رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ما أحوجنا إليها

بريد;

خلت الفلسفات والآداب فى العصور القديمة والوسطى من أى حديث مفصل عن العمل كموضوع إنسانى عظيم الشأن فى حياة الأفراد والمجتمعات حتى جاء الإسلام وتحدث عن العمل، من خلال علمائه، كنظرية قائمة بذاتها لاتقل أهمية عن نظرية الدولة أو نظرية المعرفة، إذ هو الأساس فى تحديد قيم الأشياء وأساس الإنتاج ومنشيء الثروة.

لقد أكد الإسلام قيمة العمل ورفع شأنه ولم يعتبره منكرا من المنكرات خلافا لما كان عليه الحال فى المجتمعات اليونانية والرومانية أو حتى العربية، أضف إلى ذلك ما كان يطالب به كل من أفلاطون وأرسطو من ضرورة تحرر المواطن الحر من العمل اليدوى الذى يحط من قدر صاحبه ويُشوه جسمه ويُفسد روحه. وقد رفض الإسلام أن يُترك العمل أو يُهمل بدعوى التفرغ التام للعبادة أو الانقطاع لحياة التأمل الفكري، إذ يُعد نوعا من الجهاد فى سبيل المثل الأعلى «وآخرون يضربون فى الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون فى سبيل الله» [المزمل:20]. وقد كان النبى (عليه الصلاة والسلام) وصحابته يُقدسون العمل البشرى من رعى وزراعة وأعمال يدوية أخرى ويُوصون به لأنه شرف للإنسان ونوع من عبادة الله والتقرب إليه. وإذا كان أبو الفلسفة الحديثة «ديكارت» يعتبر «الفكر» أساس الوجود، والفلاسفة الوجوديون يُعدون «الحرية» أصل وجود الانسان، فإن الإسلام ينظر إلى «العمل»، إلى جانب الحرية، معيارا للتفرقة بين الوجود الإنسانى والعدم اللا إنساني، وعلة رئيسية فى عمارة الكون وتقدمه وازدهاره، ولا أدل على ذلك من ورود لفظ العمل مابين اسم وفعل فى (350) موضعا ونيفا. يقول تعالي: «وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون» [التوبة:105].

ويقوم العمل فى الإسلام على التحاور بين الكون والإنسان، وسيادة الإنسان على كل ما خلقه الله له فى الكون من أرض وفضاء وبحار وانطلاق يده تعمل وتستخرج من الأشياء ماتشاء وتحول بعضها إلى البعض الآخر. وقد اشترط الإسلام للعمل توافر عناصر المعرفة والإرادة ورضا القلب وتلقائية الفعل مما يؤكد عمق العلاقة بين العلم والعمل، فالعمل ينبغى أن يجئ مطابقا للعلم حتى لايتحول إلى عمل عدمى وغير أخلاقي. إن العلم مبدأ والعمل تمام، والمبدأ بلا تمام يكون ضائعا والتمام بلا مبدأ يكون مستحيلا. وقد أمر النبى صلى الله عليه وسلم بالجمع بين العلم والعمل عندما قال: «عليك بالعلم فإن العلم خليل المؤمن والحلم وزيره والعقل دليله والعمل قيمه والرفق أبوه واللين أخوه والبر جنوده» [الجامع الصغير 2/62].

كما يُشترط للعمل الاتقان النابع من الإخلاص فيه والتفانى فى إنجازه. وفى ذلك يقول الحديث الشريف «إن الله يُحب إذا عمل أحدكم عملا أن يُتقنه» [كتاب مجمع الزوائد 4/98]. وإدامة العمل واستمراره حتى آخر لحظة فى حياة الإنسان وقيام الساعة «إذا قامت الساعة وفى يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليفعل» [أحمد بن حنبل فى مسنده].

وفى تأكيد الإسلام قيمة العمل يؤكد فى الوقت نفسه عداوته للفقر والاتكالية بكل صورها وأشكالها التى تشيع السلبية فى الإرادة وتؤكد جمود المادة وتركها على ماهى عليه، كما يدعو إلى محاربة الخمول والتراخى والسلبية فالحياة حركة ونشاط دائبان، والتواكل مضاد لذلك كله وسبب من أسباب تخلف المجتمعات الإسلامية عن ركب الحضارة والتقدم. وقد قال الأمام أحمد بن حنبل ردا على من سأله عن رأيه فيمن جلس فى بيته أو فى المسجد وقال لا أعمل شيئا حتى يأتينى رزقي. إن هذا الرجل جهل العلم، أما سمع قول النبى صلى الله عليه وسلم : «جُعل رزقى تحت ظل رمحي». إن اليد العاملة يد يحبها الله ورسوله وأنها يد لاتمسها النار. وقد نبه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن الإيمان دون عمل لاخير فيه.

أما عن المنظور الأخلاقى للعمل فيعد الأداة الوحيدة للهجوم على الرذيلة والدفاع عن الفضيلة، وما حياتنا العضوية المادية والروحية إلا كفاح مستمر ضد جميع أنواع الشرور وغزو متواصل للخير حتى الموت.

ما أحوج مجتمعاتنا العربية إلى التثقف بثقافة العمل من حيث الهمة والنشاط والجد والاتقان والنأى بنفسها عن التراخى والسلبية فى العمل والإهمال فى تجويده واتقانه وديمومته حتى تحتل المكانة اللائقة بها بين الدول المتحضرة المتقدمة.

د. صلاح بسيونى رسلان

الأستاذ بآداب القاهرة

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق