رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

.. ولا عزاء للفقراء!

‎ مها صلاح الدين

« أنا ومن بعدى الطوفان» مقولة شديدة الأنانية يعرفها العالم منذ القرن الثامن عشر عندما جاءت على لسان زوجة الملك لويس الخامس ملك فرنسا حينها، إلا أنها وبالرغم من بشاعة المنطق الذى تجسده ، فإنها تمثل دوما نهج الدول الكبرى فى التعامل مع الأزمات العالمية، لتدخل بكل أسلحتها فى منافسة غير عادلة مع من هم أضعف وأفقر.

ولعل الحرب العالمية المستعرة الآن على خريطة توزيع اللقاحات المرتقبة لمواجهة جائحة كوفيد 19 خير دليل على استمرار الفكر ذاته فى مرحلة عالمية شديدة الحرج. فوفقا لأرقام جامعة ديوك الأمريكية، مركز بحثى رائد فى الولايات المتحدة ، فإن الدول الكبرى اشترت بالفعل 6٫4 مليار جرعة من اللقاحات المحتملة، فضلا عن 3٫2 مليار جرعة أخرى قيد التفاوض أو محجوزة كـ «توسعات اختيارية للصفقات القائمة بالفعل». وهو ما يؤكد أن من يدفع أكثر، يمكنه أن يضمن لنفسه موقعا متميزا فى قوائم الانتظار، وهو ما تشير إليه الأرقام بالفعل، إذ إن «الغالبية العظمى» من الجرعات التى تم شراؤها، مخصصة للدول ذات الدخول المرتفعة. بل وعمدت تلك الدول، نظرا لأنها لا تزال تجهل أى اللقاحات سيكون الأكثر كفاءة، إلى إبرام صفقات متعددة من الشركات المختلفة لتأمين جرعاتها المناسبة من كل اللقاحات المتاحة، لحين النظر فيما ستسفر عنه النتائج فيما بعد. وتعد الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبى ، هى الدول الأبرز فى هذا الصدد. من جهتها، اعتبرت منظمة الصحة العالمية أن تصرف الدول الكبرى قد يكون مفهوما فى إطار مسئوليتها أمام شعوبها ورغبتها فى حمايتهم أولا. لكنها حذرت من أن الاستجابة للوباء لابد أن تكون جماعية، لأنه لن يكون هناك بلد بعينه بمعزل عن الوباء دون حماية جميع الدول ، خاصة مع فيروس شديد العدوى ككورونا. وفى مواجهة ذلك، سعت بعض الدول ذات الدخول المتوسطة إلى التفاوض بشأن اتفاقيات كبيرة لشراء جرعات معقولة لشعوبها كجزء من صفقات التصنيع مع شركات الأدوية، كالهند التى اشترطت احتفاظها بنصف كمية الجرعات التى ينتجها « معهد مصل الهند» للتوزيع داخل البلاد، فيما تضغط الدول، التى تستضيف التجارب السريرية ، كالبرازيل والمكسيك ، بتلك الورقة لشراء قدر مناسب من اللقاحات المستقبلية. ولعل ما يزيد من تعقيد الموقف هو أن الجرعات المتوقعة من لقاحات فايزر ومودرنا، التى تعد واعدة فى هذا الصدد، شديد المحدودية ، إذ صرحت فايزر بأنها تأمل إنتاج 50 مليون جرعة فى العام الحالى، وما يصل إلى 1٫3 مليار جرعة بحلول العام المقبل، وهى الأرقام ذاتها التى أشارت إليها مودرنا. وعند الأخذ فى الاعتبار أن الفرد الواحد يحتاج إلى جرعتين من المصل ذاته لضمان تطوير المناعة المطلوبة ضد الفيروس، فإن الأرقام تعد زهيدة للغاية. وفى ضوء هذا ، اعتبر الخبراء أن احتمالات حصول الدول متوسطة ومنخفضة الدخل على اللقاح ، بكمية تكفى لبدء حملة تطعيم وطنية، حتى بحلول نهاية العام المقبل تعد ضعيفة للغاية، موضحين أنه فى الأزمات الصحية العالمية يذهب 90% من إنتاج شركات الأدوية لـ 10% فقط من سكان العالم، حتى أن مبادرة منظمة الصحة العالمية لضمان توزيع عادل للقاحات حول العالم ، يضمن حصول الدول على نسب معينة من الجرعات المرتقبة تتناسب وتعداد سكانها، خاصة وأن دولا منها كندا وبريطانيا حرصت على عقد صفقات جانبية بشكل منفرد مع شركات الأدوية لزيادة حصته. ولا سيما فى ظل عدم توقيع كل من مودرنا أو فايزر على المبادرة حتى الآن. المفارقة فى ذلك، أن جهود الدول الكبرى فى حيازة كل ما هو متاح تقريبا من جرعات اللقاحات فى السوق حتى قبل طرحها، يتزامن مع تخوف خبرائها وتحذيرهم من أن الأعراض الجانبية التى قد يعانيها المواطنون من تلقى جرعة اللقاح الأولى، ربما تصل إلى نوبات حمى فى بعض الأحيان، قد تجعلهم يعزفون عن الجرعة الثانية ، لتبوء كل تلك الجهود الواسعة بالفشل فى النهاية. الخروج من كل هذا المأزق طرحه بعض المحللين عندما دعوا شركات الأدوية إلى مشاركة علومهم وبياناتهم مع الآخرين، ونقل تقنياتهم للشركات الأصغر للتسريع من وتيرة الإنتاج وزيادة حجمه ، إلا أن ذلك يحتاج الكثير من الإقناع والتفاوض بسبب النزاعات المتوقعة على حول الملكية الفكرية والتسعير . ليبقى قانون اللعب مع الكبار لا يعرف معانى الرحمة الإنسانية ، ولا عزاء للفقراء.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق