رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أوروبا بين ترامب وبايدن

منال لطفى
> اجتماع سابق لمجموعة السبع الكبار كشف عن عمق الخلافات الأمريكية الأوروبية

  • وزير بريطانى : ستكون الأمور أسهل لو فاز المرشح الديمقراطى
  • مخاوف من تعمق الشرخ عبر الأطلنطى فى حالة فوز الرئيس الأمريكى بولاية ثانية

 

أذاع، تيم شيبمان، الصحفى البريطانى البارز، السر المكتوم وهو أن بوريس جونسون وحكومته فى «داوننج ستريت» يأملون فى هزيمة دونالد ترامب فى الانتخابات الرئاسية المقبلة. لا أحد من الوزراء أو كبار المسئولين سيصرح بهذا علانية، ولا حتى همسا. لكن شيبمان الصحفى فى «صنداى تايمز» الذى يوصف بأنه «عين داوننج ستريت»، لأنه يعرف خبايا أروقة مقر رئاسة الوزراء، نقل عن وزير فى الحكومة البريطانية قوله: «ستكون الأمور أسهل بكثير، إذا لم يفز ترامب بولاية ثانية». العلاقات بين لندن وواشنطن ليست على ما يرام بسبب خلافات حول كثير من القضايا. لكن الحقيقة أن أوروبا إجمالاً تتمنى هزيمة ترامب. فمن ألمانيا إلى بلجيكا، ومن فرنسا إلى إيطاليا تريد القارة أن تتخلص من عبء ترامب وسياساته. فانتخابه، لو حدث، لولاية ثانية فى نوفمبر المقبل سيكون بالنسبة للقارة العجوز «نهاية تعسة لعام كئيب». فبعد أربعة أعوام فى الحكم، صنع ترامب الكثير من الأعداء فى أوروبا. وحتى مع حلفاء أمريكا المقربين، مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا، لم يعد من الممكن إخفاء تلك العداوات.

 

العلاقات بين لندن وواشنطن منذ انتخب ترامب 2016 لم تكن يوما بمستوى سمعة «العلاقة الخاصة» الوثيقة المفترضة بينهما. فقد وصل ترامب للسلطة وبريطانيا تمر بوقت عاصف بعد تصويت الخروج من الاتحاد الأوروبى (بريكست). ووجدت تيريزا ماى رئيسة الوزراء البريطانية آنذاك العلاقة مع ترامب معقدة وصعبة.ومع أن الأمور بدأت ودية بينهما، إلا أنها سريعاً ما تحولت لعلاقة متوترة بعدما أجرت ماى انتخابات عامة مبكرة فى يونيو 2017، وخسرت أغلبيتها البرلمانية وأصبحت «بطة عرجاء». ونُقل مرات عدة عن دبلوماسيين أمريكيين، من بينهم جون بولتون المستشار السابق للأمن القومى الأمريكي، قولهم إن ترامب اعتبر ماى «ميتة سياسياً» «خاسرة» بسبب قرارها الذى أفقدها أغلبيتها البرلمانية.

ترامب لا يحب التعامل مع «الخاسرين»، كما أنه مال لمعسكر معارضيها فى بريطانيا الذين اتهموها بأنها «تخون» مشروع البريكست بصفقة خروج ناعمة من الاتحاد الأوروبى.

وسريعا بدأت الطرق تتفرق بينهما بسبب خلافات حول قضايا أخرى على رأسها مستقبل حلف الناتو، والاتفاق النووى الإيراني، وقضايا المناخ، والعلاقات مع الصين، بعدما قاومت ماى ضغوط واشنطن لوقف التعاون مع شركة هواوى الصينية لتطوير شبكة الاتصالات فائقة السرعة فى بريطانيا. أيضا كانت روسيا مصدر خلاف كبير، فعندما طلبت ماى رداً قوياً من حليفتها أمريكا بعد اتهام روسيا بتسميم ضابط المخابرات العسكرية الروسية السابق سيرجى سكريبال وابنته يوليا، باستخدام غاز الأعصاب «نوفيشوك» فى مارس 2018، غضب ترامب. ونقلت آنذاك صحف أمريكية عن مسئولين فى إدارته أنه قال: «لماذا يطلب منى الجميع دائماً - أنا شخصياً - أن أفعل الأشياء؟ لماذا لا يفعل أى شخص آخر شيئاً؟».

طرد ترامب آنذاك عددا كبيرا من الدبلوماسيين الروس رداً على التورط فى تسميم سكريبال، لكنه كان غاضبا ولاحقاً أعرب عن ندمه لأن العواصم الأوروبية الأخرى طردت عددا أقل من الدبلوماسيين الروس. ولما غادرت ماى منصبها فى يوليو 2019 وحل محلها بوريس جونسون، أعتقد البعض أن ترامب وجونسون، سيكونان أقوى الحلفاء. لكن، بخلاف فترة شهر العسل القصير بينهما، واجه جونسون كل الصعاب التى واجهتها ماى فى العلاقة مع الرئيس الأمريكى.

فقد ضغط ترامب بلا هوادة على جونسون كى يوقف التعاون مع شركة هواوى لبناء شبكة الاتصالات فائقة السرعة. وتحت الضغط تراجع جونسون عن قراره بالتعاون مع الشركة الصينية فى يوليو الماضى. وأتى وزير الخارجية الأمريكى مايك بومبيو سريعاً إلى لندن ليهنئ المسئولين البريطانيين على قرارهم.وسبب هذا انزعاجاً فى «داوننج ستريت».

ويقول تيم شيبمان: «لن تسمع ذلك حتى همساً فى 10 داوننج ستريت، لكنهم مستميتون كى يهزم جو بايدن دونالد ترامب». ويتابع:«عندما امتدح مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي، الموقف البريطانى المتشدد من شركة الاتصالات الصينية هواوي، فعل ذلك بطريقة كشفت عن إحدى الحقائق السرية فى قلب حكومة بوريس. فقد قال بومبيو (أحسنتم صنعاً) تماماً على غرار الأستاذ الذى يعطى تلميذه المفضل «نجمة» على الواجب المدرسى بعد قيام التلميذ بتصحيح أخطائه والانتباه أثر عقاب الأستاذ له.

ويوضح شيبمان: «كان ثناء بومبيو أكثر من اللازم. قال لى أحد الوزراء فى الحكومة: ستكون الأمور أسهل بكثير، إذا لم يفز ترامب بولاية ثانية... وسراً يتفق كثير من الوزراء على هذا التقييم». أيضا يشتكى المسئولون البريطانيون من صعوبة مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة مع إدارة ترامب. فقد وعد الرئيس الأمريكى بأن بريطانيا «ستكون فى أول الصف» فى اتفاقية تجارة سخية وكبيرة مع أمريكا. لكن الجانب البريطانى اكتشف سريعاً أن ترامب ليس سخياً أبداً، حتى مع حليفه الأوروبى الأوثق.

فأمريكا تريد فتح الأسواق البريطانية أمام المواد الغذائية الأمريكية المعدلة وراثياً واللحوم المغسولة بالكلور. كما تريد فتح قطاع الرعاية الصحية البريطانى أمام الاستثمارات الأمريكية. وهذه كلها «خطوط حمراء» بالنسبة لأى حكومة بريطانية، سواء من حزب العمال أو المحافظين.

وفى يوليو الماضى وخلال زيارة لواشنطن، لم تستطع ليز تروس، وزيرة التجارة الدولية البريطانية، إخفاء خيبة أملها وتحدثت صراحة عما سمته الرسوم الجمركية الأمريكية «العقابية» على السلع البريطانية. وقالت: «هذا يضر بالشركات والمستهلكين على جانبى المحيط الأطلسى فى وقت نحتاج فيه إلى مزيد من التجارة والاستثمار لمساعدة اقتصاداتنا على التعافى من كورونا».

وبسبب الهوة بين واشنطن ولندن، توصلت الحكومة البريطانية إلى أنه لن يكون بالإمكان إجراء اتفاقية تجارة حرة مع أمريكا خلال 2020، فى ضربة كبيرة لجهود لندن لتوقيع أكبر عدد ممكن من اتفاقيات التجارة الحرة مع تكتلات حول العالم قبل خروجها من الاتحاد الأوروبى فى ديسمبر المقبل. وإضافة إلى كل هذا، هناك سبب آخر يتعلق برأى الشارع البريطانى. فآخر استطلاعات الرأى التى يجريها «داوننج ستريت» لمعرفة توجهات الشارع البريطاني، تشير إلى أن القواعد الانتخابية التى صوتت لحزب المحافظين فى ديسمبر 2019 لا تحبذ فوز ترامب بولاية ثانية وتفضل فوز بايدن.

طبعاً فى نهاية المطاف انتخاب ترامب لولاية ثانية هو قرار الناخب الأمريكى، وستتكيف لندن مع الوضع أيا كان. لكن هناك تعقيدات جيو-سياسية متوقعة بالنسبة لها فى حال استمر ترامب لولاية ثانية، على رأسها تراجع العلاقات البريطانية -الصينية لعدم إغضاب ساكن البيت الأبيض.

فعلى الرغم من وقف التعاون مع هواوي، تريد بريطانيا تعزيز العلاقات مع الصين فى مجالات اقتصادية أخرى. وقبل أسابيع أعطت الحكومة البريطانية الضوء الأخضر لشركة «تيك توك» الصينية لبناء مقرها الأوروبى الضخم فى لندن. فالعلاقات الاقتصادية القوية مع بكين ليست مسألة ثانوية بالنسبة للندن، خاصة بعد الخروج من الاتحاد الأوروبى بنهاية العام الحالى. وفى يوليو الماضى عندما اضطرت لندن تحت الضغط لوقف التعاون مع شركة هواوي، هرول مسئولون بريطانيون لنظرائهم فى الصين لإخبارهم أن هذا القرار «مؤقت»وقد يتم التراجع عنه إذا تراجعت أمريكا عن العقوبات المفروضة على المتعاملين مع الشركة الصينية العملاقة.

ويعتقد كثيرون فى «داوننج ستريت» أنه لو اُنتخب بايدن، فلن ينتهج نفس سياسات ترامب حيال بكين، ما سيعطى لندن فرصة لإعادة العلاقات مع الصين لمسارها، ووقف خروج الاستثمارات الصينية من بريطانيا، وفتح حوار عقلانى موزون مع بكين حول القضايا الخلافية ومن بينها القوانين التى تحد من خصوصية الوضع السياسى فى هونج كونج.

التحالف الألمانى - الأمريكى فى مهب الريح

وإذا كانت التوترات بين واشنطن ولندن تحت السطح نسبيا، فإن الخلافات مع ألمانيا على مرأى ومسمع من الجميع. وعلى غرار ماى بعدما فقدت أغلبيتها البرلمانية، أعتبر ترامب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل «خاسرة» و«بطة عرجاء» بعد أزمة المهاجرين فى أوروبا 2015 و2016، وصعود اليمين الأوروبى وخسارتها الكثير من رأسمالها السياسى، ثم إعلانها عدم الترشح لولاية جديدة فى ألمانيا.

ولم يخف ترامب شماتته فى ميركل. كما لم يتوان عن محاولات إضعافها على المسرح الأوروبى. ومثل لندن، فإن الخلافات بين برلين وواشنطن تشمل ملف إيران، والعلاقات مع روسيا، ومستقبل الناتو، وسياسات الاتحاد الأوروبى، وقضايا المناخ، والتجارة الدولية والحمائية والعولمة،والتعاون مع الصين. فألمانيا تقاوم ضغوطاً أمريكية لاتخاذ موقف أكثر صرامة مع الصين، أكبر شريك تجارى لألمانيا. وحتى الآن ترفض برلين وقف تعاونها مع شركة هواوى ومع غيرها من الشركات الصينية.

أما فيما يتعلق بروسيا، فتلعب ألمانيا دور الوسيط مع موسكو لتحسين العلاقات منذ فرض الاتحاد الأوروبى عقوبات على روسيا بعد ضم شبه جزيرة القرم. ولدى ميركل البراجماتية نهج مركب فى التعامل مع موسكو، فهى من جهة تضغط بالعقوبات الأوروبية لوقف ممارسات روسيا فى جوارها الإقليمي، لكن من جهة ثانية تستخدم الجزرة من خلال مشروعات تعاون مشتركة مثل خط أنابيب الغاز «نورد ستريم 2» الذى سينقل الغاز المسال الروسى إلى ألمانيا عبر البلطيق. ورغم تهديدات ترامب بعقوبات على الدول التى تشارك فى المشروع، تتجاهل برلين هذه التحذيرات.

ويعارض ترامب مشروع «نورد ستريم 2» بحجة أنه يقوى النفوذ الروسى فى أوروبا عبر زيادة اعتماد المانيا، محرك الاقتصاد الأوروبي، على مصادر الطاقة الروسية. لكن السبب الحقيقى لعداء ترامب للمشروع هو أنه يُغلق الباب أمام بيع الغاز الطبيعى الأمريكى لأوروبا. فبعد إتمام «نورد ستريم2» ستكون روسيا قادرة على تزويد الأسواق الأوروبية بـ110 مليارات متر مكعب (3.9 تريليون قدم مكعب) من الغاز الطبيعى سنويا بأسعار أرخص من الغاز الطبيعى الأمريكى.

وإلى جانب الخلافات بين برلين وواشنطن حول الصين وروسيا، هناك قضايا أخرى توتر العلاقات. فقط انتقد ترامب برلين مراراً بشأن الفائض التجارى لألمانيا مع أمريكا،والإنفاق الدفاعى فى حلف الناتو. أما ميركل فقد انتقدت بشكل واضح نهج إدارة ترامب الأحادى الجانب تجاه مجموعة من قضايا السياسة الخارجية، من تغير المناخ، والحمائية، إلى الاتفاق النووى الإيرانى.

أيضا تشمل قائمة الخلافات، حظر ترامب المفاجئ للرحلات الجوية من الاتحاد الأوروبى دون تحذير قادة أوروبا عندما بدأ فيروس كورونا فى الانتشار، وتهميش ألمانيا والاتحاد الأوروبى وعدم إشراكهم فى محادثات سلام بين زعماء صربيا وكوسوفا، لعبت ميركل دورا كبيرا فيها للتوسط فى المصالحة بين البلدين. كما أثار ترامب الغضب فى ألمانيا بعد أن سعى لشراء كل الأمصال ضد فيروس كورونا التى تطورها شركة أدوية ألمانية كبيرة.

وكشف الصحفى الأمريكى الكبير، كارل برنشتاين، الذى شارك بوب ودورد كشف فضيحة «ووترجيت» عن أن المسئولين الألمان انزعجوا للغاية من محادثات «عدوانية جداً» أجراها ترامب مع ميركل، لدرجة أن المسئولين الألمان أبقوا تلك المكالمات سرية ولم يُكشف عنها إلا لعدد قليل جدا من كبار المسئولين الألمان. وقالت مصادر لكارل برنشتاين إن «بعض الأشياء التى قالها ترامب لأنجيلا ميركل لا تصدق» وأنه اتهمها مثلاً بأنها فى «جيب الروس». لكن ميركل لم تكترث لنوبات ترامب واتهاماته و«نفضتها كما ينفض البط الماء عندما يخرج من البحيرة».

وتجسدت الخلافات بجلاء فى رفض ميركل دعوة ترامب لحضور قمة مجموعة السبع فى أمريكا فى يونيو الماضى. وبررت ميركل رفضها السفر لأمريكا بأن فيروس كورونا ما زال متفشيا ويشكل خطرا عالميا، لكن الحقيقة أن الجانب الصحى كان أحد الأسباب وليس كلها. فقد تخوفت أن يستخدم ترامب الصورة الجماعية لقادة مجموعة السبع فى معركته الانتخابية، وصراعه السياسى الداخلى ليقول للأمريكيين إنه يمكن إعادة فتح الاقتصاد.

وقال مسئولون أمريكيون آنذاك، على علم بالاتصالات المحمومة لترامب لإقناع قادة مجموعة السبع بالمجئ لأمريكا، إن ترامب كان غاضبا من إحجام ميركل عن حضور القمة واتصل بالرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون للإعراب عن استيائه. لكن فى نهاية المطاف اعتذر جميع الزعماء عن عدم المشاركة. وانتقم ترامب من ميركل بسحب 9500 جندى أمريكى من ألمانيا وإرسالهم لبولندا، تاركا أوروبا مكشوفة فى لحظة تواجه فيها ضغوطًا متزايدة من روسيا. وردت الحكومة الألمانية بغضب على الخطوة، وقال يوهان وادفول، وهو شخصية بارزة فى حزب الاتحاد الديمقراطى المسيحى بزعامة ميركل: «أنت لا تعامل الشركاء كهذا.»

وسواء كان ترامب يحاول تقويض نفوذ ميركل أو لا، فإن قراره سحب القوات ترك مذاقا مرا، وعزز توجه ألمانيا وفرنسا لتقوية أوروبا عسكريا. فالبلدان أصبحا «خط المواجهة» للحرب الباردة الجديدة بين أمريكا والصين وروسيا، بخلاف كبير عن الحرب البادرة فى الخمسينيات والستينيات وهو أن أوروبا لم تعد تشعر بأنها تستطيع الاعتماد على أمريكا من أجل الحماية.

> تحالف ميركل وماكرون يعزز قدرات أوروبا فىالدفاع عن مصالحها

ترامب ينقلب على زعيم أوروبا الشاب

وإذا كان ترامب لم يبد إعجابا كبيرا بتريزا ماي، ولا انجيلا ميركل عندما دخل البيت الأبيض، فلم يكن هذا هو الحال مع الرئيس الفرنسى الشاب إيمانويل ماكرون. ففى بداية علاقاتهما وصفه ترامب بأنه «كامل» و«مثالى». هذه الكيمياء الإيجابية جعلت أوروبا تشعر بأن الرئيس الفرنسى سيكون «همزة الوصل» بين أوروبا وأمريكا فى وقت عصيب وملفات معقدة.

لكن العلاقات الدافئة تحولت سريعا إلى علاقات مريرة. فالرئيس الفرنسى اختلف مع ترامب فى كل القضايا تقريباً، من الصين، للملف النووى الإيرانى، للوضع فى سوريا، للعلاقات مع تركيا، لحلف الناتو، لليبيا، لروسيا، للمشروع الأوروبى. وإلى جانب الخلافات، ضعفت صورة ماكرون الدولية بسبب مظاهرات «السترات الصفراء» فى فرنسا ضده والتى استمرت أشهرا طويلة. وأصبح ماكرون الضعيف هدفا سهلا لانتقادات ترامب، لدرجة انه يبث «تغريدة شماتة» يدين فيها عدم قدرة الرئيس الفرنسى على إنهاء الاحتجاجات الشعبية ضده.

وفى نهاية المطاف انضم ماكرون لقائمة ميركل وماي، أى الحلفاء الذين تراجع أداؤهم فى الانتخابات، أو تراجعت شعبيتهم فى استطلاعات الرأى. وبالتالى تراجعت أهميتهم لدى ترامب. وخلال الخلافات الحادة بين باريس وواشنطن على خلفية قرار ترامب سحب قواته من شمال سوريا وإعطاء الضوء الأخضر لتركيا للتوغل فى الأراضى السورية فى أكتوبر 2019، حاول ماكرون مرارا الحديث مع ترامب لإثنائه عن تلك الخطوة، لكن ترامب لم يعطه آذانا صاغية. وقال مسئول أمريكى سابق فى الإدارة فى هذا الصدد لكارل برنشتاين إن ترامب كان ينظر للحلفاء الأوروبيين على أنهم «متوسلون يطلبون خدمات شخصية»، موضحا أن ترامب «يمكن أن يكون فظا (مع الزعماء الغربيين) عندما يعتقد أنه يستطيع فعل ذلك دون عواقب».

 وبالتالى عندما اتصل ماكرون بترامب كى يطلب منه عدم تمكين الأتراك من التوغل فى شمال سوريا وملاحقة الأكراد، لم يكترث الرئيس الأمريكى لمخاوف ماكرون، قائلاً له: «لقد هزمنا داعش، وتركيا وسوريا ستعتنى بأى فلول». فرد ماكرون بأن تركيا ستركز على مهاجمة الأكراد، وستتفاهم مع داعش.

وكانت الضربة القاصمة فى علاقاتهما الشخصية عندما انتقد ماكرون علانية وبلغة ساخرة أمام عدسات التليفزيون قرار ترامب سحب القوات الأمريكية من شمال سوريا. واتهم ماكرون ضمنا ترامب بالتضحية بالأكراد وإلقائهم «تحت الحافلة» فى اتفاق غامض مع تركيا، لم يُستشر فيه حلفاء أمريكا الأوروبيون، قائلاً:«الحليف يجب أن يكون محل ثقة». ثم امتدح ماكرون لاحقا وزير الدفاع جيم ماتيس بسبب استقالته، قائلاً: «أود أن أعبر عن تقديرى للجنرال ماتيس ... لقد رأينا خلال عام أنه كان شريكا موثوقا».

وعندما وصف ماكرون حلف الناتو فى ديسمبر 2019 فى الذكرى الـ70 لتأسيسه بأنه «ميت دماغيا» ويحتاج إلى إعادة تعريف للمخاطر والأولويات، وصف ترامب تصريح ماكرون بأنه «تصريح مقرف جدا». وتابع: «أعتقد أن لديهم فى فرنسا نسبة بطالة عالية. والبلد يعانى اقتصاديا أيضا. وهذا تصريح قوى جدا ومن غير المعقول أن تطلق التصريحات هكذا عن الناتو، هذه إساءة كبيرة... إننى أنظر إليه (ماكرون) وأقول له إنه بحاجة إلى حماية أكثر من غيره».ويذكر جون بولتون فى كتابه «الغرفة التى شهدت الأحداث...مذكرات البيت الأبيض» أن العلاقات وصلت لمستوى متدن لدرجة أن ترامب قال إن «كل شيء يلامسه الرئيس الفرنسى يتحول إلى هراء».

ولاية ثانية بلا شهر عسل

إذن تريد أغلب أوروبا هزيمة ترامب، لكن هذا قد لا يحدث رغم كل التمنيات. فتقدم المرشح الديمقراطى جو بايدن على المستوى الوطنى لا يعنى أنه سيفوز. ما يهم هو التقدم فى الولايات المتأرجحة مثل أريزونا وفلوريدا وماين وميتشيجان ومينيسوتا ونبراسكا ونيفادا ونيو هامبشاير ونورث كارولينا وبنسلفانيا وويسكونسن. وبحسب كثيرين، فإن التأييد لترامب فى تلك الولايات كبير، واستطلاعات الرأى لا تعكس ذلك الدعم، تماما كما حدث 2016.

وأكثر ما تتخوف منه أوروبا أنه إذا فاز ترامب فى نوفمبر المقبل باستخدام خطاب الهوية وتأجيج الحرب الثقافية على غرار (البيض ضد السود) و(الأمريكى ضد المهاجر) و(القانون ضد الفوضى) فإنه سيعيد تغذية اليمين القومى فى أوروبا. كما ستتأجج الخلافات أكثر حول الصين وروسيا والشرق الأوسط والعلاقات التجارية، وحلف الناتو، والنظام الدولى. وفى حالة فوزه بأربع سنوات إضافية، فإن الشرخ فى العلاقات عبر الأطلنطى قد يصبح غير قابل للإصلاح.

فخلال الولاية الأولى لترامب كان هناك شهر عسل قصير جدا. لكن فى الولاية الثانية لن يكون هناك شهر عسل. فالأوراق كُشفت، والخلافات تأججت، والعلاقات الشخصية تعثرت، والمصالح افترقت فى العديد من الملفات.

صوت أمريكا الخشن

فعندما أتى مايك بومبيو الشهر الماضى لأوروبا ليعلن أن «القيادة الأمريكية للعالم» ما زالت حجر الزاوية، قُوبل بامتعاض أوروبى كبير. فوزير الخارجية فى أى نظام هو «الوجه الدبلوماسى الناعم» لسياسات بعضها خشن، إلا فى أمريكا، فبومبيو كما يراه الأوروبيون هو «وجه خشن لسياسات خشنة».

تمتع بومبيو منذ البداية بميزة أساسية كان يمكن أن تساعد فى التقريب بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، هذه الميزة هى ثقة رئيسه المباشر فى العمل، الرئيس ترامب. لكن بومبيو وبدلا من استخدام تلك الثقة لبناء علاقات أقوى مع الحلفاء الأوروبيين أخفق تماما. فطوال أربع سنوات لم يقدم بومبيو أى مبادرة لتطوير أو تحسين العلاقات عبر الأطلنطى.

وبالنسبة لأوروبا ليس من المطلوب أن يكون كل وزير خارجية مثل هنرى كيسنجر «منجم مبادرات»، لكن يمكن ويُفترض أن يكون لدى شاغل المنصب أفكار مستقلة. وهذا ما افترضته أوروبا فى البداية، ثم اكتشفت لاحقا أنه لن يحدث. فبومبيو «صوت» ترامب أكثر من أى شيء آخر. وبالتالى الدبلوماسية الأمريكية مالت للخشونة حتى مع الحلفاء الأوروبيين. وفى زيارات بومبيو المتعددة للعواصم الأوروبية لم يكن «الإقناع» هو الهدف وأنما «الضغط». فكل جولاته الدبلوماسية الأخيرة كانت من أجل الضغط على أوروبا لوقف التعاون مع شركة هواوى الصينية. وفى إسبانيا وألمانيا والسويد وفرنسا وإيطاليا وغيرها رُفضت مساعيه. حتى فى بلد مثل المجر بزعامة فيكتور أوربان المقرب شخصيا وأيديولوجيا من ترامب، رفض أوربان مطالب عدم التعاون مع هواوى. والأسبوع الماضى زار بومبيو التشيك والنمسا وسلوفينيا، ثم اختتم جولته بتوقيع اتفاقية عسكرية ثنائية بين أمريكا وبولندا، فى خطوة فُهمت فى برلين وباريس على أنها تعزيز لكتلة استراتيجية فى أوروبا تميل للمحور الأمريكى على حساب القيادة الألمانية والفرنسية لأوروبا.

وبالنسبة للأوروبيين فإن مشكلة بومبيو هى أنه لا يعارض ترامب أبدأ على عكس مسئولين آخرين فى الإدارة، بعضهم غادر، وأقلية ما زالت موجودة. ومع عدم وجود أصوات معارضة وناصحة له فى البيت الأبيض، فإن فترة ولاية ثانية ستجعل ترامب يشعر بحرية أكبر فى متابعة سياساته على المسرح الدولى. وبالتالى يشكل إعادة انتخابه تحديا كبيرا لأوروبا من ناحيتين: أولا أنه لا يؤمن بالتحالفات. وثانياً أنه لا يمكن التنبؤ بسياساته. الشئ الوحيد المؤكد هو أن «أمريكا أولا» سيكون شعاره الأساسى للولاية الثانية أيضا.

وتدرك أوروبا أن خياراتها فى تلك الحالة محدودة. فأمام القوة الروسية، والصعود الصيني، والهيمنة الأمريكية، يجب أن تصبح أوروبا قطبا رابعا فى السياسة العالمية، مع ما سيترتب على ذلك من تداعيات للقارة العجوز وللعالم، البعض يراها تداعيات إيجابية. فخلال السنوات الأربع الماضية انهارت صورة أمريكا فى أوروبا وتدهورت شعبيتها وسط الأوروبيين بشكل فادح بسبب سياسات ترامب، بالمقابل، وفى استطلاع أخير لمركز جالوب لقياس الرأى العام حول أكثر الدول شعبية، احتلت ألمانيا المركز الأول للعام الثالث على التوالى بفارق كبير عن أمريكا. هذا من نوع الأخبار الذى سوف يصفها ترامب بـ«أخبار كاذبة»، لكن الحقيقى أن النظام الدولى فى لحظة سيولة، ولا خيار لأوروبا سوى الاعتماد على نفسها لحماية مصالحها. فولاية ترامب الأولى كانت «مرحلة»، لكن الولاية الثانية ستكون «حقبة» تترتب عليها تداعيات أكثر خطورة للمشروع الأوروبى.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق