رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مما كتب لويس عوض..«تأملات فى الثقافة المصرية»

دعــاء جــلال
لويس عوض

تستعرض السطور التالية جانبا مما كتبه الكاتب الكبير لويس عوض على صفحات عدد «الأهرام» الصادر بتاريخ 24 مايو 1981 بعنوان «تأملات فى الثقافة المصرية»..وكان كالتالي: «نص المحاضرة التى ألقيتها فى واشنطن ولوس انجليس..

سيداتى وسادتي: فى كل تقرير موجز عن حالة «الفن والأدب فى مصر اليوم» تتمثل الصعوبة الأولى فى تعريف المراد بكلمة «اليوم»، وبما أن الكلمة لا يمكن أن تعنى فى 1981، فمعناها لابد أن يكون أحد أمرين: اما «منذ ثورة 1952»، أو بتحديد أكثر «منذ تولى الرئيس السادات»، فبالرغم من وجود عناصر استمرار أساسية فى عهدى عبدالناصر والسادات، فإن هناك ما يكفى من عناصر الاختلاف بينهما بما يبرر التعريف بالمفارقات، ومادمنا نتحدث عن المفارقات، فلا سبيل إلى تقييم فترة ما بعد 1952 بغير الإشارة إلى الدورة السابقة عليها من دورات التاريخ المصري، أى دورة 1919-1952، أو ما نسميه «العهد البائد».

لقد كان أكبر هدفين من أهداف ثورة 1919 هما تحقيق الاستقلال القومى وإقامة الديمقراطية الليبرالية، وقد تحقق كلا الهدفين، ولكن تحقق منقوص، لأن الوجود الأجنبى العسكرى والاقتصادى وضع حدودا للإنجازين معا، وقد قامت أسس الفلسفة الديمقراطية الليبرالية على العلمانية وعلى مبدأ الحق الطبيعي، وهو ما حمى الكفاح الوطنى من الشوفينية العمياء ومن كراهية الأجانب، هذه الأسس العلمانية لثورة 1919 هى التى مكنت الفن والأدب، بالإضافة إلى مختلف أشكال التنظيم الاجتماعى وأنماط السلوك والأخلاقيات أن تحذو، ما أمكن ذلك، حذو نظائرها فى حضارة الغرب وثقافته.

ففى الفن، بعث من جديد الاهتمام بالتصوير والنحت، بعد ما يقرب من ألفى عام من الخوف الدينى من أنهما من الفنون الوثنية، ولكى يتحقق التحرر من الأرابيسك وتقاليد الزخرفة التجريدية، كان من الضرورى العودة إلى التراث الفرعونى الوثني، ولكن الفاعل كان التلمذة لأوروبا، وكانت النتيجة هى تماثيل مختار الشماء واللوحات الرائعة التى تركتها ريشة صبرى وناجى ومحمود سعيد وراغب عياد ويوسف كامل ومحمد حسن.

وفى العمارة، أدى البحث عن الجذور إلى ثورة على طراز المعمار فى العصور الوسطي، إسلامية كانت أو بيزنطية، وإلى محاولة لإحياء العمارة الفرعونية، غير أن هذه المحاولة تم التخلى عنها بوصفها غير عملية، واختار بناء المدن فى مصر طراز العمارة المعاصرة الخاص بالبحر الأبيض المتوسط، ولا تزال هناك آثار من هذه الفرعونية الجديدة، يمكن مشاهدتها فى ضريح سعد زغلول وفى محطة سكة حديد الجيزة وفى عدد محدود من القصور الخاصة.

وفى الموسيقي، كانت هناك محاولة للفكاك من القوالب التقليدية لموسيقى الحجرة التركية وكذلك من الربع تون الشرقي، ومن سيد درويش إلى عبدالوهاب، اقترنت هذه الثورة من جهة بالعودة إلى الموسيقى الشعبية «المصرية»، ومن جهة أخرى باقتباس أولويات الهارمونية والكاونتربونت فى الموسيقى الغربية واقتباس التقاليد الأوبرالية فى المسرح الغنائي، ولم يكن هناك أى إحساس بالخجل فى نهب بيتهوفن وشوبرت وفيردى والروس الذين «ترجمهم» عبدالوهاب الشاب المصطلح الموسيقى المحلى فى مصر.

وفى الأدب، عبرت ثورتنا الديمقراطية الليبرالية فى 1919 عن نفسها من خلال مدرستين متكافئتين فى الثورية، فالعقلانيون كان يقودهم لطفى السيد وطه حسين وعلى عبدالرازق وحسين هيكل وإبراهيم المازني، وبالرغم من أن هؤلاء كانوا من دعاة الصفوة، إلا أنهم كانوا من المؤمنين راسخى الإيمان بالحق الطبيعي، كما كانوا من أعدى أعداء الحق الإلهي، كان هؤلاء يشكلون عصر التنوير فى بلادنا، وقد قاموا فى المجتمع المصرى بنفس الدور الذى قام به ديكارت وفولتير ومونتسكيو ودالمبير وكوندياك وكوندورسيه فى المجتمع الفرنسى خلال القرن الثامن عشر، وقد ترجم لطفى السيد كتابى أرسطو «السياسة» و«علم الأخلاق إلى نيقوماخوس»، كما خصص أهم سنوات حياته للدفاع عن القومية المصرية وعن الديمقراطية الأسطاطاليسية، أى الديمقراطية تحت سيادة القانون، وقد طبق طه حسين المنهجية الديكارتية على دراسة الأدب العربى والفكر العربي، وعلى التعليم المصري، ودعا إلى أن الثقافة المصرية هى أساسا جزء لا يتجزأ من ثقافة البحر الأبيض المتوسط، وكرس حياته لإنشاء الجامعات ولنشر التعليم بالمجان، أما على عبدالرازق فقد تصدى لإعادة بحث نظرية الحكم الثيوقراطية فى الإسلام وأنكر أن الخلافة تشكل أى جانب أصيل فى النظرية السياسية الإسلامية، ورغم أن أفكاره أخذت مأخذ الزندقة فى أواسط العشرينيات، إلا أنها فى واقع الأمر فسرت منطق الدولة العلمانية التى كانت تمارس فى مصر بالفعل منذ محمد على.

ومن جهة أخري، نجد أن الرومانسية المصرية التى كان يقودها أولاً العقاد وعبدالرحمن شكرى والمنفلوطى فى العشرينيات، ثم قادتها فى الثلاثينيات مدرسة أبولو فى الشعر، كانت العقلانية المصرية، تنهل بغزارة من الينابيع الأوروبية والأمريكية، ففى الشعر نهلت أساسا من الفريد دى موسيه ولامارتين وفكتور هوجو، ومن ويرد زويرث وبايرون وشلى وكيتس، حتى جوته وهاينى كان لهما نساكهما. وفى النثر، نهلت الرومانسية المصرية من روسو وهازليت وكارلايل وايمرسون، وفى الدراما نهلت من شكسبير وكازيمير دى لافينى واسكندر دوماس الابن وادمون روستان. وفى الرواية، نهلت من وولتر سكوت واسكندر دوماس الأب وبرناردان دى سان بيير والفونس كار وفكتور هوجو وجوته وتولستوى ودوستويفسكى. أما فى السياسة، فقد نهلت من مبادئ الثورة الفرنسية، لا فى مرحلة العاصفة والاندفاع بصفة غالبة، ولكن من مبادئ الحرية والمساواة والإخاء فى مرحلتها الشرعية الباكرة، مرحلة ميرابو، وبينما كانت العقلانية المصرية ثمرة أنتجتها الصفوة الارستقراطية، ضربت الرومانسية المصرية جذوراً عميقة فى الطبقات المتوسطة، وكانت كلتا المدرستين تتميز بالهيومانية وبالعلمانية والديمقراطية، ولم يكن فى تواصلهما الثقافى بأوروبا أى معنى من معانى «الاغتراب» سواء بالنسبة لهذه المدرسة أو تلك، بل على العكس من ذلك كانت كلتا المدرستين تمثلان المجرى الرئيسى للحياة المصرية، على الأقل حتى عام 1936.

وقد جاء التصدع مع أزمة الديمقراطية الليبرالية فى الغرب بندوبها الغائرة، تلك الأزمة التى بلغت أوجها بنشوب الحرب العالمية الثانية وكانت لها موجات صغيرة متكسرة على الشاطئ الجنوبى من البحر المتوسط، فوطأت فى نفوس الناس لحلول معادية لليبرالية، حلول تقوم على التنازل عن الإرادة الفردية والبحث عن الخلاص من خلال الإرادة الجماعية، وهو ما اشتهر باسم النظم الشمولية».

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق