رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

« الآهرام » تنفرد بنشر وثائق بريطانية تكشف أسرارا جديدة عن الضربة المفاجئة..
حتى الأمريكيون.. ضللتهم عملية 6 أكتوبر المعجزة

لندن ــ مروان سلطان
كان لقاء هيث وجولدا فى لندن صعبا

  • كيسنجر كان يوقظ سفير بريطانيا بالقاهرة فى أوقات متأخرة ليلا طوال شهر أكتوبر لطلب معلومات دقيقة عن نيات السادات
  • نفاق كيسنجر للملك فيصل وضغطه عليه فشلا فى حمله على تخفيف حظر البترول السعودى على الولايات المتحدة
  • إدوارد هيث قال لجولدا مائير: ننصحكم منذ سنوات بأن العرب لن يأتوا إلى مائدة التفاوض بشروطكم.. وحــرب أكتـوبـر أثبتت لكم صحة موقفنا
  •  لا يمكننا رفع حظر السلاح إلى أطراف الصراع بينما ندعو لوقف القتال.. وكلام مؤيدى إسرائيل عن ابتزاز العرب للغرب بالبترول جلبة لا أساس له

 

عندما قال الرئيس الراحل أنور السادات إن التاريخ سوف يتوقف طويلا بالفحص والدرس أمام عملية السادس من أكتوبر عام 1973، كان، ولا يزال، محقا. فرغم مرور 47 عاما على العملية المعجزة، لم تُكشف كل أسرارها بعد.

مازالت الوثائق البريطانية السرية تميط اللثام عن بعض هذه الأسرار، وأحدثها هو أن الأمريكيين حاروا لأنهم لم يكونوا يعلمون يقينا ماذا يدور فى ذهن السادات عندما بدأ الحرب.

وتكشف الوثائق، التى اطلعت عليها «الأهرام» وفق قانون حرية المعلومات، عن أن حيرة الأمريكيين بلغت حد أن وزير الخارجية الأمريكى هنرى كيسنجر كان يوقظ السفير البريطانى بالقاهرة فى أوقات متأخرة من الليل للحصول على معلومات دقيقة عن الموقف المصرى من الحرب.

فى واحدة من زياراته المكوكية الساعية إلى ترتيب وقف إطلاق النار بين العرب بقيادة مصر من ناحية وإسرائيل من ناحية أخرى بعد نحو شهر من ضربة السادس من أكتوبر المفاجئة، اعترف كيسنجر، بأن الولايات المتحدة تلقت معلومات مضللة عن نيات السادات الحقيقية من وراء الحرب.

وأسر الدبلوماسى الأمريكى المخضرم بذلك للسفير البريطانى فى القاهرة فيليب جورج دوين آدمز.

 

كيسنجر يعتذر

ففى حفل عشاء أقامه إسماعيل فهمي، وزير الخارجية المصري، على شرف كيسنجر يوم 7 نوفمبر عام 1973، قال الوزير الأمريكى للسفير البريطانى إنه «يشعر أنه مدين له باعتذار لتسببه فى إيقاظه من نومه فى منتصف الليل عدة مرات خلال الشهر الماضى (أكتوبر).»

وتشير برقية بعث بها آدمز، بعد الحفل، إلى وزارته إلى أن الأمريكيين افتقدوا إلى المعلومات الدقيقة عما يفكر فيه السادات.

وعندما تطور النقاش ليتناول فحوى الاتصالات الليلية بين الوزير والسفير، تبين، وفق ما جاء فى البرقية، أنه كان هناك سؤالان يشغلان أذهان الناس فى الأيام اللاحقة على بدء الضربة المصرية وهما: ما هو موقف السادات، أى إلى ماذا يرمي؟، والثانى هو: ما هو أبعد مدى يمكنه أن يصل إليه بالنسبة لقبول حل وسط؟.

يقول السفير إنه لم تكن لديه إجابة واضحة مؤكدة. غير أنه قال «كنت متأكدا تأكدا مطلقا من شيء واحد وهو أن المصريين لم يفكروا للحظة، مهما يكن الموقف العسكرى المواتى الذى يتمتعون به، بقبول وقف لإطلاق النار لا يرتبط ارتباطا مباشرا بعملية ما تتعلق بصناعة تسوية».

وتشير البرقية إلى أن كيسنجر قال لآدمز إن « الأمريكيين قبلوا الآن وجهة النظر تلك، وكرر أنهم تلقوا معلومات مضللة مغلوطة».

غير أن البرقية لم تتضمن أى إشارة إلى المصدر المحتمل لمعلومات الأمريكيين لأن كيسنجر استخدم صيغة المبنى للمجهول.

وبعد زيارته للقاهرة، توجه كيسنجر إلى الرياض لإقناع القيادة السعودية بالتخفيف من حدة موقفها بشأن حظر البترول الذى فرضته المملكة مساندة للجيوش العربية فى مواجهة العدو الإسرائيلي.

وتكشف الوثائق أن كيسنجر حاول بكل الطرق دون جدوى تليين موقف الملك فيصل من حظر البترول ودعمه القرار المصري.

وقالت السفارة البريطانية بجدة فى برقية إلى لندن:

«أعضاء السفارة الأمريكية العائدون من الاجتماعات فى الرياض (إلى جدة ) يوم 8 نوفمبر لم يبلغونا بأكثر من أن الدكتور كيسنجر أسس علاقة جيدة مع الملك فيصل الذى انبهر (كيسنجر) بإخلاص تصميمه (الملك) على إنجاز تسوية طويلة المدى منصفة للعرب.»

وتكشف البرقية عن أنه «رغم بعض التملق والضغط لم يوافق الملك فيصل على تخفيف حظر البترول على الولايات المتحدة».

تدهور غير مسبوق

فى شهر نوفمبر عام 1973، دعت «الاشتراكية الدولية» جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل إلى حضور مؤتمرها الطارىء فى لندن المخصص لبحث قضية الشرق الأوسط. وخلال الزيارة التقت جولدا، يوم 12 من الشهر نفسه، رئيس وزراء بريطانيا إدوارد هيث.

جاءت الزيارة بعد موافقة مصر على وقف إطلاق النار، بوساطة أمريكية دؤوبة، بعد ضربة السادس من أكتوبر المفاجئة.

قبيل الزيارة، نبهت السفارة البريطانية فى إسرائيل الوزارة، فى لندن، من أن جولدا «سوف تكون ناقدة للغاية لسياستنا الخاصة بالأسلحة ولإعلان مجموعة التسع (المجموعة الأوروبية)»، الذى لم يلق، فى حينه، ترحيب إسرائيل، التى رأته معاديا لها ومنحازا للعرب.

وحذر التقرير من أنه «ليست هناك طريقة مضمونة للتعامل مع السيدة مائير بنجاح عندما تكون فى مزاج يميل إلى الخلاف والنزاع».

وفى نصيحة موجزة، قالت السفارة «سيكون من المفيد لو أمكن إقناعها (جولدا) بأن بريطانيا وبقية دول المجموعة الاقتصادية الأوروبية يمكنهم وسوف يكون لهم بعض التأُثير على عملية صنع السلام، وأن هذا لن يكون بالضرورة ضارا بإسرائيل».

وقبيل وصول الضيفة الإسرائيلية، أعدت إدارة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا فى الخارجية البريطانية تقريرا معلوماتيا موجزا عن سياسة إسرائيل فى الشرق الأوسط لتسليح رئيس الوزراء هيث به خلال اللقاء، الذى كان متوقعا أنه لن يكون سهلا فى ظل موقف إسرائيل الصعب بعد المفاجأة المصرية الصادمة.

واستعرض التقرير حالة العلاقات بين إسرائيل والمملكة المتحدة.

ووصف العلاقات الثنائية، فى ذلك الوقت، بأنها فى أسوأ حالاتها. وقال: «العلاقات الأنجلو ــ إسرائيلية تمر بمرحلة سيئة أخيرا ووصلت إلى أدنى مرحلة انحسار خلال الأزمة الحالية»، فى إشارة إلى الكابوس الذى تعيشه إسرائيل وجيشها بعد إنجاز الجيش المصرى الهائل فى السادس من أكتوبر عام 1973.

وأرجع التقرير السبب وراء هذا التردى فى العلاقات إلى «الخلاف الحقيقى فى الرأى بيننا بشأن سبل حل مشكلة الشرق الأوسط».

وحرص على التأكيد بخلاف هذا التباين، فإن العلاقات الثنائية «مستمرة فى كونها وثيقة للغاية»، رغم وجود مشكلتين، تتعلق الأولى بشكوى إسرائيل المستمرة من ميل الميزان التجارى لمصلحة بريطانيا، ومن أن الانجليز لم يدعموا بالقوة الكافية سعى إسرائيل إلى إبرام اتفاقية تفضيلية مع المجموعة الاقتصادية الأوروبية.

ونُصح رئيس الوزراء بأن يرد على هذه النقطة، إن أثارتها جولدا، بأن «العلاقات لا تزال وثيقة وودية للغاية على كل المستويات وفى كل المجالات. ونحن ملتزمون بصلات تاريخية وثقافية وتجارية قوية لن تحطمها أى اختلافات قد توجد بيننا بشأن مشكلة الشرق الأوسط».

وانتقل التقرير إلى لب الخلاف بين تل أبيب ولندن بشأن هذه المشكلة. وقال «لدينا خلاف حقيقى فى الرأى مع الإسرائيليين بشأن تسوية مشكلة الشرق الأوسط.»

خيار وحيد بشروط إسرائيلية

ويؤكد التقرير أنه «منذ عام 1970 ونحن نحث على ضرورة إبداء مرونة بشأن الانسحاب من الأراضى العربية المحتلة من أجل إقناع العرب بالقدوم إلى مائدة التفاوض.»

غير أن الموقف الإسرائيلى لم ينصت إلى الانجليز، كما يكشف التقرير. وقال إنهم ، أى الإسرائيليون « رفضوا بإصرار فعل هذا (الاستجابة لنصيحة الانسحاب) معتقدين بأن العرب لن يكون أمامهم فى النهاية خيار سوى المجيء إلى مائدة التفاوض بالشروط الإسرائيلية».

وكانت وثائق بريطانية أخرى، نشرتها مجلة «الأهرام العربي» منذ سنوات قد كشفت عن أن السادات أبلغ البريطانيين بوضوح بأنه لن يقبل الأمر الواقع الذى تصر إسرائيل على فرضه، وأنه لن يكون أمامه خيار سوى الحرب، وطلب منهم بيع السلاح لمصر.

ويعيد تقرير الخارجية البريطانية صياغة لب الخلاف فى هذا الشأن قائلا «نحن لانعتقد بأن الأمن الأسرائيلى يمكن ضمانه باحتلالها المستمر للأراضى العربية، ونحن نشعر بأن الأحداث الأخيرة (حرب أكتوبر) قد أثبتت صواب هذا الاعتقاد».

وتوقعت الخارجية البريطانية، فى تقريرها، بألا تقبل جولدا ذلك.

وقال: «ليس من المحتمل أن تقتنع السيدة مائير بذلك، وربما تتخذ موقفا يقول إن الأحداث الأخيرة تظهر أن إسرائيل لديها الآن حاجة للأراضى أعظم من حاجتها فى السابق».

ماذا سيكون رد هيث فى حالة اتخاذ الزعيمة الإسرائيلية هذا الموقف؟

نصح التقرير بأن يؤكد رئيس الوزراء أن إسرائيل لم تبد مرونة بشأن الانسحاب من الأراضى المحتلة كى تواكب المرونة التى أبداها العرب بشأن الالتزام بالسلام. وقال «الإسرائيليون فضلوا الامتناع عن اتخاذ أى خطوة والانتظار حتى يُجبر العرب على الجلوس على طاولة المفاوضات».

ويشير التقرير المعلوماتى إلى ضرورة أن ينصح هيث إسرائيل بأن تتعلم الدرس من حرب أكتوبر 1973 ويقول لجولدا إن «رأينا أن حرب 1973 تظهر بشكل مقنع أنه لا يمكن لإسرائيل أن تعتمد، فى تحقيق أمنها، على الاحتلال المستمر لمساحات كبيرة من أراضى العرب».

ووضع التقرير خطا عريضا تحت القاعدة الأساسية التى تتبناها السياسة البريطانية، وهى « نريد السلام ونعتقد بأنه لو أريد تحقيق السلام، سوف يتعين على إسرائيل الانسحاب.»

جلبة بلا أساس

بعد مرور شهر بالضبط على بدء ضربة أكتوبر، أصدرت المجموعة الاقتصادية الأوروبية، التى كانت بريطانيا أحد أكبر قادتها، إعلانا أغضب إسرائيل التى اعتبرته معاديا لها ومؤيدا للعرب.

وتحسبا لأن تثير جولدا الموضوع، سلح التقرير هيث بالرد التالي:

الإعلان يستند إلى قرار مجلس الأمن رقم 242 الذى يظل الأساس الوحيد المقبول عموما للتسوية. لم يدع القرار إلى الانسحاب الإسرائيلى من الأراضى المحتلة. فكلمتا الانسحاب والأراضي، فى الواقع، حتى لم تذكرا. وما نقوله حقيقة هو أننا نعتقد أن تسويةَ لمشكلة الشرق الأوسط يجب أن تقوم على مبدأ هو إنهاء للاحتلال الإسرائيلى للأراضى العربية. وعدم مقبولية الحصول على الأراضى بالقوة هو أحد المبادىء الأساسية لقرار 242 وميثاق الأمم المتحدة».

وفضلا عن ذلك، نُصح هيث بأن ينبه الإسرائيليين، ممثلين فى رئيسة وزرائهم، إلى الموقف البريطانى التالي: «الإعلان (الصادر عن المجموعة الأوروبية) يشير أيضا إلى أهمية الضمانات التى نعتقد أنها سوف تقدم للإسرائيلى نظاما للأمن أفضل من احتلال الأراضى العربية».

تساؤل

ماذا عن الابتزاز النفطى العربى الذى كثر الكلام عنه فى الغرب آنذاك؟

تطرق التقرير إلى هذه النقطة، مشيرا إلى ما كان يروج له الإسرائيليون وأنصارهم فى الغرب فى ذلك الوقت بأن الإعلان الأوروبى يمثل رضوخا لابتزاز عربى يستغل ثروتهم البترولية.

غير أن موقف البريطانيين، الذى طلب من هيث أن ينقله إلى جولدا، هو» سياستنا (الأوروبيين) بشأن الشرق الأوسط ثابتة منذ عام 1970، قبل حتى أن تُسمع كلمتا ’سلاح النفط’».

وتوقعت الخارجية البريطانية أن تثير جولدا موقف الأوروبيين من تطلعات الشعب الفلسطينى التى تؤيدها لندن ونص عليها القرار الدولي، الذى أجهضته الولايات المتحدة فى شهر يوليو عام 1972.

وأعد تقرير الخارجية الرد التالي:

نعتقد دائما بأن الفلسطينيين لديهم حقوق أعطيت لهم وفق قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 الصادر عام 1948، الذى صوتنا له، وتم التأكيد عليه كل عام منذ ذلك الوقت، وهو يعطيهم الحق فى العودة إلى ديارهم أو التعويض عن خسائرهم. واعتقادنا الدائم هو أنه لو أريد لأى تسوية سلمية أن تكون عادلة ودائمة، فإنها يجب أن تحصل على موافقة كل شعوب المنطقة بمن فيهم الفلسطينيون وتأخذ فى الاعتبار تطلعاتهم المشروعة. وبعد استخدام كلمة «المشروعة»، قلنا إننا لن نؤيد خطة فلسطينية تشكك فى حق إسرائيل فى الوجود».

عقب الضربة المصرية العربية فى أكتوبر، أقام الإسرائيليون وأنصارهم فى المملكة المتحدة الدنيا بسبب فرض لندن حظر تصدير السلاح إلى العرب والإسرائيليين. وقالوا إن هذا الحظر منحاز ضد إسرائيل.

غير أن تقرير الخارجية البريطانية وصف حملة هؤلاء بأنها «جلبة هائلة لا أساس لها». وقال إن الرد عليها هو أنه « سيكون من الخطأ بكل معنى الكلمة أن ندعوا إلى إنهاء القتال، ونرسل فى الوقت نفسه أسلحة إلى طرفى النزاع».

وقد ألحقت الخارجية تقريرها المعلوماتى الإرشادى بسيرة ذاتية تحليلية لرئيسة الوزراء الإسرائيلية. ووصف جولدا بأنها «شخصية متشددة، تصمم على ألا تتنازل عن أى شيء إلا بالحصول على ثمنه كاملا». وأضاف أنها «تعرف شعبها جيدا وتعرف كيف تخاطبه».

لقاء صعب

التقى هيث جولدا فى 10 داوننج ستريت. كان اللقاء ساخنا، كما يوحى محضر المباحثات.

ويقول المحضر إن هيث «هنأ مائير باتفاق وقف إطلاق النار كخطوة رئيسية للأمام». وقال «التفكير المهم الآن هو فى الحفاظ على قوة الدفع باتجاه تسوية كاملة»، وهذا ما كانت تسعى إليه مصر من شنها حرب تحرير الأراضى العربية التى احتلتها إسرائيل عام 1967.

ومنذ بدايات الاجتماع، ظهرت الخلافات بين السياسة البريطانية والمواقف الإسرائيلية رغم التأكيدات البريطانية المستمرة بضرورة حماية أمن الدولة العبرية. وبدا واضحا أن لندن لم تكن تقبل كل ما يطرحه الإسرائيليون رغم موقفهم الصعب بعد السادس من أكتوبر.

أكد هيث لرئيسة وزراء بريطانيا على التالي:

موقفنا لم يتغير منذ عام 1970، يجب الحفاظ على استقلال إسرائيل، يجب أن تكون لها حدود أمنة تتحقق بالتفاوض، لا بد من مناطق عازلة ووجود قوة دولية ( للفصل بين القوات الإسرائيلية والجيوش العربية).

غير أن فكرة القوة الدولية لم ترق لجولدا. وعبرت عن «شكوك قوية بشأن نشر قوة دولية».

وردت على كلام هيث قائلة:

لا يمكن أن تقبل إسرائيل حدودا لا يمكنها الدفاع عنها بنفسها، الأثر الناتج عن تطبيق ضمانات دولية هو أن هذه الحدود غير آمنة بطبيعتها، وبالتوازى مع ذلك، لا تريد إسرائيل أن يقاتل جنود أجانب من أجل أمنها، فهذا لن يكون غير أخلاقى فقط ويضر بالمعنويات، لكنه سوف يجعل أيضا إسرائيل معتمدة على قوات أجنبية.

غير أن هيث رفض موقف جولدا. ورد بأنه لا شيء غير أخلاقى أو يضر بالمعنويات. وقال: «نحن لم نعتبر أن هناك ما هو غير أخلاقى أو يضر بالمعنويات فى وجود قوات بريطانية فى قوة الأمم المتحدة لحفظ السلام فى قبرص ( لاتزال القوة فاعلة منذ عام 1964 لمنع تجدد القتال بين القبارصة اليونانيين والأتراك. وأبرمت معاهدة فى العام السابق بين قبرص واليونان وتركيا والمملكة المتحدة لضمان وحدة أراضى قبرص).

ونبه هيث رئيسة وزراء إسرائيل إلى أن القوات البريطانية «أسهمت فى تحقيق الاستقرار، وهى جاهزة للقتال إذا قضت الضرورة».

وأشار الزعيم البريطانى بشكل غير مباشر إلى صواب قرار مصر بشن الحرب. فيقول محضر اللقاء إن هيث « قال إن إسرائيل والعرب عانوا معاناة هائلة»، ثم عبر عن شعوره بأن « الموقف الآن أفضل على الجانب العربى وأنهم سيكونون مستعدين للتفاوض».

اليهود لا ينسون من يقف معهم أو ضدهم

وخلال اللقاء تحدثت جولدا «بحرارة بالغة عن الولايات المتحدة». وقالت « عندما كان هناك تدفقات هائلة من الأسلحة إلى الجانب الآخر، تصرفت الولايات المتحدة بطريقة لن تنُسى فى إسرائيل. فاليهود يتمتعون بذاكرة دائمة تجاه هؤلاء الذين يقفون لتأييدهم وضدهم». وأضافت « لكن كل حكومة تصرفت وفقا لما اعتقدت أنه صائب».

ورد هيث على ذلك قائلا :

«نعتقد بأن سياستنا كانت صائبة. فمنذ السبعينيات، ونحن نوضح لكل المعنيين بأنه طالما استمر النزاع، سيكون هذا خطيرا بالنسبة لإسرائيل وللعرب وللعالم كله.»

وفيما يتعلق بالسلاح ، تساءل رئيس الوزراء البريطاني: كيف يمكن الدعوة إلى وقف إطلاق النار (الذى كان رغبة إسرائيلية) كما فعلنا بمجرد اندلاع القتال، وإرسال أسلحة فى الوقت نفسه إلى الجانبين؟».

وأضاف أنه «يفهم وجهة النظر الإسرائيلية ( بشأن التسليح) غير أن الحقيقة هى أن التوريدات الهائلة من الأٍسلحة إلى العرب أيضا توقف أيضا بفعل الحظر على التسلح الذى طبقناه».

وعلقت جولدا قائلة إنه «على عكس إسرائيل، لا يعتمد العرب فى الحصول على السلاح على الغرب».

ويكشف محضر اللقاء عن نقاش بين هيث وجولدا بشأن الأسباب الحقيقية لحربى عامى 1967و 1973. ويشير المحضر إلى أن رئيسة وزراء بريطانى سعت لإقناع البريطانيين بأن العرب أرادوا ابتزاز الغرب بالبترول.

غير أن هيث قال، حسب المحضر، إنه «كان هناك كلام عن الابتزاز العربى بالنفط، ولا أقبل هذا الكلام».

وصارح الزعيم البريطانى ضيفته بالحقيقة وهى أن إسرائيل لم تقبل المبدأ الرئيسى فى السياسة البريطانية وهو حق الفلسطينيين فى تحقيق تطلعاتهم التى تشمل إقامة دولة مستقلة لهم فى فلسطين، باعتبار هذا «محاولة حقيقية لتسهيل تحقيق تسوية «

وهنا عاد هيث إلى الوراء قليلا، مذكرا جولدا بأن إسرائيل لم تقبل «خطاب هاروجيت» الشهير، وصدقت الضيفة الإسرائيلية على ذلك.

ففى هذا الخطاب الذى ألقاه رئيس الوزراء البريطانى الراحل سير أليس دوجلاس هيوم، عندما كان زعيما للمعارضة، أمام مؤتمر حزب المحافظين يوم 31 أكتوبر عام 1970، أكد المحافظون أنه «لا يجب تجاهل التطلعات السياسية للعرب الفلسطينيين ورغبتهم فى أن يُعطوا وسيلة للتعبير عن النفس». ورغم أن سير أليس لم يفصل بالتحديد المقصود بالتطلعات السياسية، فإن متابعة السياسة البريطانية اللاحق، تؤكد أن إقامة دولة فلسطينية مستقلة هى أحد هذه التطلعات.

ويكشف المحضر أيضا نقاشا لم يصل إلى نتيجة أو اتفاق بين هيث وجولدا بشأن تطبيق قرار 242 بشأن الانسحاب إلى حدود ما قبل عدوان إسرائيل عام 1967. غير أن هيث «أكد أن الرئيس السادات يريد التفاوض الآن ( بعد ضربة 6 أكتوبر)، ومن المهم الإبقاء على قوة الدفع مستمرة».

ورغم إصرار هيث على تأكيد المواقف البريطانية، فإن محضر اللقاء يؤكد أن جولدا «تجنبت شن هجوم مباشر على سياسات» بريطانيا.

مر الآن، ما يقرب من نصف قرن على الحرب، تغيرت خلاله مواقف وسياسات كثيرة، إسرائيلية وبريطانية ودولية، وعربية!!.


رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق