رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

شبح الثورات الملونة يهدد بيلاروسيا

رسالة موسكو د. سامى عمارة
جانب من المظاهرات الحاشدة فى بيلاروسيا ضد نتائج الانتخابات الرئاسية

عادت غيوم «الثورات الملونة» لتخيم على سماء العاصمة مينسك وغيرها من المدن البيلاروسية، فى توقيت مواكب لتراجع الخلافات مع موسكو بعد ما وصفته روسيا بدسائس أوكرانية وغربية استهدفت الوقيعة بين البلدين من جانب، والتمهيد للإطاحة بالكسندر لوكاشينكو القابض على دفة السلطة هناك منذ 1994. وجاءت نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة التى فاز فيها لوكاشينكو بأغلبية ساحقة لتصب المزيد على نيران الخلافات مع المعارضة الداخلية المدعومة من الدوائر الغربية ما تدفقت معه الألوف من المتظاهرين إلى ميدان الاستقلال المواجه لمقر الحكومة البيلاروسية فى قلب العاصمة، على ذات النحو الذى جرت عليه الثورات الملونة فى العديد من جمهوريات الاتحاد السوفيتى السابق فى مطلع القرن الحالي.

 

ما أن أعلنت اللجنة المركزية للانتخابات فى بيلاروسيا عن النتائج الأولية للانتخابات والتى قالت بفوز لوكاشينكو بنسبة تزيد علي80% مقابل أقل من عشرة فى المائة لأقرب المنافسين سفيتلانا تيخانوفسكايا، حتى انفجر الشارع فى بيلاروسيا وتدفقت الألوف من المتظاهرين إلى شوارع العاصمة وكبريات المدن البيلاروسية إعلانا عن أولى مراحل «الثورة الملونة»، تحت شعارات تطالب بإعادة الانتخابات ورحيل لوكاشينكو. ولم تكن علاقات لوكاشينكو مع موسكو قد استعادت بعد سابق عهدها من الوفاق والوئام رغم مبادرة الرئيس فلاديمير بوتين بالاتصال الهاتفى ورسالته التى أوجزها فى خمس صفحات شرح فيها حسب تصريحات لوكاشينكو، جوانب الموقف الذى أدى إلى احتجاز 33 من مواطنيه بزعم الاعداد لزعزعة استقرار بيلاروسيا والاطاحة بلوكاشينكو. وفيما كانت موسكو تنتظر سرعة الافراج عن مواطنيها، اندلعت أولى بوادر ما هو أقرب إلى «الثورة الملونة»، على غرار ما شهدته أوكرانيا فى مطلع عام 2014. ومع هذه المشاهد تواصل تدفق التصريحات والتهديد والوعيد إلى لوكاشينكو من جانب الحكومات الغربية، وفى مقدمتها الفرنسية والألمانية والبولندية على وقع تحذيرات جورج بومبيو وزير الخارجية الأمريكية من مغبة عدم الاستجابة لمطالب إعادة الانتخابات والتخلى عن التمسك بالسلطة فى مينسك، مع تهديدات العقوبات الاقتصادية ووقف صادرات النفط الأمريكى التى كانت مقدمة للغزل بين البلدين، نكاية فى علاقات بيلاروسيا مع موسكو مع مطلع العام الحالي. وتحول المشهد صوب تبنى العنف جانب المتظاهرين وقوات الأمن التى قامت باعتقال الآلاف من المتظاهرين، وسط مشاهد دهس سيارات المتظاهرين لعدد من أفراد الأمن فى شوارع مينسك فى سابقة لم تشهدها «الثورات الملونة» من قبل. وكان لوكاشينكو جنح نحو التهدئة مع موسكو بعد قبوله بالإفراج عن المحتجزين الروس وإعادتهم إلى موسكو، فى توقيت مواكب للإفراج عن ألوف المعتقلين من المتظاهرين شريطة عدم العودة إلى صفوف المتظاهرين. غير أن «مشاهد» خروج «المُفْرَج» عنهم، وحكاياتهم حول تعذيبهم داخل «أقبية» النظام زادت من سخونة الموقف، رغم مبادرة لوكاشينكو بالاعتذار للمتظاهرين وتحميل وزير داخليته مسئولية خروجه عن التعليمات حول ضرورة التعامل السلمى وإعلانه عن ضرورة الافراج الفورى عن كل حبيسى سجون النظام. لكن الوقت بدا متأخرا، وكان تحول الإعلام الروسى الرسمى إلى إذاعة مشاهد العنف من جانب قوات الأمن فى بيلاروسيا وتجاوزاتها المفرطة فى حق وسلامة بسطاء المواطنين من غير المشاركين فى المظاهرات، مقدمة للمزيد من السخط والغضب من جانب الأوساط السياسية والاجتماعية داخل وخارج بيلاروسيا، والتى لم يحِدْ منها ما أعلنه لوكاشينكو من تعليمات لقوات الأمن بالكف عن أساليب العنف، وقراره بالإفراج عن المحتجزين. فلم تكن قوات الأمن لتلجأ إلى مثل هذا النحو من التعامل «الإجرامي» مع العزل من الشباب والنساء وكبار السن، الذى عرض بعض مشاهده برنامج «سولوفيوف لايف»، دون «ضوء أخضر» و«تعليمات صريحة» من جانب رأس النظام، على حد تعليق فلاديمير سولوفيوف المحسوب على الكرملين. ولعل ذلك ما كان سببا فى تحول عدد من المتظاهرين إلى مواجهة عنف الأمن بعمليات «دهس» سافرة لأفراده فى شوارع العاصمة راح ضحيتها تسعة من قوات الأمن المركزي. على أن سولوفيوف وإحقاقاً للحق، أذاع أيضا مشاهد المواجهة المسلحة بين قوات الأمن وفصائل من المتظاهرين، من ذوى الكفاءات والقدرات القتالية والخبرات المؤهلة لخوض مواجهات الشوارع، ممن بدا واضحا أنهم مكلفون من جانب «أطراف ثالثة»، بإدارة وتوجيه المظاهرات فى الاتجاه المنشود. وقد ساهم فى تصعيد الموقف وزيادة سخونته، توالى إعلانات الدوائر الغربية عن إدانتها لتصرفات السلطات الرسمية فى بيلاروسيا، ووقوفها إلى جانب مطالب المتظاهرين، ونداءات كل من بومبيو والرئيس الفرنسى ماكرون والمستشارة الألمانية ميركل حول ضرورة إعادة الانتخابات. وكانت موسكو توقفت لإعادة حساباتها تجاه الدعم السابق غير المشروط الذى طالما أغدقته على لوكاشينكو ونظامه، وسمحت لمعلقيها المحسوبين على الكرملين بكيل الانتقادات والادانة لأساليب لوكاشينكو فى مواجهة شعبه، واتهامه بخيانة المصالح الروسية، ومنها تراجعه عن الاعتراف باستقلال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية عن جورجيا فى اعقاب النزاع المسلح فى عام 2008، ورفضه للاعتراف بضم روسيا للقرم، وتأليبه للسلطة فى أوكرانيا وانتقاد عدم مواجهتها لخطوات روسيا بالقوة العسكرية. ولعل ذلك ما عجل من اتخاذ لوكاشينكو لقرار الإفراج عن المحتجزين الروس، ثم المبادرة بالاتصال تليفونيا ببوتين مؤخرا بحثا عن الدعم والنصيحة. أدرك رئيس بيلاروسيا مغبة اخطائه التى تراكمت خلال الأيام القليلة الماضية منذ أعلن عن محاولاته ممارسة لعبة «الكراسى الموسيقية» واللعب على أوتار الغزل مع الغرب والتمادى فى عدائه مع روسيا منذ اعتقل 32 من مواطنيها مع بيلاروسى آخر من العاملين فى مجموعة «فاجنر» الروسية المسلحة للحراسات الخاصة، ناقش الزعيمان آخر تطورات الأوضاع فى بيلاروسيا وما تواجهه من صعوبات نتيجة استمرار المظاهرات بما يهدد بثورة ملونة جديدة يعلم الرئيسان أبعادها، وما تهدف إليه من خطط بعيدة المدى ليست روسيا بمنأى عن أخطارها. تطرق لوكاشينكو إلى إفراج سلطات بلاده عن المحتجزين الروس، ولعله اعترف أيضا بما سبق ووقع فيه من أخطاء فى سياق اتصالاته مع أوكرانيا وأجهزتها المخابراتية. وأشار الكرملين فى بيانه بهذا الصدد إلى أن الرئيسين خلصا إلى «قناعتهما بأن جميع المشاكل القائمة فى بيلاروسيا ستتم تسويتها قريبا، والأمر الأهم هو منع استغلال هذه المشاكل من قبل قوى تخريبية تسعى إلى الإضرار بالتعاون متبادل المنفعة بين الدولتين ضمن إطار مشروع دولة الاتحاد». واتفق الجانبان على «مواصلة الاتصالات على مختلف المستويات بين دولتيهما، مؤكدين عزمهما على تعزيز علاقات التحالف بين موسكو ومينسك «بما يخدم المصالح الأصلية للشعبين الشقيقين». ومن هذا المنظور أعلن لوكاشينكو عن رفضه لكل المبادرات التى تقدمت بها ليتوانيا المجاورة والتى هربت إليها منافسته تيخانوفسكايا، ومعها استونيا ولاتفيا وبولندا. وكان رئيس بيلاروسيا عقد اجتماعا لمركز الإدارة الاستراتيجية فى وزارة الدفاع البيلاروسية، حسب وكالة «بيلتا» الرسمية قال فيه «لدينا حكومة طبيعية تم تشكيلها بموجب الدستور، ولسنا فى حاجة إلى أى حكومات أجنبية وأى وسطاء». ومضى لوكاشينكو ليقول: «إن بيلاروسيا لا تحتاج إلى أى حكومة أخرى للسيطرة على الوضع وإدارة البلاد»، وأضاف: «بودى القول دون إهانة قيادة هذه الدول: «اهتموا بالمشاكل الخاصة بكم».

ومن اللافت أن الساحة السياسية فى بيلاروسيا تخلو عمليا من القيادات المدعوة إلى إدارة الحوار مع الداخل والخارج، فى إطار أجندة سياسية يمكن أن تكون بمثابة خريطة الطريق لإدارة الأزمة والتحول نحو المفاوضات مع الرئيس الحالي. ويشير المراقبون إلى عدم كفاءة سفيتلانا تيخافينسكايا المرشحة الرئاسية المعارضة التى تقول دوائر المعارضة انها فازت بقرابة 70-75% من أصوات الناخبين، بينما تقول النتائج الرسمية التى أعلنتها اللجنة المركزية للانتخابات أنها لم تفز بأكثر من 10% من الأصوات. وكانت تيخافينسكايا اعترفت بهزيمتها ودعت أنصارها إلى عدم الخروج إلى الشارع والالتزام بأكبر قدر من الهدوء، قبل هربها إلى ليتوانيا المجاورة، لتعلن من هناك عن «ضرورة إعادة الانتخابات فى بيلاروسيا». وعادت من موقعها فى ليتوانيا المجاورة لتعلن عن رفضها الاعتراف بهزيمتها وبدء مشاوراتها لتشكيل مجلس تنسيقى لضمان انتقال السلطة فى البلاد، على حد تعبيرها. كما أكدت تيخانوفسكايا «استعدادها للحوار مع السلطة، شريطة الإفراج عن المحتجزين أثناء الاحتجاجات وإخلاء شوارع المدن من القوات الأمنية وفتح ملفات قضائية بحق المسئولين عن إصدار «الأوامر الإجرامية بضرب الناس وإطلاق الرصاص عليهم»، فى نفس الوقت الذى ناشدت فيه المجتمع الدولى والبلدان الأوروبية بطلب مساعدتها وأنصارها فى تنظيم الحوار السلطات البيلاروسية. لكن الشارع البيلاروسى فى معظمه مضى إلى ما هو أبعد بتبنى شعار المطالبة برحيل لوكاشينكو. وكانت الدوائر الغربية تبنت هذه المطالب، عقب تلقى ألكسندر لوكاشينكو تهنئة عدد من كبار حلفاء بلاده، وفى مقدمتهم الصين وقازخستان، وروسيا، وإن اكتفى رئيسها بوتين ببعض الكلمات النمطية التى تركز أكثر على تمنياته بالمزيد من التطور للعلاقات الثنائية فى كل المجالات، والتركيز على دعم علاقات بيلاروسيا مع التنظيمات الأوروآسيوية ومعاهدة الأمن الجماعى التى تربط بلدانها مع روسيا وعدد من بلدان الاتحاد السوفيتى السابق. وفيما يخشى الغرب تصعيد ضغوطه على لوكاشينكو وتهديده بالعقوبات الاقتصادية، خشية المزيد من ارتماء بيلاروسيا فى أحضان «الشقيقة الكبرى روسيا»، تعرب روسيا عن مخاوفها من ضياع بيلاروسيا، على نفس النحو الذى فقدت معه أوكرانيا بعد الإطاحة برئيسها فيكتور يانوكوفيتش فى فبراير 2014، وهو ما قد يكون ضمن أساس الاستجابة السريعة لمبادرة المصالحة التى طرحها رئيس بيلاروسيا، فضلا عما يساورها من قلق تجاه احتمالات «اختطاف الثورة»، على غرار ما جرى فى أوكرانيا، وامتداد نيران اللهب التى يمكن أن تطال أطراف الثوب الروسي. ولعل ذلك تحديدا ما يدفع روسيا إلى التركيز على دعمها الإعلامى للوكاشينكو، وإن تعالت أصوات على استحياء تقول بضرورة البحث عن البديل الذى يتفق مع مصالح موسكو، رغم تراجع رئيس بيلاروسيا عن الكثير من «ثوابت تنويع السياسات والتوجهات» وعدم الارتماء فى أحضان دولة بعينها، رغم أن هذه الدولة هى روسيا التى يرتبط بها منذ تسعينيات القرن الماضى بمعاهدات الدولة الاتحادية.

إزاء كل ذلك يتوقف المراقبون عند اعتراف لوكاشينكو بمخاوفه مما يجرى فى بولندا وليتوانيا المجاورتين لبلاده من مناورات عسكرية، ومناقشة طلب العون العسكرى من روسيا فى حال تعرض بلاده لأية أخطار تهدد النظام، من منظور ما تنص عليه الاتفاقيات الموقعة مع روسيا فى إطار «الدولة الاتحادية»، ومعاهدة الأمن الجماعى التى وقعتها روسيا وبيلاروسيا مع عدد من بلدان الكومنولث. لكن الأهم الذى صار أوضح كثيرا عن ذى قبل قد يتمثل في «تراجع» لوكاشينكو عن سوابق اللعب على كل الحبال، تحت ستار نهج «تعدد العلاقات» دون الارتباط بشرق أو غرب، كما يقال، ما قد يعنى ضمنا أن مستقبل لوكاشينكو ينحو صوب الغروب. وذلك يحمل بين طياته أيضا فى حال رحيله، الكثير من الخطر الذى يتهدد روسيا نفسها من منظور «مخطط الثورات الملونة» التى طالما هددت الاتحاد السوفيتى السابق، وإن تباينت الأسماء منذ اندلاع حركة التضامن فى بولندا فى مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وحتى «الثورات الملونة» فى جورجيا وأوكرانيا، مرورا بـ«بيريسترويكا وجلاسنوست» جورباتشوف، ونهاية الاتحاد السوفيتي، وما تلا ذلك من حركات انفصالية فى الشيشان والقوقاز.   

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق