رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

شعاع الأمل

أنا فتاة فى العام الثانى والعشرين من عمرى، وقد ولدت وتربيت فى مدينة ساحلية، وجذور أهلى من الريف، ولكن عمل أبى جعله يستقر فى هذه المدينة التى عشنا فيها أجمل أيامنا، ولى أخ وأخت، ومرت الأيام، وأصيبت أمى بمرض مزمن وراثى حيث أصيب خالى به، وهو توأمها، وتحمّلها أبى، وعرضها على الكثير من الأطباء والمستشفيات، ولكنها لم تتعاف، وذات يوم سافرت إلى أهلها وكانت طبيعية، ولا تعانى سوى هذا المرض، وهناك قابلت خالى، واكتشفت أنه أصيب بمرض نفسى، ويأتى بتصرفات غير طبيعية، ولما عادت إلينا وجدناها تفعل نفس تصرفاته، وهكذا أصيبت بالمرض نفسه، وقالت إننا «مش عيالها»، ونحن فى حالة ذهول. 

 وهنا فاض الكيل بأبى ولم يتحمّلها كما كان من قبل، وأخرجها من المنزل، وعادت إلى أهلها، وبعد ذلك تزوج من ابنة خالته، وعشنا معها أنا وأختى وربتنا، وبمرور السنين حدثت مشكلات كثيرة بينها وبين أبى، وعرفت الغيرة منى طريقها إليها، وكرهتنى، وبصراحة لم أكن أحبها لأن أمى تعيش عند أهلها، وأبى لم يطلقها، وهى التى رفعت ضده دعوى خلع لكى تستفيد من معاش والدها. 

وانتقل أبى إلى الريف حيث يقيم الأهل، وظلت أختى معى لاستكمال الدراسة بالجامعة، وهى تصغرنى بعدة سنوات، وتحلم بالالتحاق بكلية الطب، ولكن أبى يرفض أن يصرف على دروسها فى الثانوية، وهو شديد القسوة علينا، وبخيل إلى أقصى الحدود. 

لقد تزوج أخى وأنجب بنتا، وهو مشغول مع أسرته. 

لقد تخرجت هذا العام، ولا أريد مغادرة المدينة التى تربيت فيها، وأرغب فى مساعدة أختى، ولا ننتقل إلى الريف للإقامة مع زوجة أبينا «الغيورة الحقودة». 

وأقول لك إن حالة أمى تحسنت كثيرا بعد أن انتظمت على العلاج، وهى التى ترعى جدتى، ولو أصر أبى على أن نترك المدينة لن نذهب إليه، وسوف نعيش مع أمنا، وسوف أعمل وأجهز نفسى للزواج.. إننا ندفع ثمن المشكلات التى وقعت بين أبى وأمى، وهو يكره أهلها، فبماذا تنصحنا؟ 

 

  • ولكاتبة هذه الرسالة أقول: 

 

إن إحساس الابن بنفسه يأتى من خلال معاملة الأب له، فإن أشعره أنه «ابن طيب»، وأحسسه بمحبته، فإنه سيكون عن نفسه فكرة أنه إنسان طيب مكرم، وأنه ذو شأن فى هذه الحياة، أما إذا كان قليل الصبر معه، ويشعره أنه «ابن غير طيب»، وينهال عليه دوما باللوم والتوبيخ، فإنه سينشأ على ذلك، ويكون فكرة سلبية عن نفسه، وينتهى الأمر إما بالكآبة والإحباط، أو بالتمرد والعصيان .

وإنى أسأل أباك: «ألا تدرك ذلك، وتعلم أن غلظتك سوف تنعكس على ابنتيك؟»،

إننى أرجو أن يعرف أبوك كيف يتجاوب برفق معكم، ولا أدرى ما هو موقفه من شقيقكما الذى لم تذكرى عنه أى شىء، ولم تشيرى إلى طبيعة علاقته بكما من قريب، ولا بعيد.

ولا يعنى ذلك أن يتساهل فى المعاملة، بل لابد من وجود ضوابط واضحة تحدد ما هو مقبول، وما هو غير مقبول، ولا يمكن للتربية أن تتم بدون حب، وينبغى على الأبوين أن يحرصا على حب أبنائهما.  

وكان رسول الله  صلى الله عليه وسلم يداعب الأطفال فيمسح رؤوسهم، فيشعرون بالعطف والحنان، فعن عبد الله بن جعفر رضى الله عنهما قال: مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على رأسى وقال: «اللهم اخلف جعفرا فى ولده»

وأقول لأبيك: إن أسوأ شيء هو المراقبة المتصلة التى تضايق الابن وتثقل عليه، فاترك لأبنائك شيئا من الحرية، واجتهد فى إقناعهم بأن هذه الحرية ستسلب إذا أساءوا استعمالها. 

إن الطفل يشعر بدافع قوى للمحاربة من أجل حريته، فهو يحارب من أجل أن يتركه الأب يستخدم القلم بالطريقة التى يهواها .. ويحارب من أجل ألا يستسلم لارتداء الجوارب بالأسلوب الصحيح .. والحقيقة الأساسية أن الابن يحتاج إلى أن تحبه وأن تحضنه لا أن تحاصره، ويحتاج إلى الرعاية الممزوجة بالثقة، ويحتاج إلى أن تعلمه كل جديد من دون أن تكرهه عليه.

انتبهوا أيها الآباء والأمهات إلى ضرورة التقليل من التوبيخ الأوتوماتيكى وغير الضرورى وإلى التقليل من الرقابة الصارمة على الأطفال، فالطفل ليس آلة نديرها حسبما نشاء.. إن له إبداعه الخاص فى إدارة أموره الخاصة، فلماذا نحرمه من لذة الإبداع؟

وكثيرا ما يواجه الطفل بالعديد من الأسئلة والأوامر: « لماذا تضحك هكذا؟ لماذا تمشى هكذا؟ .. انطق الكلمات نطقا سليما.. لا تلعب بشعرك.. اذهب ونظف أسنانك»  .

وكل ذلك قد ينعكس فى نفس الطفل فيولد حالة من عدم الاطمئنان، أو فقدان الثقة بالنفس.

وكثيرا ما ينال الطفل الأول الحظ الأوفر من الاهتمام الجشع والرقابة الصارمة من قبل الأبوين ثم ما يلبث الأبوان أن يشعرا بأنهما قد تعلما الكثير من طفلهم الأول، فيشعران أنهما بحاجة لإعطاء وليدهما الثانى بعض الحرية، فيتصرفان مع الطفل الثانى بمزيد من الثقة خلافا للطفل الأول، فالأطفال الذين لا يكلمهم آباؤهم إلا نادرا يشبون أقل ثقة بالنفس من الذين يعودهم آباؤهم على الكلام والحوار الهادئ . وعندما يصرخ الأب قائلا إنه يتعب كثيرا، ولا ينال شيئا مقابل تعبه وهو المظلوم فى هذه الحياة، فإن ذلك ينقلب فى ذهن طفله إلى أن الرجل هو ضحية المرأة، وأنه من الأفضل عدم الزواج، وعندما تصرخ الأم بأن الرجل هو الكائن الوحيد الذى يستمتع بالحياة، وهو الذى يستغل كل جهد للمرأة، فإن هذا الصراخ ينقلب فى وجدان الفتاة الصغيرة إلى كراهية الرجل وعدم تقديره، ولهذا تجدها تنفر من الزواج عندما تكبر . والابن الذى يرى أباه يحتقر أمه يعتبر ذلك «الاحتقار» هو أسلوب التعامل المجدى مع المرأة، والبنت التى ترى أمها كثيرة التعالى على الأب وتسيء معاملته يستقر فى ذهنها أن أساس التعامل مع الرجال التعالى عليه والإساءة إليه . ما أريد تأكيده أنه ينبغى أن تكون معاملة الوالدين ثابتة على مبادئ معينة، فلا تمدح اليوم ابنك على شيء زجرته بالأمس على فعله، ولا تزجره إن عمل شيئا مدحته بالأمس على فعله، ولا ترتكب أبدا ما تنهى طفلك عن إتيانه.  ومن هذا المنطلق أرجو أن يعى أبوك كل ما ذكرته، وأن يعيد النظر فى فلسفته معكم، وأما مسألة أن يتركك فى المدينة أنت وأختك الصغيرة وحدكما فهذا أمر شديد الخطورة عليكما، ولا أحبذه، وأرجوه أن يهتم بكما، وأن يمهد جسر التواصل مع والدتكما، كما أرجو من شقيقكما الأكبر أن يتدخل فى هذا الأمر لكى يجتمع شملكم، وتستقر أحوالكم، ويصبح بإمكان أختك أن تواصل مشوار الدراسة بنجاح، ويتحقق لكم ما تصبون إليه، فشعاع الأمل موجود، وبقليل من الصبر والحكمة تتحقق الأمانى. 

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق