رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«حرب الطبقة الجديدة» وخسائر الديمقراطية

مصطفى سامى

خلال متابعتى الانتخابات الرئاسة الأمريكية كانت هناك عدة إشارات عن انقسام واقع بالحياة الحزبية والسياسية الأمريكية. ليس فقط انقساما بين اليمين الشعبوى الذى أوصل ترامب للبيت الأبيض، ولكن حملة انتخاب جو بايدن مرشح الحزب الديمقراطى بانتخابات الرئاسة أكدت وجود خلاف شديد داخل الحزب على السياسات وليس الأشخاص. أشعل ترامب خلال سنوات حكمه الصراعات بين مؤيديه ومعارضيه، واتضح هذا الانقسام فى أول مطلب بالاحتفالات التى جرت بالمدن الأمريكية، فبينما كان الشباب يرقص ويغنى احتفالا بفوز بايدن كانت اللافتات تملأ الشوارع تطالب الرئيس الجديد بتوحيد البلاد ! لكن الانقسام لم يكن سياسيا فقط بل تعمق أكثر، ليتخذ أبعادا اجتماعية واقتصادية خطيرة.

جانب من هذا الانقسام الاقتصادى وتداعياته الاجتماعية ناقشه كتاب « حرب الطبقة الجديدة » الصادر فى مارس الماضى، مثيرا خلافا شديدا بين السياسيين والإعلاميين. المؤلف ميشيل ليند، أستاذ العلوم السياسية بجامعة تكساس، يشخص الأوضاع السياسية والحزبية بالولايات المتحدة وأوروبا، فحركات الشعبويين بالقارتين مزقت النظام الحزبى، وأسقطت حكومات ودفعت بها للمجهول ! والأحزاب التقليدية تحذر من سعى هؤلاء المنشقين الشعبويين للقضاء على الديمقراطية الليبرالية. الحقيقة أكثر إزعاجا وأكثر تعقيدا فالديمقراطيات الغربية تواجه خطرا جارفا ولكن من الصراعات الخفية بين المديرين وبين العمال.

بعد أيام من صدور الكتاب، كنت أقضى أياما فى مونتريال، وكان غلاف هذا الكتاب يتصدر ملاحق الكتب بالصحف والمجلات الأمريكية والكندية.كتابات اليمين الذى تنتمى إليه غالبية فئة المديرين هاجمت الكتاب ومؤلفه، بينما امتدحته صحف اليسار وبعضها اختاره كأفضل كتاب سياسى صدر بالعامين الماضيين. عنوان الكتاب « حرب الطبقة الجديدة « ليس جديدا، ففى عام 1957 صدر كتاب « الطبقة الجديدة...تحليل للنظام الشيوعى « وقد كان أول كتاب ينتقد صراحة النظام الشيوعى بعنف. منع تداوله بالدول الشيوعية وأثار عاصفة من الاحتجاجات والانتقادات فى دول شرق أوروبا والاتحاد السوفييتى. 63 عاما مضت على كتاب ميلوفان ديجيلاس المستشار السياسى للرئيس تيتو الذى حذر فيه من مخاطر الطبقة الجديدة من قيادات الأحزاب الشيوعية، وبينما صدر هذا الكتاب فى يوجوسلافيا الشيوعية إلا أن كتاب ميشيل ليند صدر بالولايات المتحدة « أم ديمقراطيات العالم «.. هكذا يصدعوننا بهذه الأكاذيب !

المجتمع الأمريكى يمر منذ عقود بصراعات تعكس الخلافات بين العمال وأصحاب الأعمال والصراع الواقع بين فئة المديرين وبين صغار الموظفين. هذه الصراعات كشفت عن ظهور الجماعات الرافضة من يمين ويسار لكل ما يجرى بسوق العمل وفى الأحزاب السياسية التقليدية وقادتها والتى تتمثل فى جماعات اليمين واليسار الشعبويين. جماعات تسيطر عليها الديماجوجية تسعى لقتل السياسة التقليدية بالولايات المتحدة وأوروبا. المنتمون إلى اليمين الشعبوى أضعاف المنتمين إلى اليسار. يحاول ليند فى هذا الكتاب إعلاء صوت من لا صوت لهم بالمجتمع الأمريكى ضمن قطاع كبير من السكان يعانون الإهمال، لهم آراؤهم السياسية والثقافية والاقتصادية. ففئة المديرين الجدد يختلفون تماما مع الغالبية من العمال فى الاقتصاد والسياسة والعادات الاجتماعية. نحن نعيش الآن فى عصر الليبرالية الجديدة، حيث يفرض خريجو الجامعات من المديرين بمؤسسات الدولة وأمثالهم من رؤساء البنوك سياساتهم وأجندتهم التى تتعارض مع مصالح العمال. هم يؤيدون العولمة وحرية التجارة التى تحقق أرباحا هائلة لشركاتهم العملاقة بينما يرفضون أية التزامات بخفض الانبعاث الحرارى بمصانعهم أو التفاوض على اتفاقية جديدة حول تغير المناخ.

يكشف الكتاب أسباب صعود تيارات اليمين واليسار الشعبوى فى صفوف العمال خاصة المهرة والمتعلمين منهم الذين يشعرون بالغضب من الظلم الواقع عليهم بسبب حصولهم على الحد الأدنى من الرواتب، وعدم الاستماع إلى طموحاتهم السياسية والثقافية. لكن المديرين ممن يطلق عليهم الصفوة ليس لديهم استعداد للاستجابة لطلبات العمال بل يصفونها بأنها فاشية وإرهاب. يرى المؤلف أن الديمقراطية تقتضى إجراء حوار بين المتنازعين، وأن المشاركة فى الإدارة أو الإدارة الجماعية من شأنها إبراز كافة وجهات النظر والتوصل لحلول وسط مع رفض التعنت واحترام الرأى الآخر. فالديمقراطية الجماعية تقتضى رفض أى حروب بين مختلف القوى، والسلام الاجتماعى مطلب أساسى لكل شعوب العالم. فالطبقة العليا « Over Class» والطبقة العاملة يجب أن يتقاسما السلطة والنفوذ ويبحثان بإرادتهما على قدر من التعايش بينهما. فالخبراء فى السياسة والاقتصاد يديرون المؤسسات الصناعية والتجارية منذ أواخر القرن العشرين، لكن فكر وعقيدة هؤلاء المديرين ليست واحدة فى أنحاء العالم، فهى تختلف من بلد لآخر. وليس من الطبيعى إزاحة هؤلاء المديرين بخبراتهم وعلمهم ليجلس مكانهم أنصاف المتعلمين، ولكن واجب هؤلاء المديرين تفهم مطالب العمال وعدم اتخاذ سياسات الليبرالية الجديدة وفلسفتها فى إدارة المؤسسات. ليس منطقيا أن يتساوى العمال مع المديرين فى الدخل، لكن مطلوب إعادة توزيع الرواتب والمكافآت لتخفيض المسافات الشاسعة فى الدخول بينهما، بما يسمح بحياة كريمة للعمال ولأسرهم، وهذا من شأنه أن يحقق السلام الاجتماعى بين كل العاملين.

يختتم ليند كتابه محذرا من أن فئة المديرين « الصفوة « تسعى بكل الدول الديمقراطية للسيطرة على مؤسساتها اقتصاديا واجتماعيا، ولكن إذا لم تتم مراجعة مساعيها فسوف يؤدى ذلك لقيام فئة مدمرة من الشعبويين بين العمال. لكن السلام الاجتماعى من الممكن أن يتحقق بين الفئتين من خلال حلول وسط بين مطالب الفئتين بقبول المديرين مشاركة العمال فى الإدارة الجماعية، والموافقة على منح العمال قدرا من الحقوق الاقتصادية والسياسية وتفهم ظروفهم الاجتماعية. البديل هو انتصار فئة على أخرى بهذه الحرب، فانتصار الفئة العليا من المديرين الذين تقودهم أفكار الليبراليين الجدد، أو انتصار العمال الشعبويين المخربين سوف يؤدى فى الحالتين إلى كارثة، فمؤسسات الغرب التى يسيطر على إدارتها الخبراء الليبراليون الجدد سوف تبنى مجتمعا متقدما صناعيا وتكنولوجيا، أما إذا سيطر الشعبويون بسلوكياتهم بالبلطجة والتخريب فسوف يؤدى ذلك لمجتمع راكد يغلب عليه الفساد فى كل شيء. أهمية هذا الكتاب تتلخص فى أن المؤلف هنا لاينتمى إلى أفكار أو معتقدات اشتراكية أو رأسمالية، فهو لا يتخذ موقف الدفاع عن فئة ضد أخرى، لكنه يشخص المشكلة بتجرد كامل ويبرز الأزمة القائمة بالمجتمع الأمريكى، مقدما فى النهاية الحل الذى يراه مرضا للفئتين المتنازعتين ويحقق فى النهاية السلام بين أبناء المجتمع.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق