رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الشاعر عبد المنعم رمضان: نعم.. أنا زوج خديجـة!

عرفة محمد أحمد;

  • الشعر.. امرأة لا تقبل الخيانة
  • يدخل الجنة ليهرب منها، ويدخل النار ليحترق
  • هو الغرفة المظلمة التي يختبئ فيها الوحش
  • يكون جميلا ساعة يكون محموما
  • الحرية أكثر إجهادًا للروح
  •  الشعراء الصعاليك لا يدقون أبواب المؤسسات
  • التتويج يشبه المقصلة وطفولة الشاعر تظل فى إصراره على اللعب بعيدًا عن المؤسسات 
  • أشهد أن نزار قبانى علمنى كثيرًا، فتعلمتُ علومه التى حرّضتنى على خيانته








عندما هاتفتُ شاعرنا الكبير عبد المنعم رمضان لإجراء حوارٍ معه، جاءنى صوته حاضرًا نقيًا ومرحبًا، اتفقنا على اللقاء فى المقهى الشهير «زهرة البستان» بوسط القاهرة، تلك المدينة التى يقول عنها صاحب «الحنين العاري» إنّه المكان الذى لا يستطيع أن يغيب عنه لحظةً؛ فالمدينة بالنسبة له مكان يعبر عن التعدد الذى يحارب من أجل انتصاره.

ولد الشاعر عبد المنعم رمضان عام 1951 بالقاهرة، وتخرج فى كلية التجارة بجامعة عين شمس، قسم إدارة الأعمال 1976، وأدرك مبكرًا أنّ الشعر طريقَه؛ وتفرغ له بعد الاستقالة من الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة، وبدأ ينشر شعره عام 1974، ومن دواوينه الشعرية: الحلم ظل الوقت، الحلم ظل المسافة، الغبار، قبل الماء.. فوق الحافة، لماذا أيها الماضى تنام فى حديقتي، غريب على العائلة، بعيدا عن الكائنات، الحنين العاري، الهائم فى البرية.

شارك فى تأسيس جماعة «أصوات» السبعينية، ومن الجوائز التى حصل عليها الشاعر عبد المنعم رمضان جائزة المنتدى الثقافى اللبنانى فى باريس 1998، وجائزة كفافيس 2000.

توفيت السيدة زوجتك مؤخرًا.. كيف ترك ذلك تأثيرًا على إبداعك وهل كتبت قصائد من وحى هذه التجربة الحزينة؟

عندما فشل أحد الروائيين فى أن يكون ظريفًا، ساعة كتب ووصفنى بأننى زوج خديجة، تأكدت من صحة موقفى وصواب مقالته، لأن زوجتى آمنت بأننى شاعر عندما أنكروني، وأنى غنى عندما ألحوا على فقري، وأنى عذب عندما ذاقوا مرارتي، وأننا، هى وأنا، يمكن أن نسير معًا يدًا فى يدٍ إلى نهاية الطريق، وسرنا، لكننا لم نصل معًا إلى تلك النهاية، حيث سبقتنى وتركتنى وحيدًا، ذات مرة سافرت إلى مدينة الرقة بسوريا، كان فى صحبتنا، عفيفى مطر وأنا، شاعر عراقى اسمه محمد مظلوم ومعه زوجته الجميلة، كلاهما شيعي، ولمّا زرنا مسجد عمّار بن ياسر وقبره، كنت فرحًا برؤية وجهها داخل وشاح أبيض، فيما بعد بزمن قليل سوف تموت ذات الوشاح الأبيض ويترمل محمد مظلوم، وسيعمد فى سبيل مقاومة أحزانه إلى جمع أشعار رثاء الزوجات منذ ربما... ربما الآشوريين، كى ينال السلوي، هل نالها، أشك فى ذلك، لأننى فور رحيل زوجتى كتبت قصيدة من ثمانية مقاطع تحت عنوان أَغضبَ البعضَ بسبب تأنيث كلمة ملاك، كان العنوان: «الأيام الثمانية الأخيرة لملاكة»، ومازلت أشعر أن كتاب الفقد لم أشرع فى كتابته بعد، ومازلت أشعر أيضا بالامتنان لسفاهة الروائى الذى رآنى زوج خديجة، فأنا فعلا زوج خديجة، لأننى اتخذت من الأصل مثالا وقدوة رغم فداحة التفاوت بيننا، فهو كان كاملا خاليا من الشك، وأنا مازلت أشك فى أننى قد أصل إلى شجرة السلوى وآكل من ثمرتها.

يحضر الوطن والمرأة فى النصوص الإبداعية؛ شعر، رواية، قصة قصيرة.. فكيف كتبت الوطن والمرأة فى أشعارك؟

أنا لا أفصل بين الوطن والمرأة زوجتى والمرأة أمي، والرجل أبى والرجل ابني، لا أتصور سوى أن عجينة كل هذه الكلمات معًا، هى نواة الكلمة الجامعة التى أتعلق بها، التى ستكون صليبى ونجاتي، حتى إنني، ولقد اعترفت بذلك فى سيرتى «متاهة الإسكافي»، بعد أسفار قبلتها لأننى ظننت أنها ضرورية لي، على الأقل كشاعر، أقول حتى أننى بعد أسفارى إلى باريس ومرسيليا وبرلين وروما وبيروت ودمشق وحلب وجبلة والرقة والمنامة، قررت الامتناع عن السفر نهائيا، حتى الإسكندرية أصبحت صعبة علي، لأن جسدى اعترض تماما على البعد عن مكاني، وفور مغادرة القاهرة تغادرنى إمكانية أن أكون رجلا ذكرًا، والذكر بفتح الذال من الذكر بكسرها، وكأننى بالمغادرة أقترف خطيئة النسيان، إلى هذا الحد أصبحتُ مملوكا للمكان، بلغة ثانية، أصبحتُ مملوكا للوطن، بلغة ثالثة أصبحت مملوكا لامرأتي، وكأن حبى للمكان وحبى لامرأتى كلاهما مشتق من الحب العذري.

قلت إنك تقرأ الرواية لتكتب الشعر.. فمن هم الروائيون الذين تقرأ لهم وهل فكرت يومًا أن تكتب رواية؟

فى آخر طفولتى وأول صباى تعلقت بالحكايات التى كان يرويها أبي، وبالغناء الذى كانت جدتى وأمى تتشاركان فيه، وفى أول صباى تعلقت بهانم ذات الأصابع الست فى قدمها، وشرعت أكتب حكاية تخيلتها عنها وعني، فى بداية دراستى الثانوية، قرأتُ بالمصادفة رواية لمحمد عبد الحليم عبد الله، أظن كان اسم الرواية (لقيطة)، أكيد كان اسمها ( لقيطة ليلة غرام) وتعلقت بها، أعنى الرواية، وبه، أعنى عبد الحليم عبد الله، لم أكن أعرف، إلا فيما بعد، أنه الأكثر مبيعًا، يليه إحسان عبد القدوس ثم يوسف السباعى ثم نجيب محفوظ، بين الأربعة كان عبد الحليم عبد الله مغرمًا باللغة، كأنه امتداد للمنفلوطي، خاصة أنه تخرج فى دار العلوم، والثلاثة الآخرون صحفى وضابط ودارس فلسفة، فتنتنى لغة عبد الحليم عبد الله ودموعه، بعدها سأنتقل إلى نجيب محفوظ ويوسف إدريس، وأتحمس أنا وزملائى ليوسف إدريس ونقدمه على نجيب محفوظ، كانت كتابة يوسف تصطدم مع الواقع ولا تراوغه، فيما بعد سوف تتراجع عندى مكانة إدريس، ويتقدم نجيب محفوظ بقيمته الكلاسيكية، وثانية عندما أقول الكلاسيكية لا أعنى بها ذلك التصنيف التاريخي، الكلاسيكية عندى هى تلك النصوص القادرة على اختراق الأزمنة، أيا كان اتجاهها الفني، وهذا ما اكتشفت أن روايات نجيب محفوظ منقوعة فيه، فى اختراق الأزمنة، فى القدرة على اختراق الأزمنة، على الجانب الآخر كان دويستوفيسكى يشبه الهيكل الذى إذا زرته مرة لا تستطيع ألا تزوره كل مرة، كلاسيكية أيضا، بعدهما، دويستوفيسكى ومحفوظ، أصبح الطريق الرئيسى الذى أقطعه دائما هو طريق الرواية، حتى أننى تابعت تجلياتها فى الأدب المكتوب بالعربية والمنقول إلى العربية، قرأت بشغف صادق هدايت حتى تحولت (البومة العمياء) إلى نافذة أخرى أطل بها على روحي، وبشغف أيضا قرأت الجحيم لهنرى باربوس وتخيلت أننى يجب أن أكون رجل ثقب الحائط، الرجل الذى يسكن غرفة فى فندق، ويكتشف خلف لوحة الحائط ثقبا، أصبح يرى منه نزلاء الغرفة المجاورة، فيرى معهم العالم كله، وحسبت أننى أريد أن أكون هكذا، أرى وأتجنب أن أفعل، أراقب فقط، فى مرسيليا، فرحت جدا عندما مشيت فى شارع يحمل اسم هنرى باربوس، ومثل هنرى باربوس أحببت هيرمان هيسه ولهثت وراءه ودخلت سجنه واستغربت أن ثقافتنا الناطقة باللغة العربية لم تستطع أن تحتفل به، لأنه لم يكن ملائما لايديولوجيتها السائدة، فقط فاجأنى عفيفى مطر بأنه يحبه مثلما أحبه، يحب لعبة الكريات الزجاجية، وأنا أحب ذئب البوادي، وكثيرا ما حلمت به، بهيرمان هيسه، مسجونًا بتهمة استخدام السحر الأسود فى إغواء فتاة، ومثلما رسم هيرمان على حائط سجنه خط سكة حديد وقطارًا ثم ركب القطار الذى رسمه وغادر السجن، مثلما فعل ذلك رسمتُ على حوائطى كلها حدائق واسعة يحتلها الأشخاص الوحيدون، واخترت مقعدًا فى إحداها، مقعدًا يتسع لاثنين فقط، وجلستُ لا أنتظر أحدًا سوى أن تشق محبوبتى طريقها من قلبى إلى عينيّ، عندها رأيت هيرمان هيسه ينصرف وتحت إبطه روايته مفتوحة كأنها مدينة عذراء، أظن دائما أن شغفى بالرواية قرين شغفى بالمدينة، الصحراء بالنسبة لى حلم طفولة العالم، الصحراء بالنسبة لى حلم الشاعر، والريف بالنسبة لى أيضا الكل فى واحد، الريف بالنسبة لى حلم المستبد، أما المدينة فهى الواحد فى الواحد، وهذا ما أتصور أن الرواية تحققه لي، الرواية مدينة، والشعر صحراء.

هل هناك شاعر معين كان له تأثير عليك وعلى نهجك فى مسيرتك الشعريّة؟

هناك شعراء، بعضهم آمنت به فى آن ثم كفرت به فى آن تالٍ، وبعضهم استمر معى إلى أن توارى فى صمت، وبعضهم مازال يُلح، لأن زمن الشعر مستمر، وزمن الشاعر ليس زمنًا مستمرًا دون انقطاع، إنه أنات بعضها ينفى بعضها، وبعضها يستعيد بعضها، أيام كنت طالبا بالجامعة فى أوائل السبعينيات كنت أقرأ شعر أمل دنقل، كنت أقرأ الكعكة الحجرية، وكأنها إنجيل الثورة، فيما بعد أصبح للثورة مفهوم آخر جعل شعر أمل دنقل يهجر مملكتى إلى منفى لا أحب أن أزوره، الغريب أننى أصبحت أحب أمل دنقل فى مكان آخر، فى منفى مرضه، حيث الميتافيزيقا فى مكان سرى لكنها حاضرة، وحيث الخوف من الموت فى مكان سرى آخر لكنه أيضا حاضر، أمل المريض أجمل كثيرا من أمل الغاضب، وأوراق الغرفة رقم 8 أحق بالوجود من الكعكة الحجرية، كذلك عفيفى مطر، فى بدايتى عشقت غموضه وميتافيزيقاه، ولكن غموضه استبدّ به، ورغم ذلك أصبح مألوفا، أصبح اعتياديا، فانقلبت عليه، أغلب الشعراء لهم قصائد يمكن أن تفتننا، المهم هو حدُّ الفتنة، المهم ثانية هو مساحة القصائد الفاتنة داخل شعر صاحبها، هل هى نادرة، كأنها مصادفة، أم أنها متعددة كأنها قصد، أدونيس صاحب قصائد كثيرة استطاعت أن تخترق حدود الأزمنة، لا أنكر أننى مازلت أحب الكثير مما أحببته من شعر حجازي، مازلت أغار عندما أقرأ أنسى الحاج، لكنني، أنا العاشق لسعدى يوسف، لم أعد أتربص بجديده، رغم أننى مازلت أتربص بالكثير من شعره وأطارده، ذات فترة أحببت حسب الشيخ جعفر، إلا أننى نادرًا ما أقرأه الآن، أكتفى بقراءة ترجماته للشعر الروسي، وأتذكره دائما كضحية، كان شعر نزار قبانى عرق مراهقتي، علّمنى عدم الإكثار من أدوات الزينة التى كان يكثر منها، عدم الإكثار من المساحيق اللغوية، من التمرد السطحي، من صيحات الثورة والغضب التى قد يطلقها شخص شعبوي، علمنى أيضًا محبة نجاة الصغيرة، لذا يظل أول نزار قبانى أجمل كثيرا من أواخره، أشهد أنه علمنى كثيرًا، فتعلمتُ فقط علومه التى حرّضتنى على خيانته، الفن الجميل كله يلزم أن يصبح كلاسيكيًا، أى يصبح قادرًا على الحركة من زمان إلى زمان، هكذا أحب المتنبي، هكذا أحب أبا نواس، هكذا أحار بينهما، ولن أستطيع أن أنسى سعيد عقل، الذى يصل بشعر الصوت إلى حدود قصوي، تجعلك تتخيل أن اللغة فى شعره كانت صوتًا وبمرور الزمن وبسبب البرودة استعارت المعانى ولبستها، حالة سعيد عقل حالة نادرة وغير قابلة بتاتًا لأن تكون حالة شعبية أو عامة، لأن تكون حالة مصرية.

بين الحين والآخر يظهر هجوم على المؤسسات الأدبية بسبب القائمين عليها.. هل تضيف هذه المؤسسات شيئًا للشاعر؟

هذه أهم حروبي، رأيت أبى فى عز فتوته يهجر عمله الرسمي، هربًا من ضياع حريته، المؤسسات بصورة ما، ذات سقف يُحنى قامة كل إنسان، يحنى أكثر قامة الشاعر، وذات بريق زائف يتسلل إلى روحه، المؤسسات كيانات أيديولوجية لا تقبل سوى أن تصوغك على مقاسها، الشعراء الصعاليك الذين لا يدقون أبواب المؤسسات يحلمون طوال عذاباتهم بألا تصاب أرواحهم بالعطب، لأن المؤسسات، فى صورة مكبرة تنكرها الأغلبية، ليست سوى آلة ترويض لكى تشمل كل داخل على الصورة التى يريدونها، قد يصلون إلى ذلك مع الصغار وهم الأكثرية بمنحهم تلك المتع الصغيرة، بعض الشهرة، بعض المال، بعض النفوذ، بعض السفر، وقد يصلون إلى الكبار، وهم أقلية، بتتويجهم بتيجان الواحد منها يشبه المقصلة، طفولة الشاعر تظل فى إصراره على اللعب بعيدًا عن المؤسسات.

برأى عبد المنعم رمضان.. ما المقاييس الفنية الخاصة بالقصيدة الشعرية الناجحة؟

ديالكتيك الشعر على مر التاريخ هو البحث عن نظام ثم اختراقه بما يشبه البحث عن فوضي، يكون الشعر جميلا ساعة يكون محموما بالبحث سواء عن النظام أو عن الفوضي، ويكون زائدا عن الحاجة ساعة يستقر النظام أو تستقر الفوضي، حتى الشاعر نفسه تنطفئ خلاياه عندما يستقر على نظام ما أو على فوضى ما، الشاعر يكون شاعرا طوال قدرته على تجسيد الثورة الدائمة، الشعر يموت تحت سقف النظام، أى نظام، ويتبدد أمام أعمدة الفوضي، أى فوضي، كيف إذن يصل الشاعر إلى الفوضى الخلاقة، هذا ما يمكن أن يفعله شاعر ما دون أن يملك تفسيره أو فهمه، النظريات أشجار عملاقة ذابلة يمشى الشاعر تحتها بعض الوقت على أمل أن يصل إلى طريق يغرس فيه بذور أشجاره الهشة.

تحدثت فى حوار لى مع الدكتور حسن طلب منذ فترة قريبة عن مسألة انحسار الشعر.. وأسألك الآن: هل ابتعد الناس عن الشعر؟

فى الجاهلية كان الشعر أداةَ وجود أكثر مما هو آلة وجود، إلا فيما ندر، فى الجاهلية ابتعد الناس عن الشعر كجوهر وليس كشكل لأنهم كانوا يستخدمونه فى هجاء الأعداء وفى مديح القبيلة، وفى توثيق المعارك والانتصارات، كان الشعر هو السجل الذى حفظ تاريخهم ليصل إلينا، كان الشعر يقوم بأدوار تقوم بها الآن جهات عديدة، ونظن مع ذلك أن زمن الشعر على سبيل المثال هو العصر الجاهلى أو العصر العباسى أو عصر الإحياء، وكلها عصور ألزمت الشعر بأدوار فأطاع والتزم بها، وهذا ما يجعلنى أعتقد أن هذه الأزمنة التى اعتدنا أن نمجدها شعريا هى أزمنة البحث عن الشعر، هى أزمنة استعباده، الآن، ومع وجود أجهزة تؤدى كل الوظائف الرسمية التى كان يؤديها الشعر، وبلغات مباشرة أكثر ومحسوسة أكثر، بلغات ليست أطول من قامة كل فرد على حدة، الآن الآن أصبح الشعر حرًا، يمكنه ألا يعمل لدى أى جهة أو أى شخص، لولا أن الحرية أكثر إجهادًا للروح، لذا سنجد الشعر فى سبيل أن يخفف من حريته يبحث عن وظائف جديدة ليظل حارسًا على هيئة مظفر النواب وعبد الرحمن الشرقاوى وتوفيق زياد والزهاوى وسعاد الصبّاح، ليظل حارسا على هيئة الكثير من شعر البياتى وسميح القاسم إلخ.. إلخ.

تركت عملك فى الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة للتفرغ للإبداع.. هل المبدع عمومًا مطالب بالتفرغ لمشروعه والابتعاد عن روتين الوظيفة اليومي؟

استقالتى من الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة أتت بعد اثنتى عشرة سنة من العمل، أهم إنجازات هذه السنوات هى بلوغى بعد التخبطات التى كنت أظنها تجليات، بلوغى إلى المرأة التى ستملؤنى بالأمان والفرح، وستساعدنى على اكتشاف حقيقة أن طريق الشاعر صعبة ومبهجة، خاصة أن الشعر هو الآخر امرأة، لكنه امرأة لا تقبل الخيانة، هكذا أصبحت بين امرأتين، حبيبتى التى فقدتها بعد أربعين سنة تقريبا، وامرأة أخرى هى الشعر الذى أصبح يراوغنى ويغيب عني، أعترف بأننى أرى الشعر فى أفضل أحواله أنثي، عموما أكثر أفعالى صحة فى السبعين سنة التى عشتها هو تركى العمل بالجهاز وانشغالي، ليس بالكتابة، انشغالى بالقراءة التى هى دوران دائم حول نفسى لأعرفها.

كيف ترى أهمية الترجمة بالنسبة للمبدع؛ شاعرا، روائيا، قاصا، وما الصفات التى يجب توافرها فى مُترجم الشعر خاصةً؟

لست أملك حق الفتوى فى مسألة الترجمة، لكننى لا أتصور أن الشعر قادر على أن ينتقل من لغة إلى لغة، إن الترجمة تؤدى إلى تعارف سطحى مع شاعر غريب، أقول ذلك لأننى لا أستطيع أن أنكر أن اللغة فى الشعر ليست محض معني، ولكنها صوت ومعني، مع أولية الصوت وثانوية المعني، الترجمة لا تملك إلا أن تنقل إلينا ما هو ثانوي، الترجمة تعترف بأنها إحدى النوافل، حيث يصبح النص فى لغته الأولى بمثابة الفريضة الغائبة، ومع ذلك فنحن نحاول أن نلتمس بعض المعرفة بشعراء العالم عن طريق هذه الأداة الناقصة، أداة الترجمة، فى بعض الحالات يصبح النص المترجم حاصل جمع الشعر الأصلى أو ضربه والشخص الذى ترجم عنه، فشعر كفافيس الذى ترجمه سعدى يوسف هو نتاج شعرية سعدى ذائبة فى شعر كفافيس، أو كأن كفافيس العربى خرج من فم سعدي، هكذا أتصور، خرج وله ملمس لعابه ورائحة أنفاسه، وتهدجات صوته، نحن لم نقرأ كفافيس، نحن قاربناه، وقرأنا تقمصات سعدى له، ورسول حمزاتوف نجحت سيرته (داغستان بلدي) فى أن تجعله طائرا يقف على الشرفة ولا تملك أمامه إلا أن تستسلم وتهدأ حتى لا يهرب، سيرة حمزاتوف جعلت مقاربة شعره ممكنة، أغلب الشعراء الآخرين المترجمين إلى العربية لا نملك كثيرا أن نرى وجوههم إلا بالتقريب، قرأت أخيرا مختارات لويز غليك الشاعرة الأمريكية الحائزة على النسخة الأخيرة من جائزة نوبل، ترجمها سامر أبو هواش، أعجبتنى جدا لأنها أتاحت لى إمكانية إعادة تأليفها.

قلت سابقًا إن الشاعر أحمد عبد المعطى حجازى هو الذى قدمك إلى الجمهور فى وقت سابق.. هل يوجد الآن من يتبنى شباب المبدعين أم أن الصراع جعل هذه الميزة تتلاشي؟

قبل أيام شبابى بقليل انطلقتْ صيحة كان لها رجع قوي، صرخ الأدباء الشبان: «نحن جيل بلا أساتذة»، كانوا لا يندبون حظهم، ولا يفخرون، كانوا فقط يتمردون، بقيت منهم أقلية أخلصت فى معرفة أدواتها ومراجعتها، وضلّت الأغلبية، منذ ذلك الحين أصبحت «نحن جيل بلا أساتذة» أشبه بشعار نستأجره لزوم إعلان التمرد، ومع الوقت اتضح لنا أن المتمردين هم أولئك الذين يعرفون ما بلغته فنونهم، لا يمكن أن توجد منطقة بيضاء تمامًا فى الفن، دون معرفة بهذا الفن، اعرف جيدا، إلى حد أن تتحول معرفتك إلى هدف يجب أن تقتله، وتكاد بعد القتل أن تمحو الجثة، والقتل هنا هو تمام المعرفة، عند ذاك يمكنك أن تدخل المنطقة البيضاء وأن تملأها وأن تلونها، البياض لن تحصل عليه بالاكتفاء بإنكار ما سبق، ولكنك تحصل عليه بتمام معرفته، وظهور رائحة جثث من قتلتهم معرفةً، شاهد لك وليس شاهدًا عليك.

ذكرت أن الشعر أصبح جمهوره «خاصًا» بمعنى أنه «نخبوي».. هل هناك عناصر من الممكن أن تكون سببًا فى زيادة انتشار الشعر وهل لدينا أزمة فى تسويقه؟

لماذا نتصور أن الشعر سلعة يجب أن تنتشر وتروج، إن الشعر هو عطلة الحياة الاجتماعية لصالح الحياة الخاصة، عطلة الحس الجمعى لحساب الحس الفردي، الشعر هو الغرفة المظلمة التى يختبئ فيها الوحش، ليس من الصواب أن ندخلها جميعا معا وفى وقت واحد، فناء شعب يمكن أن يكون فى دخوله بأكمله غرفة الشعر، هل أستطيع أن أصرخ وأقول: حافظوا على عزلة الشعر من أجل سلامة البناء الاجتماعي، لأن الشعر الخطوة الأولى فى طريق الكفر بالجماعة، الخطوة الأولى فى طريق الإيمان بالفرد، الشعر حال انتشاره سوف يجعلنا مائة مليون شخص، بينما اللاشعر يمكن أن يجعلنا الكل فى واحد، ليس معنى هذا أن الشعر فن أرستقراطي، لكنه فن خاص، تخيل عالما تحول فيه كل البشر إلى أنبياء ورسل، وكل شخص له نبوته ورسالته، هل يمكن لهذا العالم أن يستمر، الشعراء مساوون للأنبياء بشكل ما من هذه الناحية، والعالم لا يحتمل شعوبًا بأكملها من الشعراء، صدقونى الأنبياء ندرة وقد توقفوا عن الظهور، والشعراء يجب أن يكونوا ندرة، وأخشى أن يأتى بعدى من يقول: بل يجب أن يتوقفوا عن الظهور، أذكر ما كانوا يقولونه عن بلد ما أنه بلد المليون شاعر، كانوا لا يحسبون أن هذه العبارة تعنى أن ذلك البلد بهذا المعنى يقتل الشعر.هل عشت تجارب كان لها دور فى رسم معالم قصائدك الشعرية؟

رثائى لزوجتى كان مثالًا على ذلك، أنا لم أكتب القصيدة، أو الفصول الثمانية، كنت أبكى وأندب فتخرج كلمات كل فصل، وكأنها صورة بكائي، لم أتدخل كشاعر إلا قليلا، أكاد أقول إنها كتابة تشبه الوحي، حتى أكاد أتساءل من الذى كان يوحى إليَّ، ملاك الموت، أم ملاكتي، كانت القصيدة نتاج حفل من حفلات تحضير الأرواح، هكذا أظن.

هل تتابع وجوهًا شابة فى الحركة الشعرية وكيف ترى فكرة المجايلة؟

كنّا منذ بدايتنا شغوفين بتقسيم العالم إلى أجيال يزيح جديدها قديمها، أيامها كنّا الجيل الأحدث، وكنّا نرغب فى إزاحة كل من سبقونا، مع الوقت اكتشفنا أن هذا الشغف ليس طفوليا، فأنا أحب الطفولة، وليس مراهقا، لأننى أعتقد أن المراهقة هى بحيرة إبداعنا الأولي، البحيرة الصافية، ولكنه الشغف العجوز، شغف الشيخوخة بدعوى الخوف من الشيخوخة، شغف الاستبداد بدعوى مقاومة الاستبداد، ومع الوقت أيضا اكتشفنا أن الزمن فى مكان خفى يقوم بحثًا عن النقاء والبقاء بتصفية الأجيال، وتقسيمهم إلى كومبارس وأبطال، فى سبيل أن يسقط الكومبارس، ويتجاور أبطال كل الأزمنة، امرؤ القيس إلى جانب المتنبى إلى جانب أبى نواس إلى جانب أحمد شوقى فالمازنى فسعيد عقل فأدونيس فأنسى الحاج إلخ.. إلخ، اعذرونى لقد أخطأتُ، فالمازنى ليس من الأبطال، إنه فقط ابن الطبيعة.

هل أسرة عبد المنعم رمضان كان لها تأثير فى شعره وحدثنا عن ذكرياتك مع تلك الأسرة؟

كان أبى ما بين عصر كل يوم ومغربه يفترش سجادة الصلاة ويضع مصحفه بين يديه، ويقرأ القرآن بصوت مرتل ومسموع وجميل، وبلسان يجيد نطق الحروف وإشباعها، وكنت أتأمل وجهه فأراه مسحوبًا إلى داخله، وأنصت إلى صوته فأحسه مأخوذًا بما لا نراه، كأنه شخص مسحور، هذه التلاوة اليومية زَرَعَتْ فى أذنى الغرام - دون أن أشعر - بإيقاعات الحروف وعلاقات بعضها ببعض، فيما بعد سأدرك ما فعله ذوبان صوت أبى فى خلايا جسدي، كأننى كنت أتهيأ دون قصد للبحث عن أعراس اللغة، التى زامنها، فى أوقات البهجة فقط، جلوس جدتى لأبى فى مواجهة أمي، وبصوت مشترك تغنيان أغنيات تتطلب إطالة المدود وإمالة الجذع «يا بو الزبون الجوخ، يا عاوج العِمة ولا شمروخ، ليه يا وله»، إنه غزل تفصح به أنثى لمحبوبها، ليه يا وله، بمعني، لماذا يا ولد، أبى وأمى وجدتى غرسوا فى جسدى الغرام بصوت اللغة وحسيّتها التى يتفاداها البعض.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق