رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تبادل الأفكار

بريد;

من الآفات الخطيرة عدم قبول الرأى الآخر، فالبعض يعتبر الحقيقة حكرا عليه، ومن ثم فهو الخصم والحكم، وصاحب القرار الأوحد، ويطبق مقولة «من ليس معى فهو عدوى»، فيضرب عرض الحائط بمبدأ «إن الاختلاف فى الرأى لا يفسد للود قضية»، وهؤلاء الناس غير مستعدين للتراجع عن آرائهم حتى لو تأكد خطؤها، فهم يعتقدون أنهم يفقهون فى كل الأمور، ويعتبرون أنفسهم المعيار لكل أمر.. إنهم يتربصون بأى شخص أو سياسة أو حدث أو فكرة يحدث اختلاف معها أو عليها، على الرغم من أن الحضارة الإنسانية نتاج تلاقح بل تصادم أفكار مختلفة بل متناقضة أحياناً.

ولفولتير مفكر الثورة الفرنسية مقولة لافتة فى هذا الشأن جاء فيها (إنى أخالفك فى الرأي، لكنى مستعد للدفاع حتى الموت عن حقك فى إبداء رأيك).. أما عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فلقد وقف ذات يوم يخطب فى الناس ونصحهم بألا يغالوا فى مهور النساء، وبيّن لهم أن المغالاة فى المهور لو كانت مكرمة فى الدنيا أو الآخرة لفعلها الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكنه ما أعطى أحدا من نسائه ولا أخذ شيئا لبناته إلا شيئا قليلا.. عندئذ قامت امرأة وقالت فى شجاعة (يا عمر أيعطينا الله وتحرمنا أنت؟) أليس الله سبحانه وتعالى قد قال «..وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا» والقنطار هو المال الكثير، فأدرك عمر صواب قول المرأة وحسن استشهادها بالآية الكريمة فرجع عن رأيه وقال قولته الشهيرة التى أصبحت حكمة أثيرة (أصابت امرأة وأخطأ عمر) . وها هو الإمام الشافعى يقول: (رأيى صواب يحتمل الخطأ ورأى غيرى خطأ يحتمل الصواب)، ويحكى أن تلميذا ــ اسمه يونس ــ للإمام الشافعى قد اختلف معه فى مسألة، فقام الطالب غاضبا وترك الدرس وذهب إلى بيته، فلما أقبل الليل سمع يونس طرقا على باب بيته، وعندما فتح الباب فوجئ بالإمام الشافعى على الباب يقول له: يا يونس... لقد جمعتنا على امتداد الأيام مئات المسائل واليوم اختلفنا على مسألة فهل نجعلها تفرقنا؟. يا يونس لا تحاول الانتصار فى كل الاختلافات، فأحيانا يكون كسب القلوب أولى من كسب المواقف.. يا يونس لا تهدم الجسور التى بنيتها وعبرتها، فربما تحتاجها للعودة يوما ما.. يا يونس اكره الخطأ دائما ولكن لا تكره المخطئ.. وابغض بكل قلبك المعصية لكن سامح وارحم العاصي.. يا يونس انتقد القول، ولكن احترم القائل، فإن مهمتنا أن نقضى على المرض لا على المريض.

ويرشدنا الهدى القرآنى فى بلاغة منقطعة النظير إلى أدب الحوار والاختلاف فيقول الله سبحانه وتعالى «ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ..» «النحل 125»، ويقول الحق فى محكم كتابه الكريم «وَلا تَسْتَوِى الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِى هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ» (فصلت 34. ) أرأيتم كيف يرشدنا الله سبحانه وتعالى إلى أدب الحوار حتى مع الأعداء. وانظر إلى الهدى القرآنى عندما طلب الله سبحانه وتعالى من موسى وأخيه هارون أن يذهبا إلى فرعون الذى طغى «اذْهَبَآ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى» «طه43 ــ 44».

من أغرب الأمور ألا يستوعب بعض الناس اختلاف الرأى فمن يختلف معهم فى الرأى يستحق من وجهة نظرهم الاغتيال المعنوى وربما الجسدي، وهم لضعف حججهم فى الحوار يتركون موضوع الحوار ليصبوا جام غضبهم على من يخالفهم فى الرأي، وهذا بلا مراء إفلاس فكري، فحين يفقد المحاور الحجة ويضيع منه الدليل ويتوه منه البرهان لا يجد مناصاً إلا تجريح شخص من يحاوره.

إن التعصب لا يعمى العيون فقط ولكن العقول أيضاً.

د. محمد محمود يوسف

أستاذ بزراعة الإسكندرية

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق