رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

دائرة النسيان

أكتب إليك، وأنا أبكى بكاء المغلوب والمقهور، فالفقر حليف المرض، والمرض حليف الموت، وقد ضاقت بى الدنيا وغشينى الهم والحزن والفزع بعد أن دفعتنى موجة الفقر إلى مصير مجهول، فبرغم تعليمى العالى ودراساتى العلمية الكثيرة، فإن الحياة بلا مال كالزرع بلا ماء، والشدائد تظهر المعادن، وتقيّم النفوس، وتبين الرحيم من القاسى، والوفى من المخادع، فأنا رجل أعزب عمرى ثلاثة وخمسون عاما، وأعيش بمدينة الإسكندرية، وقد تخرجت فى كليتى، ثم تفرغت لأبحاث علمية أسفرت عن العديد من الاكتشافات الجديدة، ولم أتوقع ما يضمره لى المستقبل من نائبة كبيرة تضعنى فى دائرة الموت. 

لقد توفى أبى وأمى منذ أحد عشر عاما، واستحقت أختى المعاش، وكانت لى تجارة خاصة جمعت منها مبلغا، وتفرغت للأبحاث العلمية التى بدأت رحلتها منذ ما يزيد على خمسة وعشرين عاما، ومع متطلبات الحياة نضب المال الذى معى بعد وفاة أبى وأمى بخمس سنوات، وتكفلت أختى بمساعدتى فى الإطعام فقط كوجبة واحدة فى اليوم، ولكن الحياة ليست طعاما، ومنذ ذلك الحين، وأنا فى صراع مع الفقر، وكنت أضطر أحيانا للذهاب إلى مشاوير بعيدة جدا عن منطقة محرم بك التى أعيش فيها، فأذهب وأعود سيرا على الأقدام، برغم أنها قادرة على مساعدتى بموجب معاشها وما تدخره من أموال والذهب الكثير. 

ولى شقيقان بالقاهرة أحدهما صاحب شركة يعيش فى فيلا، والآخر لديه شقة بالقاهرة وأخرى بالإسكندرية، والاثنان ميسورا الحال، وبرغم علمهما أننى لا أمتلك مليما واحدا، والثلاثة قلوبهم أشد قسوة من الحجر، قلوب بلا روح ولا حياة، وظللت أتحمّل المعاناة حتى فاجأنى المرض فى شهر رمضان هذا العام، وأمام توسلاتى لأختى وافقت على أن تدعمنى بمبلغ لإجراء التحاليل اللازمة لى بعدما وجدت حالتى تسوء يوما بعد يوم والأعراض تنبئ بمرض كبير، ولم أتمكن من استكمال التحاليل بعد أن توقفت أختى عن دفع تكاليفها، ولا أستطيع زيارة طبيب متخصص فى حالتى لعدم وجود ثمن الكشف، ولا دواء ولا غذاء ولا أخ يعرف كلمة فى قاموس «الإنسانية».. إنهم مرضى «اللامبالاة»، وقد اختاروا التضحية بنفس أخيهم حتى لا يضحوا بالقدر اليسير من المال،  وقد انقلبت لديهم الموزاين، يخرجون الزكاة والصدقات للجميع إلا شقيقهم وضعوه فى ديوان النسيان، ولا يريدون أن يتحركوا إلا عندما يشيعون جثمانى إلى مثواه الأخير، وإنى أكتب إليك صرختى راجيا أن تفتح لى بابا يعيد لى الحياة بمعونة مادية عاجلة. 

 

  • ولكاتب هذه الرسالة أقول: 

 

فى الحقيقة لم أجد سببا مقنعا لعدم عملك، واعتمادك على والديك ثم أختك فى تدبير شئون حياتك، فلقد تخرجت فى الجامعة، وتفرغت للأبحاث العلمية دون أن يكون لك عمل يدر عليك دخلا يوفر متطلباتك المعيشية، وتكون لك أسرة وأبناء، ثم أى جهة تلك التى تجرى لها أبحاثا بلا عائد مادى، فالباحثون بجميع مراكز البحوث يتقاضون أجورا عن أبحاثهم، ويحتلون مواقع مهمة.   

والعمل فوق ذلك عبادة، حيث قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «لأن يأخذ أحدكم أحبله ثم يأتى الجبل، فيأتى بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها، فيكف الله بها وجهه، خير له من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه»، وقد ذم من يقدرون على العمل ويتكاسلون فى أدائه، ويمدون أيديهم للناس سائلين الصدقات والهبات وذكر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأن هؤلاء سيظهرون يوم القيامة بشكل مهين. 

إننى لم أجد فى رسالتك ما يشير إلى عجز تعانيه، وأحسب أن أشقاءك اتخذوا هذا الموقف منك، وهم على حق فيه، لما رأوه من لا مبالاتك، وعدم تقديرك الصحيح للأمور. 

وعلى كل حال، فإن الأمر مازال بيديك، وأرجو أن ترسل ببياناتك الكاملة، ومجالات العمل التى يمكن أن تعمل بها، عسى أن يمد أهل الخير يد العون لك، وأما عن التحاليل والعلاج اللازم، فليدبر الله أمرا كان مفعولا، وأرجو أن يستوعب الجميع الدرس، وأن يعملوا حساب الزمن، فلا يركنوا إلى الكسل والتواكل. 

كما أرجو أن يمد أخوتك جسور التواصل معك، وأن تبلغهم بخطئك الذى لم تنتبه إليه إلا بعد انصرافهم من حولك، لعلهم يبدأون صفحة جديدة معك.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق