رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«تشوميسكى».. تساؤلات الضمير المرعب

د. محمد حسين أبو العلا

دائما ما تطرح الأدبيات التاريخية والسياسية فكرة أن الحضارة قد نمت مائة مرة أكثر من قدرة الإنسان على إنتاجها، لكن سوء إداراتها جعل الناس فى هذه الحضارة يعيشون فى حال أسوأ، وكذلك فكرة أن الحضارات لا تموت قتلا لكنها تموت انتحارا بانهيار منظومة قيمها. من ثم ربما يظل عالمنا المعاصر ولأمد غير قصير ــ مسكونا بالحيرة والدهشة والذهول من جرائر ذلك الوباء الكونى الذى حتم على البشرية أن تقف طويلا لإحداث مراجعات شتى تمتد إلى السياسى والاستراتيجى والاقتصادى والاجتماعى والعلمى والثقافى والعقائدى ... مراجعات تكون ذات مصداقية عليا ولاتعود بنا نحو المسار الهمجى الذى أنتج ضمن ما أنتج ذلك الفيروس القاتل وإنما تنطلق نحو جولة أخرى من الحضارة تحقيقا لآلية التواصل الزمنى باعتبارها فريضة تاريخية. .

.........................

وليست الغرابة فى ظهور فيروس بتلك الطبيعة وإنما تأتى الغرابة بحق من إمكانية لجوء الجماعات الإرهابية إلى نشر فيروسات مستقبلا، بل إن بعض هذه الجماعات قد بدأت تجرب مدى قدرتها على شن هجمات بيولوجية تتحول إلى جائحة إبادة، ومن هنا تزداد فاعلية الدمار لدى هذه الجماعات ويصبح الكوكب أسير إرادتها. وتلك بعض من ايحاءات خواطر الضمير المرعب للمفكر الأمريكى «نعوم تشوميسكى» الذى ظل طيلة عقود طوال من أولئك الذين صدروا صيحات الغضب والمعارضة والتنديد والاحتجاج والتمرد والمخالفة للسياسات الأمريكية بصفة خاصة وللتوجهات العالمية عامة. وها هو يعايش اللحظة ويطلق مجددا آراءه محذرا من ذلك السباق المحموم للعالم نحو الكارثة وعمق الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية التى تسبب بها ذلك الوباء الكونى مرجعا ذلك إلى فشل النيوليبرالية التى شهدت تباطؤا خطيرا فى اتخاذ إجراءات العزل الاجتماعى لصالح الأثرياء ليس غير، حتى أن وفيات الفيروس فى أمريكا قد تجاوزت ضحايا حروبها، معتبرا ذلك خيانة كبرى من قبل الأنظمة السياسية تجاه شعوبها وتجاه الإنسانية أيضا، من ثم لابد من تفتيت عقلية اقتصاد السوق وسحقها، لكنه يقف عند المخاطر الوجودية الثابتة والمحدقة بالبشرية والتى يتصدرها تلك التهديدات النووية التى بلغت ذروتها فضلا عن ظاهرة الاحتباس الحرارى التى تخلخل النظام البيئى وتدفع به نحو كارثيات غير محتملة.

والمتأمل يجد أن كل هذه الآراء إنما تمثل ثوابت معاصرة حصدت البشرية آثارها الوخيمة وستظل تتوعك فيها إلى أن تبلغ مراتب الرشادة الحضارية التى يكون الإنسان فيها هو الوسيلة والغاية، بمعنى آخر ضرورة التوجه نحو حضارة انسانية وليست حضارة أشياء، من ثم فتصويب مسار المعادلة الكونية هو حجر الزاوية وهو البداية المتوازنة نحو حتمية التعايش إن لم يكن من منطلق الأخوة فمن أجل مخاوف المصير المشترك الذى يجب أن يحتشد له سكان الكوكب الأرضى على اختلاف دوائرهم الحضارية لأن انتشار الفيروس القاتل لم يعصم أحدا من أشباح الخوف والهلع. وعلى ذلك تتجلى العديد من التساؤلات على غرار: هل تصبح الحروب البيولوجية هى ركيزة حروب المستقبل؟ وهل تحد هذه الحروب من سباق التسلح النووي؟ وماذا لو امتلكت الجماعات الإرهابية آلية تخليق الفيروسات؟ وهل تمثل الرؤية الداعشية تجاه الوباء منطقا أحاديا ابتزازيا إذ تعتبره نوعا من العقوبة الإلهية وفى ذات الآن لم تردعها عن تكثيف نشاطاتها الإرهابية؟ وهل يمكن أن تختفى البربرية الرأسمالية باعتبارها آفة معاصرة تحمل فى ثناياها العديد من الأبعاد السلبية؟ وإلى أى مدى يمكن أن تستمر الانكماشات الاقتصادية للقوى المتصارعة دوليا؟ وماهى درجة احتمال هذا الانكماش؟ وهل يمكن أن تدفعنا سيادة عولمة الأوبئة للعودة إلى فكرة مديح الحدود تلك التى دعا إليها «ريجيس دوبريه»؟

إلى غير ذلك من التساؤلات المحورية والفرعية التى هى بالضرورة يجب أن تدفع نحو رسم خيوط استراتيجية تغييرية بعد فاجعة «كوفيد 19» تنطوى فى جوهرها على عقد انسانى جديد تتبدل فى اطاره مفاهيم ورؤى وأفكار ونظريات تتفاعل مع التغيرات اللحظية التى يفرضها الظرف المستقبلي.

إن «تشوميسكي» باعتباره أحد أهم رموز الفكر الإنسانى المعاصر قد خاض جولات عاصفة فى اتجاه تغيير مسار السياسة العالمية حين ارتطمت أفكاره مع تيارات وأنظمة وأوضاع وأشخاص أملا فى إعلاء قيم التعاون والترابط والتسامح والتعاطف الكونى وإقامة الوحدة العضوية للمجتمع الإنسانى وإحياء روح الأخوة وسحق شوائب العنصرية الحضارية، نعم لم يكن له إلا أن يظل ضمير عصره حتى لو كان شيخا يطوله الفناء لكن حقا ضميره لم يذو ولم يشخ.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق