رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

قسوة بلا حدود

أنا شاب عمرى اثنان وثلاثون عاما، نشأت فى أسرة بسيطة لأب وأم يعملان فى وظيفتين مستقرتين بإحدى محافظات الدلتا، وحاصل على مؤهل عال، وأعمل «مندوب مبيعات حر» منذ الصغر، ولى أخ وأخت أصغر منى، وقد تزوجت فى سن السادسة والعشرين بفتاة من أسرة طيبة، وأنجبت ولدا، وتزوجت أختى بعدى بسنة، أما أخى فهو غير متزوج، وبصراحة شديدة فإننى الشقيق الأكبر لهما من ناحية السن فقط، وليس من ناحية القيمة كأخ كبير، وكل ذلك بسبب طريقة تربية أبى وأمى لهما، إذ ربّوا أخوتى على عدم احترامى، وعاملونى منذ صغرى بجفاء واستهزاء، فى الوقت الذى لقى فيه أخوتى أحسن معاملة، ولم يعرف أبى طريقا للنصيحة، فكان قبل أن يتحدث معى فى أى شىء يصفعنى على وجهى حتى وأنا فى السادسة من عمرى، وأتذكر أنه ضربنى على قدمى بحذاء الحمام بكل قسوة، وترك ذلك تأثيرا نفسيا علىّ، فحتى ولو كنت قد أخطأت، فإن هناك طرق عقاب أخرى غير الضرب مهما يكن الخطأ الذى ارتكبته.

إننى لم أعرف معنى حنان الأب الذى من المفترض أن يكون قريبا لأبنائه، وأبا نصوحا لهم، أما أمى فبرغم تعليمها العالى، فكانت تقف متفرجة عليه، وهو يضربنى دون أن تدافع عنى، أو تتفوه بكلمة تخفف شدته علىّ، وعلى النقيض كانت معاملتهما لأخى، فكل شىء مجاب له هو وأختى، ومع تزايد الاضطهاد ضدى، فكرت فى ترك المنزل بلا عودة، وبالفعل تركته وأنا فى الثانوية، وظللت أمشى فى الشوارع لا أعرف إلى أين أذهب، وانتهى بى المطاف عند صديق لى من بلدة بعيدة، وبحث عنى أبى وأعمامى إلى أن وصلوا إلىّ، وأعادونى للبيت.

وأتذكر أيضا موقف أبى معى وأنا أتحدث ذات يوم مع أخى الأصغر، وكان حديثنا بصوت عال بسبب عصبيتى لموقف خطأ حدث منه، حيث خرج أبى من حجرته وصفعنى على وجهى بقوة، وهكذا كرهت البيت، وكل شىء فيه حتى أخوتى، وكان أبى يعطينى المصروف، وأنا فى الجامعة للمواصلات فقط، أما أخى وأختى فكانا يأخذان ما يريدان، وكانت حجته أنه يخشى أن أدخن السجائر، وأمام الضغوط المتتالية علىّ استجبت لأصدقاء السوء، وعرفت التدخين، ثم توقفت عنه بعد زواجى بعام.

ولم أذكر لأبى سوى عنفه معى، فلماذا لم يأخذنى صديقا له، وينصحنى فى الحياة، ويعمل بالمثل القديم «إن كبر ابنك خاويه»، وبدلا من إبعادى عنه، لماذا لم يعاملنى بإحسان لكى يقربنى منه، وهو على مشارف السبعين من عمره؟، ولماذا يعامل أخى معاملة أفضل منى؟، ولقد لبى والداى كل طلبات شقيقى، ولم يبذل أى مجهود أو يتعب فى الحصول على وظيفة، أو يكابد متاعب الحياة، إذ أقاما له مشروعا متكاملا يدر عليه عائدا كبيرا، وقررا تحمّل كل تكاليف زواجه، أما أنا فلم أحصل على شىء.

تخيل ـ يا سيدى ـ أن يصل الأمر بأمى، وهى تتحدث عن أخى لزوجتى: «مش حيشتغل عند حد، وحعمله مشروع، وكل اللى عاوزه»، فلماذا فعلت بى ذلك؟، ولماذا التفرقة بين الأبناء برغم أننى لم أرتكب جرما فى حق والدىّ؟..

إن أخى الآن صاحب مشروع، أما أنا، فخالى عمل، وأبحث منذ شهرين عن عمل، ولكن هيهات لى أن أجد عملا يوفر لى دخلا يغطى أعباء المعيشة، وكم تمنيت أن يراعينى أبى وأمى خاصة وأنا مسئول عن زوجة وطفل فى عمل مشروع بسيط، ولو على سبيل «الصدقة»؟.

ولعلك تسألنى عن سبب موقفهم المعاند لى؟، فأجيبك: إن كل ما بيننا، هو أننى أحببت أن يكون لى رأيى المستقل، فشخصيتى مختلفة عن «تركيبة» أخوتى، ومنذ صغرنا يفرض أبى وأمى علينا الملبس والمأكل والمشرب وفقا لمزاجهما، ولا خيار لنا فى أى شىء، والحقيقة أننى لم أقبل بـ «إعدام» شخصيتى، واليوم أعيش بلا سند ولا معين، وليت كل أب وأم أن يحسنا معاملة أبنائهما، ولم يفرقا بينهم فى أى شىء حتى لا يتسبب ذلك فى تعقيدهم من الحياة ويؤثر نفسيا عليهم، ولعلك توجه إليهما كلمة أخيرة قبل أن يفقدانى، ثم يندمان على ما صنعا بى.

 

 ولكاتب هذه الرسالة أقول:

 

يخطئ كل أبوين فى التفرقة بين الأبناء فى المنح والمنع كإعطاء مصروف أكبر دون سبب منطقى، كأن تكون متطلبات دراسة أحدهم أكثر تكلفة من دراسة الآخرين مثلا، أو عدم توافر وسيلة انتقال آمنة له إلى كليته، مع توافر بديل مناسب للآخر للذهاب إلى كليته، وكذلك التمادى فى تدليله، والقسوة فى التعامل مع الآخرين، فالنتيجة أن الابن الذى يلقى معاملة سيئة، ينشأ كارها لأخيه المميز عنه، بل وقد يتمنى له الضرر أو حتى يحاول أن يتآمر عليه، (ولنا مثال واضح فى إخوة يوسف عليه السلام وتآمرهم عليه).

وبالتأكيد فإن حل كل هذه المشكلات العويصة يكمن فى العدل التام بين الأبناء عاطفيا وماديا، وحتى لو مال قلب أحد الوالدين تجاه أحد الأبناء تحديدا ودون الآخرين (وذلك أمر ممكن الحدوث ولا سيطرة له عليه) فيجب إخفاء ما فى القلب عن الجميع وعدم التحدث بذلك أمام أفراد العائلة أو الأصدقاء مخافة تسربه للأبناء.

وليكن نبراسنا جميعا حديث رسول الله: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم»

نعم ينبغى العدل فى المعاملة بين الأبناء، فلا يجور أب على أحدهم حتى لا تحدث فجوة بينهم، وسورة يوسف التى روت قصة نبى الله يوسف يظهر فيها هذا المعنى وأنه ربما فهم أخوة يوسف من تقريب سيدنا يعقوب ليوسف أن يوسف أفضل عند سيدنا يعقوب منهم».

وينبغى أن يكون هناك مصارحة وشفافية، بمعنى لو أنهم اعتقدوا أن الآباء لا يحسنون التعاون معهم أو يجاملون بعضهم على بعض، ينبغى أن تكون هناك «حالة حوار» للوصول للحكمة من ذلك، ولا أعتقد أن تمسكك برأيك، هو السبب فى موقف والديك منك، وتفضيلهما شقيقك الأصغر عليك، ومازال ممكنا رأب الصدع الذى أصاب علاقتك بوالديك، وأرجو أن يتفهما ظروفك، فيمدان جسور التواصل معك، ويقدمان مساعدة مماثلة لما قدماها لشقيقك، فتنصلح الأحوال، ويعم الترابط الأسرى، وتعيشون جميعا فى اطمئنان، وراحة وود، وتبقى نقطة مهمة، متعلقة بالضرب على الوجه، إذ يجب الحذر من هذا التصرف بشكل قاطع، سواء كان الضرب على الوجه على سبيل التأديب والتخويف، أو حتى على سبيل المزاح أو اللعب، لأنه يعود على الطفل بأضرار نفسية وصحية خطيرة، وقد يقدم له العنف كحل لمواجهة المشكلات التى تواجهه، وهو ما يجعله يستخدم العنف تجاه الآخرين، وكذلك أقرانه في المدرسة أو أشقائه.

وعندما يتعرض الطفل للضرب ـ خاصة في المنزل ـ فهو يشعر بأنه سيئ وضعيف وغير قادر على الدفاع عن نفسه، وهو ما قد يؤثر على علاقته بالآخرين ويؤدى لانسحابه وضعف قدراته الاجتماعية، كما أن صفعه على وجهه على سبيل المزاح قد يسبب له اضطرابا بشأن حدوده الشخصية وحدود الآخرين، مما قد يؤدى لتقبله عنف الآخرين تجاهه، فليحذر الوالدان من التربية الخاطئة للأبناء والتفرقة بينهم، لما فى ذلك من مردود سيئ على الجميع.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق