رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«أخى الكبير» ..للعنصرية أوجه أخرى

ماذا يحدث عندما تجد نفسك مزروعا فى بلد ومجتمع آخر، ومهما تفعل لمحاولة الاندماج به والنجاة فيه لن تنجح، ولن يتم قبولك أبدا حتى لو حصلت على الجنسية. وكيف يمكن أن يدفع هذا الشعور المجتمعى بالرفض والتمييز، ضحاياه إلى مسارات خطيرة تتشابك مع مفارخ ومصانع الإرهاب أو حتى تدفعهم لممارسة التمييز ضد بعضهم البعض ليتحول الضحايا إلى جلادين.. كل تلك التساؤلات يحاول ماهر جوفن، الروائى الفرنسى من أصول كردية وسورية الإجابة عنها فى روايته «أخى الكبير».

جوفن هو أحد الأصوات الأدبية الشابة الصاعدة بقوة فى فرنسا. حازت روايته «أخى الكبير» جائزة «جونكور» للعمل الأول عام 2018 ، وأخيرا ترجمها للعربية صابر رمضان وصدرت عن دار العربى للنشر. تحكى الرواية قصة عائلة فرنسية من أصل كردى سورى تفشل فى الاندماج بالمجتمع. فالأب، رغم حصوله على الدكتوراه ، يصبح سائق سيارة تاكسي.  هو شيوعى متعصب، تموت زوجته تاركة له ولدين يواجه صعوبات خلال تنشئتهما، لا نعرف أسماءهما إلا بنهاية الرواية. الأكبر يدعى آزاد، يعانى الفصام بسبب إدمان تدخين الحشيش ويعمل سائق بشركة «أوبر» مما يضعه فى منافسة وخلاف دائم مع والده. كما يعمل كمخبر للشرطة من حين لآخر لتجنب الاعتقال والمضايقات، و الأخ الأصغر يدعى حكيم يعمل ممرضا بأحد مستشفيات باريس.

يتبادل الأخان دور الراوى ليحكى كل منهما قصته من وجهة نظره، ولكن الأخ الأكبر هو المسيطر على زمام السرد. تأخذنا روايتهما، مدفوعة بروح دعابة ساخرة ومؤلمة، إلى الشوارع الداخلية لحياة المهاجرين من الطبقة العاملة بفرنسا ، وإلى ساحات القتال والمستشفيات فى سوريا. آزاد يتجول بنا فى الحى المقيم فيه بإحدى الضواحى خارج باريس، ومن خلال تجاربه مع عملائه يكشف مدى انقسام الأحياء بفرنسا حسب الأصول والأعراق ليوضح العنصرية المتجذرة بالمجتمع، كما يقول «من المحزن أن يتم التعامل معنا على أننا زبالة فرنسا»، وهو ما يؤكده الأخ الأصغر بقوله «فى فرنسا نعامل على أننا حثالة المجتمع».

أما حكيم فتحركه كلمات أغنية تأثر بها «لا وقت للندم ، فالأخطاء نابعة منا وليس من شىء آخر، ونحن وجدنا فى الحياة لنترك أثرا»، اعتبرها انقذت حياته، فيقرر الانضمام لمنظمة غير حكومية والسفر إلى سوريا فجأة، لتتصاعد التكهنات حول سبب سفره هل ذهب لإنقاذ الأرواح أم للقتال؟، يختفى هناك لفترة ثم يعود فجأة لفرنسا. وعند عودته، يشتبه آزاد فى أن أخاه قد أصبح متطرفا. فيبدأ صراع الولاءات ونظرية المؤامرة بدفع أحداث الرواية ومحاولات الأخ الأكبر لإنقاذ الأخ الأصغر من الشرطة ومساعدته على الهرب للبرتغال. خلال ذلك يطرح جوفن تساؤلات حول الجهاد وعلاقته بالإرهاب، وتأثير الشعور البائس بالوحدة، والتمييز وضياع الحقوق.

تقع أحداث الرواية بعد حادث مهاجمة جريدة «تشارلى إبدو»، وتزامنا مع هجمات 13 نوفمبر فى مسرح «باتاكلان» ، حيث يتم استدعاء المهاجرين العرب لاستجوابهم، وخلال ذلك يحلل جوفن الطرق التى يمر بها أبطال الرواية بطريقهم عبر الضغوط الثقافية للإسلاموفوبيا والعنصرية. القضية الرئيسية هنا هى البحث عن الهوية والتباسها، كلا الأخوين يكافحن مع الهوية فى فرنسا وسوريا، رغم انتمائهما إلى كلا البلدين والثقافتين ، لا يشعران أنهم فى وطنهما، يقول الأخ الأكبر: «نحن لسنا فرنسيين حقيقيين، ولا سوريين حقيقيين، ولا سكانا أصليين حقيقيين، ولا مهاجرين حقيقيين، ولا مسيحيين ولا مسلمين... لسنا إلا خليطا دخيلا على هذا العالم». معاناة الشخصيات العربية من العنصرية والتمييز دفعتهم أيضا لممارسة التمييز تجاه بعضهم البعض، فأصبح هناك وصف «العربى القذر» يطلق على كل من ليس عربيا أصيلا. كما يقول الأخ الأكبر «يرى أبى أن العرب الحقيقيين هم المنحدرون من الشرق الأوسط، أما البقية فماهم إلا صورة منهم».

تكتمل معاناة تشظى الهوية والتباسها فى نهاية الرواية، وينجح جوفن فى الحفاظ على عنصر التشويق للنهاية عندما يشعر القارىء بأن كل ما سبق ربما يكون من خيال شاب يعانى الفصام لا يستطيع التمييز بين الواقع والخيال.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق