولا للراحة طعما، ولا ننام من الألم النفسى الذى ألمّ بنا، خاصة بعد أن توقف الأطفال عن العلاج، وساءت حالتهم، وما زالوا يعانون نفس الأعراض القديمة والتصرفات الأخرى، ولم يتم إلحاقهم بالمدرسة بسبب إدراكهم الضعيف، فلك أن تتخيل أننا كأسرة فقدنا متعة الحياة، وهم يحتاجون الآن إلى العلاج الدوائى، وقد تم إلحاقهم بالمراكز الحكومية المتعددة، وحصلوا على علاج بها دون جدوى، فهناك أطفال تحسنت حالتهم عن طريق العلاج خارج مصر، وكذلك المراكز المتقدمة المتخصصة، ونحن نقف عاجزين عن توفير علاجهم، وكل ما نملكه هو الدعاء والتضرع إلى الله أن يشفيهم، وأن نجد حلا لعلاجهم أملا فى التكفل بهم، حيث إننا نتألم فى اليوم ألف مرة على حالهم، ولم أجد طريقا إلا الكتابة إليكم عسى أن نجد من يعالجهم ويتكفل بذلك، وأدعو الله أن يرفع عنا هذا الابتلاء الشديد وأن يغمرنا برحمته، وله سبحانه وتعالى الأمر كله.

 

ولكاتب هذه الرسالة أقول:

 

لقد أخبرنا الله عز وجل عن نفسه بأنه حكيم عليم، وأنه يبتلى عباده بالسراء والضراء والشر والخير ليختبر صبرهم وشكرهم، والأطفال وإن كانوا لا ذنب عليهم، فالله يبتليهم بما يشاء لحكمة بالغة، منها اختبار صبر آبائهم وأمهاتهم وأقاربهم، وليعلم الناس أنه سبحانه حكيم عليم، ولا أحد يمنعه من تنفيذ مشيئته سبحانه وتعالى فى الصغير والكبير، وأنه يبتلى بالسراء والضراء حتى يعرف من رزق أولادا سالمين فضل نعمة الله عليه، وحتى يبصر من ابتلى بأولاد أصيبوا بأمراض، فيصبر ويحتسب ويكون له الأجر العظيم والفضل الكبير لإيمانه بقضاء الله وقدره وحكمته.

أيضا فإن الابتلاء فى الأبناء قد يكون علامة من علامات حب الله للعبد لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء, وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم, فمن رضى فله الرضا، ومن سخط فله السخط»، وقال «من يرد الله به خيرا يصب منه» أى يمتحنه ويبتليه، حيث يبتلى المرء على قدر دينه، فإن كان فى دينه زيادة زيد بلاؤه وإن كان فى دينه نقص قل بلاؤه.

والصبر على البلاء والمصائب يستوجب صلوات الله ورحمته والفوز بهدايته، حيث قال تعالى: «وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون»،

والصبر ضياء ونور يهدى صاحبه إلى اتباع الطريق المستقيم.

ومن أشد الابتلاءات هو الابتلاء بمرض الأبناء، ولكن الألم والحسرة التى تكون بالقلب ليست بإرادتنا، ولكن نستطيع توظيفها فيما يرضى الله لننجح فى الامتحان ونفوز بالاختبار.

والابتلاء يخرج العجب من النفوس ويجعلها أقرب إلى الله لقوله تعالى: «وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ» والمعنى إظهار حقائق الناس ومعادنهم، فهناك أناس لا يعرف فضلهم إلا فى المحن.

ومن حكم الابتلاءات والشدائد أن الإنسان يميز بين الأصدقاء الحقيقيين وأصدقاء المصلحة، وكما قال الشاعر:

جزى الله الشدائد كل خير

وإن كانت تغصصنى بريقـى

إننى أحيى فيك إصرارك وصبرك، ودأبك لعلاج أبنائك، وأستصرخ أهل الخير لأن يهبوا إلى علاجهم، والمساهمة المادية، كل حسب مقدرته، وما أعظم التجارة مع الله، فلا تحزن يا أخى، وأسأل الله أن يكشف الضر عن أبنائك، وهو على كل شئ قدير.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق