رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الحقائق اللغوية

تتألف جمهورية مصر العربية من 27 محافظة تختار كل منها يوما محددا يرتبط بمناسبة وطنية أو تاريخية لتحتفل به كل عام، وهذا فى حد ذاته شيء طيب ومحمود أما غير المحمود، فهو أن تسمى هذه المحافظات الأعياد بالقومية، وبناء على ذلك تصبح مصر مشكلة من 27 قومية، وهذا غير صحيح بالمرة والأدق لغويا أن تسمى هذه الأعياد بالوطنية، وليس بالقومية.

إن التدقيق فى استخدام الكلمات وتحديد دلالاتها أمر فى غاية الأهمية إذ لا تظهر حقائق الأشياء إلا فى اللغة، ومن هنا أصبحت اللغة هى المحك الأول للحق والباطل، «إنها أصول مبانى أكثر الكلام» كما يقول «ابن القوطية» فى كتاب الأفعال.. وتاريخ البشرية منذ بدايته ما كان فى وسعه أن يسير فى طريق التطور دون اللغة، وتحديد معانى كلماتها تحديدا دقيقا، إنها تلعب، فيما يقول «فندريس» العالم اللغوى الكبير، فى كتابه «اللغة» دورا ذا أهمية عظمى فى الجماعة الاجتماعية، وفى شتى ألوان النشاط الإنساني، كما يعبر «فتجنشتين» عن هذا بقوله: «بدون اللغة لا يمكننا أن نؤثر فى غيرنا من الناس على هذا النحو أو ذاك... ولم يكن ليمكننا إقامة الطرق وبناء الالات...».

ويؤكد فيلسوف الأندلس «ابن حزم» فى هذا السياق ضرورة أن يكون لكل مسمى اسم يختص به يتبين مما سواه من الأشياء، ولكل معنى اسم منفرد حتى يتحقق التفاهم بين الناس، إذ إن خلط المعانى هو الإشكال نفسه والأصل فى كل ذلك هو نص القرآن، وضرورة العقل يقول تعالي: «قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا، ولما يدخل الإيمان فى قلوبكم» «الحجرات: 14» فالقرآن هنا يطالبنا بالتدقيق فى استعمال كلمات اللغة، وبأن يدل الكلام دائما على معنى واضح محدد، إذ أن هناك فرقا كبيرا بين حقيقة الإيمان وحقيقة الإسلام، تفاديا لخلط المعاني، وتحذيرا من أن ننحدر بحديثنا إلى مرتبة اللغو، وهوالكلام غير المفيد، وفى عصرنا الحديث حدث هذا عند صياغة قرار مجلس الأمن الدولى إبان حرب 5 يونيو 1967 والذى تم فيه حذف أداة التعريف «ال» من كلمة الأراضى فى النص الإنجليزي، وذلك تمكينا لإسرائيل من احتلال ما تشاء من الأرض العربية.

وسوف ينادى بهذه الحقائق اللغوية من بعد ذلك الكثير من مفكرى العصر الحديث والمعاصر، وفى مقدمتهم الفيلسوفان «برتراندرسل» و «فتجنشتين» حيث يقولان: إن مصدر الشرور الاجتماعية إنما يتمثل فى الاستخدام والفهم الخاطئ للكلمات.

وقد رأى حكيم الصين القديم «كونفو شيوس» «551 ـ 479 ق.م» أن الحاكم النبيل هو الذى يتخير كلماته على نحو لا يدع أى لبس، ويصدر أحكامه على نحو يمكن من ترجمتها دون تردد إلى أعمال، وهو لا يطيق أدنى عدم دقة فى خطاباته، «وينبغى للخروج من وضع سيئ مشئوم إعطاء الكلمات معناها الدقيق والرجوع إلى المضمون، ليكن الأمير أميرا، والأب أبا، والكائن الإنسانى كائنا إنسانيا، ولكن الناس يخونون الكلام دوما، ولذا تكف الكلمات عن الدلالة على معناها، ويفترق الوجود عن الكلام».

«كارل يا سبرز: فلاسفة إنسانيون ص155».

إن الكارثة تصيب كل شيء عندما يصاب الكلام بالفوضى «عندما تكون الكلمات غير دقيقة، وتكون الأحكام غير واضحة، والآثار غير خصبة، والعقوبات فى غير محلها، يتعذر على الشعب أن يعرف أين هو من الأمور».

د. صلاح بسيونى رسلان

الأستاذ بآداب القاهرة

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق