رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

فى بريطانيا.. قصص إنسانية تبدد عتمة كورونا

منال لطفى

بالطباشير الملون رسمت إيمي، ابنة الجيران، على الرصيف أمام منزل أسرتها «لعبة الأولي» أو «المربعات» التى تتكون عادة من 8 أو 10 مربعات. تخرج إيمى مع شقيقتها الأصغر خلال النهار للقفز بقدم واحدة وبرشاقة لا متناهية داخل المربعات بحيث لا تلامس قدمها أبدا خطوط المربعات. إنها لعبة «عادت من بين الأموات» مع كورونا. فخلال الحظر العام، وإغلاق الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية، والحبس فى المنزل لنحو تسعين يوما على التوالي، ظهرت اللعبة فجأة فى كل شوارع منطقة كينجستون جنوب لندن. كما انتعشت أيضا وبشكل مفاجئ لعبة «الطائرات الورقية» فى الحدائق الصغيرة فى المنطقة، وكلها سبل للتكيف مع «حبس كورونا».

تخرج إيمى للعب يوميا، وفى كل مرة تخرج تحضر معها صندوقين من البلاستيك تضعهما أمام منزلها: الأول صندوق ملىء بكتب الأطفال. والثانى ملىء بالألعاب وفيديوهات أفلام الأطفال الشهيرة. وفوق الصندوقين ورقة مكتوب عليها «تفضل خذ ما تريد». فقد قررت إيمي، 10 سنوات، التبرع ببعض الكتب والألعاب والفيديوهات لغيرها من أطفال الحى الذين يشعرون بملل ثقيل، وقد يخفف مللهم أو شعورهم بالوحدة كتاب، أو فيلم، أو لعبة لم تكن لديهم. إنها قصة جميلة، لكنها ليست الوحيدة. فوسط الصمت غير المعتاد للشوارع، ستجد قصصا إنسانية جميلة مماثلة لأشخاص يريدون إضافة ألوان مبهجة على مشهد بات مرسوما فى الآونة الأخيرة بالأبيض والأسود فقط.


لاعب الكرة و«كوبونات الغذاء»

منذ تفشى فيروس كورونا فى بريطانيا انفقت الحكومة مليارات الجنيهات لمساعدة القطاعات الاقتصادية المختلفة. لكن مع بدء الفتح الجزئى للاقتصاد فى 15 يونيو الماضى لا تريد وزارة الخزانة إنفاق «مليم» واحد إضافي، فهى بالفعل تواجه أسوأ انكماش اقتصادى منذ عقود. وبالتالى عندما بدأ ماركوس راشفورد، مهاجم فريق مانشستر يونايتد لكرة القدم ، حملة من أجل استمرار الحكومة فى إعطاء أطفال المدارس الأكثر فقرا فى انجلترا «كوبونات الغذاء المجاني» خلال إجازة الصيف، لم تبد الحكومة تحمسا للفكرة.

وأعلن رئيس الوزراء بوريس جونسون وعدد من وزرائه البارزين، أن الحكومة خصصت 63 مليون جنيه استرلينى لدعم العائلات الأكثر فقرا، من خلال برنامج جديد لمساعدة السلطات المحلية، وبالتالى لا داعى لتمديد برنامج كوبونات الطعام المجانية لأطفال المدارس الأكثر فقرا خلال الإجازة الصيفية، وهو البرنامج الذى يستفيد منه 1.3 مليون تلميذ فى إنجلترا.

وشددت الحكومة على أنه «لا نكوص عن القرار» تحت أى ضغط. لكن راشفورد، البالغ من العمر 22 عاما، والذى تربى على «كوبونات الطعام المجانية» من المدرسة خلال طفولته، لم ينه حملته، بل عززها مستفيدا من وسائل التواصل الاجتماعى ومن ملايين المتابعين له على «تويتر» و«فيسبوك»، وعمله مع عدد من الجمعيات الخيرية التى تتصدى لفقر الأطفال فى انجلترا، خاصة مانشستر، حيث نشأ راشفورد مع إخوته لأم تعول الأسرة وحدها بعد انفصالها عن الأب. ومع استمرار الحكومة فى تجاهل المطلب، لم يجد راشفورد غير الكتابة لنواب البرلمان لدعوتهم إلى دعم حملته «إجازة صيف بلا جوع». وفى رسالة طويلة وشخصية حكى لاعب الكرة الشاب لنواب البرلمان تجربته الشخصية مع الفقر، وكيف أن «كوبونات الطعام المجانية» حمته هو وأسرته من الجوع، حيث كان من الصعب على والدته كعائل وحيد للأسرة أن تكسب ما يكفى من المال لدفع كل مصاريف الأسرة. وفى مقدمة خطابه كتب راشفورد للنواب: «لا أدعى أن لدى تعليم نائب فى البرلمان، لكن لدى تعليم اجتماعي»، مشيرا لخبرته الحياتية عن الفقر وهى خبرة مؤلمة حفزته بسبب كورونا لإطلاق حملة خيرية لجمع مساعدات لإطعام نحو 400 ألف طفل تأثرت أسرهم بالفيروس. وخلال فترة قصيرة كانت مبادرته قد جمعت نحو 20 مليون جنيه استرليني، خُصصت لتوزيع آلاف الوجبات المجانية كل يوم للأطفال الفقراء. ومع نشر الخطاب بدأ غالبية نواب البرلمان، حتى من حزب المحافظين الحاكم، الإعراب عن دعمهم لمد منح كوبونات الطعام المجانية للأطفال الأكثر فقرا خلال إجازة الصيف. وتساءل كثير من النواب عن جدوى عناد الحكومة فى هذه القضية الحساسة. فتكلفة الكوبونات خلال إجازة الصيف فى حدود 120 مليون جنيه استرليني، وهذا مبلغ يعد «نقطة فى بحر» مقارنة بما أنفقته الحكومة حتى الآن. وتساءل معلقون فى الصحافة كيف يمكن للاعب كرة فى مطلع العشرينيات من العمر ولم يدخل جامعة أن يكون لديه إحساس بالأولويات الاجتماعية أفضل من رئيس وزراء فى منتصف الخمسينيات من العمر، وخريج «إيتون» و«أكسفورد»؟. وفى النهاية، رضخ جونسون وحكومته وأعلن تمديد برنامج الكوبونات المجانية للتلاميذ، لكنه رضخ بعدما تمرمغت سمعة حكومته فى التراب، وسط تساؤلات من الصحافة البريطانية والمعلقين السياسيين حول نوع الحكومة التى ترضى أن ينام أطفالها جوعى لتوفير 120 مليون جنيه استرليني، وعناوين على غرار: «انتصار راشفورد الرائع»، و«راشفورد رئيسا للوزراء»، و«راشفورد 1 - جونسون صفر».

 


حلقات تعليمية

مع بدء الإغلاق أقفلت المدارس أبوابها وتوقف تصوير الأفلام والمسلسلات ، وشركات انتاج الموسيقى ألغت الإصدرات الجديدة، والمتاحف موصودة وهذا يعنى أن هناك مئات الرياضيين والموسيقيين والعلماء جالسيون فى منازلهم بلا عمل. فكيف نستفيد منهم؟ هذا سؤال طرحته «بى بى سي» وأجابت عنه كالتالي: بتوظيفهم لأداء مهام مطلوبة فى زمن الحظر العام بسبب كورونا. وعلى محطة «بى بى سي» سجل عالم الطبيعة البريطانى الكبير السير ديفيد اتنبره دروس جغرافيا للتلاميذ تشمل خريطة الكرة الأرضية والمحيطات، ودروس طبيعة تشمل تشريح الحيوانات. مجرد ظهور السير ديفيد اتنبره فى مشروع تعليم الأطفال أعطى المشروع كل الدعاية التى يحتاجها. فالعالم الكبير «ملك بريطانيا غير المتوج»، وهو أكثر شخصية محبوبة فى البلاد ولا يقترب أحد من شعبيته ولا حتى الملكة اليزابيث نفسها.

فيما سجل عالم الفيزياء البروفيسور برايان كوكس دروسا عن النظام الشمسى والكرة الأرضية والجاذبية. ويتمتع الفيزيائى الشهير بقدرة لا تصدق على شرح تفاصيل عجائب الكون، من المجرات المجاورة إلى الثقوب السوداء وغيرها من الظواهر المذهلة، بطريقة سلسة وغنية بالمعلومات ومحفزة.

بينما سجل لاعب كرة القدم الأرجنتينى سيرجيو أجويرو الذى يلعب لنادى «مانشستر سيتي» الإنجليزى دروسا لكيفية العد باللغة الاسبانية. وأوضح أجويرو على «تويتر» سبب مشاركته فى مبادرة «بى بى سي» لتعليم الأطفال فى المنازل موضحا:«أنه وقت عصيب للأطفال فى الوقت الحالي، وكذلك للآباء الذين يحاولون جعل أطفالهم يركزون على تعليمهم من المنزل....يشرفنى أن أتمكن من لعب دور».

أما وزير الخزانة السابق فى وزارة الظل العمالية إد بولز، فقد أعطى دروس رياضيات مستفيدا من جذوره وخبرته الاقتصادية الكبيرة. وتستهدف الدروس التلاميذ فى الشرائح العمرية من سن 5 أعوام إلى 14 عاما، وهى مقسمة إلى 6 برامج فى اليوم، مدة كل برنامج 20 دقيقة لمدة 14 أسبوعا. وتم بث هذه الدروس للتلاميذ عبر منصات متعددة لـ«بى بى سي» من بينها خدمة الأونلاين والتليفزيون. فكل مساء مثلا كانت قناة «بى بى سى 4» تذاع مجموعة من الدروس المخصصة لطلاب الثانوية أو (GCSE) وتشمل الكيمياء وتاريخ بريطانيا والرياضيات واللغة الإنجليزية.

هذه الدروس ليس هدفها تعليم التلاميذ المنهج الدراسى كله، بل مساعدتهم على رؤية أكبر وأشمل للعلوم التى يدرسونها. وهى تقدم أيضا مساعدة وإرشادات للآباء والأمهات الذين يتولون مهمة تعليم أبنائهم فى المنزل خلال الحظر العام، وتلبية متطلبات التلاميذ ذوى الاحتياجات التعليمية الخاصة. كما تستهدف مساعدة التلاميذ على التكيف مع الدراسة أونلاين. ومن النصائح التى قُدمت للتلاميذ والطلاب خلال الدراسة أونلاين «التركيز الكامل» كأنهم فى الفصول الدراسية، وعدم أخذ التليفون المحمول أو النظر فيه، وعدم أخذ استراحات إلا كل 45 دقيقة (مدة الحصة)، وعدم المذاكرة بالبيجاما بل ارتداء ملابس خروج كأنهم سيقابلون المدرسين، ووضع جدول زمنى يومى بما يجب إنجازه، وأخيرا مكافأة الذات إذا انجزت كل المطلوب منك، غالبا بتقديم قطعة شوكولاتة إلى نفسك

 

هواتف الوداع الأخير

لكورونا جوانب مظلمة كثيرة، أكثرها ظلمة هو الموت وحيدا فى غرفة باردة بمستشفى ممنوع على الأهل والأقارب دخوله. وفى بريطانيا اضطر كثير من الأطباء والممرضين طلب استشارات نفسية لهم لأنه لم يعد بإمكانهم تحمل رؤية موت مرضاهم دون أن يتمكن هؤلاء المرضى من وداع أحبائهم. وأسوأ قصة هى قصة طفل عمره 13 عاما، توفى بسبب كورونا دون أن يرى أمه وأباه، أو يتمكن الأبوان من عناق الطفل وطمأنته قبل أن يموت.

ومع كثرة الحالات وصعوبة تحمل وحشية الموت وحيدا، قررت الممرضة سارة بلات، فعل شيء لمساعدة المرضى وأسرهم فى تحقيق وداع أخير لائق. فقد بدأت سارة بلات مجموعة على فيسبوك تسهل التبرع لأطباء وممرضين جهاز الرعاية الصحية فى بريطانيا. وأكثر ما طلبته سارة هو التبرع بهواتف محمولة وأجهزة «آى باد» كى يتواصل المرضى مع أسرهم وهم فى الحجر الصحي، خاصة إذا ساءت أوضاعهم وباتت حياتهم مهددة. وخلال أقل من أسبوعين، انضم عشرات الآلاف لمجموعة «قائمة تمنيات العاملين فى القطاع الصحي» على فيسبوك، وخلال أيام ساعدت المجموعة فى جمع مساعدات تعادل 30 ألف جنيه استرلينى لأكثر من 70 جناح رعاية طارئة فى جميع أنحاء ويلز، بما فى ذلك عشرات الهواتف المحمولة وأجهزة «آى باد».

وتقول سارة بلات إن «المبادرة كبرت وكبرت. والآن نساعد جميع المستشفيات فى ويلز». وتوضح: «لقد بدأت التبرعات بالشاى والقهوة والبسكويت والحلويات، وانتقلت سريعا إلى الهواتف المحمولة وأجهزة الآى باد». لكن التبرعات للأطباء والممرضين شملت أيضا أشياء حيوية للاستخدام اليومى يحتاجها العاملون فى القطاع الصحى وقد تنضب ولا يكون لديهم وقت لشرائها، ومن تلك الأشياء معجون الأسنان ومعقم اليدين وفرش الأسنان.

لكن بالطبع التبرعات الأكثر أهمية بما لا يقاس هى الهواتف المحمولة وأجهزة الآى باد، ليس بسبب أثمانها، بل بسبب المهمة الإنسانية التى لا يعادلها شيء التى تقوم بها هذه الأجهزة، فهى تربط بين أفراد الأسرة فى أصعب وقت ممكن. وتوضح بلات: «الناس تموت دون رؤية عائلتهم لأن الزوار لا يُسمح لهم بالدخول إلى أجنحة المستشفيات التى تعالج كورونا... لكن بهاتف جوال أو آى باد، يمكننا السماح للأشخاص برؤية أسرهم قبل أن يموتوا».

وتتذكر سارة بلات أن الفكرة جاءتها عندما اتصلت بها ممرضتان وكانتا فى حالة نفسية سيئة جدا لأن اثنين من المرضى ماتا دون أن يتمكنا من رؤية أو الحديث مع أفراد أسرتيهما. وتوضح: «الوضع كان صعبا جدا. فلم يعتد الممرضون على التعامل مع أشياء مثل هذه». لكن كان للمبادرة جانب شخصى أيضا، فابن سارة، وهو طفل عمره عام واحد، دخل جناح العزل فى المستشفى للاشتباه فى إصابته بكورونا. وخلال الأيام الأولى لم تتمكن سارة من رؤيته أو سماع صوته إلى أن سمح له الاطباء بالخروج بعدما تبين عدم إصابته بالفيروس. كانت التجربة مريرة ومرعبة بالنسبة لسارة ما حفزها على بدء مبادرتها مع شقيقتها هايلي.  وتوضح: «صباح اليوم التالى كتبت على فيسبوك أننا نحتاج تليفونات محمولة كتبرع للمستشفي، وفى اليوم التالى تم إرسال 5 أجهزة آى باد، و5 هواتف محمولة».  وبالنسبة لسارة بلات فإن اللطف الذى تراه يوميا يساعدها على التأقلم مع القصص الصعبة التى تسمعها من أجنحة العناية الطارئة فى المستشفيات فى ويلز. وتوضح أن أحب لحظة إلى قلبها هى عندما ترى صور المرضى وأسرهم يبتسمون عندما يتحدثون عبر آى باد أو الهواتف المحمولة.


رسائل الأمل

في مدينة ويتويك فى مقاطعة ليسترشاير، وسط إنجلترا، كانت تنتاب، آلان إيريس، نوبات مخيفة من القلق بسبب كورونا والعزلة. ومع اشتداد نوبات القلق التى كانت تصيبه بصداع يدوم طوال اليوم، فكر إيريس أنه لابد أن هناك عشرات الآلاف فى المدينة مثله تنتابهم نفس المشاعر بسبب الخوف من الإصابة بالفيروس أو فقدان وظائفهم وأرزاقهم. قرر إيريس أن يساعد نفسه والآخرين فى هذه الأيام الحالكة عبر كتابة رسائل تحفيزية مليئة بالأمل على أوتاد صغيرة من الخشب وتعليقها فى غابة صغيرة يتريض فيها السكان.

«رسائل الأمل» كما يقول إيريس هدفها هو أن يقول للآخرين ولنفسه إن «الأوقات الصعبة ستمر». فهناك ارتفاع كبير فى معدلات العنف المنزلى والانتحار فى مناطق وسط وشمال إنجلترا، خاصة بين الرجال الفقراء متوسطى الأعمار مع انتقال بؤرة كورونا من لندن إلى مدن الوسط والشمال وعلى رأسها ليفربول ومانشستر وهارتلبول. وتتزايد المخاوف من موجة هائلة من البطالة، تتجاوز مليونى بريطانى بحلول نهاية العام، وسط حديث عن أن الحكومة البريطانية بعد الوباء ستضطر لزيادة الضرائب مجددا وتجميد رفع الرواتب للموظفين لدى الدولة. ويقول إيريس إنه شخصيا كانت تنتابه هواجس سوداء. وللتغلب عليها وإلهام نفسه والآخرين بمشاعر وأفكار إيجابية، بدأ بكتابة مقولات تشجيعية على أوتاد صغيرة من الخشب وعلقها فى غابة «هولى هايز وود». ومن ضمن الرسائل التحفيزية:«أنت طفل فى الكون ومدهش حقا»، و«عندما تشعر بأنه ليس لديك أحد تلجأ إليه، سأكون هناك من أجلك»، و«أنت أطيب شخص أعرفه بقلب من ذهب». ويوضح إيريس أن تلك الرسائل المليئة بالأمل ساعدته شخصيا على السيطرة على هواجسه ونوبات قلقه، موضحا: «إذا كان شخص يعانى وقتا عصيبا ومر على الأوتاد المعلقة على الأشجار وبها هذه الكلمات التحفيزية سيشعر أنها كتبت من أجله هو فقط... سيقف عندها ويفكر ويشعر بالراحة وقد تكون هذه بداية خطوة صغيرة للمضى قدما رغم الصعاب».


طعام المحبة

أنت طاه والمطعم الذى تعمل به أغلق فى إطار الحظر العام فى البلاد. ليست لديك مشاكل مالية عاجلة، فالدولة قررت منح كل شخص أغلق المكان الذى يعمل فيه جزءا من راتبه إلى أن يتم رفع الحظر، لكن المشكلة هى فى تمضية الوقت بدون عمل لأسابيع وأسابيع. البعض لم يتحمل هذا وفى نفس الوقت أراد المساعدة فى محنة كورونا. ومن قلب هذا الشعور ولدت مبادرة الطهو للعاملين فى قطاع الرعاية الصحية. فكثير من المطاعم قررت فتح أبوابها. وبدعم من الطهاة الذين يعملون لديها، بدأت فى طهى مئات الوجبات يوميا وتوزيعها مجانا على الأطباء والممرضين والمسعفين فى المستشفيات المختلفة. ولا تتكلف تلك المطاعم إلا الجهد الذى يبذله الطهاة المتطوعون، فالخضراوات والفواكهة هى تبرعات من السوبر ماركت المجاورة أو يتم شراؤها بتبرعات مالية من مواطنين عاديين يريدون أيضا المساعدة.

وليس كل المتطوعين من الطهاة المحترفين، فهناك متطوعون من كل المهن يقومون بطهى ما يقدرون عليه ليس فقط للعاملين فى قطاع الرعاية الصحية ولكن أيضا للمشردين والأسر الفقيرة التى تعتمد على «بنوك الطعام» فى هذه الأوقات العصيبة. وحتى الآن تم تسليم عشرات الآلاف من الوجبات المجانية للعاملين فى المستشفيات كطريقة لشكر من يخاطرون بحياتهم كل يوم فى التصدى لكورونا.

وفى مطعم هندى فى منطقة سيربتون فى جنوب لندن، قرر المالك، جاكى شارمان مع الطهاة لديه المشاركة فى ذلك الجهد بطهو وجبات هندية لذيذة للأطباء والممرضين والمسعفين. يفضل شارمان طهى أكلات نباتية وسلاطات لأنها صحية وتتناسب مع التعددية الثقافية والدينية الكبيرة للعاملين فى قطاع الرعاية الصحية. ويوضح لـ«الأهرام» أن هذه المبادرة تثبت أكثر من أى شيء آخر أن الطعام ما زال وسيلة عالمية للتعبير عن الحب.

ويتابع:«عندما تحب شخصا تريد أن تطهو له أفضل طعام ممكن. كثيرون تبرعوا ماليا لجهاز الرعاية الصحية، لكننى أرى ان التبرع بطعام ساخن وصحى تم إعداده بكثير من الحب هو أفضل هدية للأطباء والممرضين الذين يعملون 12 ساعة فى اليوم. وقمت بطهى 100 وجبة من البطاطس والفلفل الأخضر مع صوص الكارى الحار وخبز النان وسلاطة زبادى بالبقدونس والليمون وتوجهت لتوصيلها لمستشفى قريب. الفرحة التى استقبل بها الأطباء والممرضون وجبات الطعام أكبر دليل على أن الطعام الذى أعد بود وتقدير أشبه برسالة محبة تقابل بحب مماثل».


قائمة التمنيات

وبينما ما زالت كورونا تجتاح العالم وتقلبه رأسا على عقب، يصبح من الصعب تصور المستقبل وما سيكون عليه الغد. فكل الأحلام والمشروعات مؤجلة إلى أن يستأنف العالم مساره الطبيعي. لكن البعض قرر أخذ زمام الأمور بيده. فالسيد مات لونج ، 36 عاما، من مدينة ليستر البريطانية وهو أب لثلاثة أطفال، أراد ألا ينسى لا هو ولا الجيران إلى ماذا يتطلعون عندما تنتهى محنة كورونا. ذهب لونج إلى مرآب السيارة وعثر على لوحة خشبية كبيرة مهملة، أحضرها وكتب فيها وأبناؤه ما يتطلعون إليه بعد كورونا. فهو يتطلع لاستئناف الدورى الإنجليزى الممتاز لكرة القدم. والأطفال يتطلعون للإجازة الصيفية.  لم يمر وقت طويل حتى وضع لونج قائمة التمنيات على مطلع الشارع فى ميدان «ويسترن بارك» القريب من المنزل كى يكتب الجيران ما يأملون فيه بعد انتهاء الحظر العام. وسريعا شارك أكثر من 200 شخص من الجيران أحلامهم وتطلعاتهم.

فبمجرد رفع الحظر عن الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية يريد أحد الجيران الذهاب مع أسرته وأصدقائه لمطعم السمك المقلى مع البطاطس المفضل لدى الأسرة. فيما يريد جار آخر، الذهاب لرؤية جدته التى لم يرها منذ نحو 3 أشهر، بينما يريد جار ثالث السفر لمكان جديد والاستمتاع بالحياة، فمحنة كورونا أظهرت أن الحياة والصحة والأسرة «ليست أشياء مسلما بها».

ويقول لونج إنه أراد أن تكون قوائم التمنيات  «رمزا للأمل» فى الأوقات الصعبة، موضحا أنه بين عشية وضحاها لم يعد الأطفال يذهبون للمدرسة، فيما هو جالس فى المنزل يأخذ جزءا من راتبه من الدولة لحين إنهاء الحظر. وبدلا من الاكتئاب قرر مع أطفاله أن «يكونوا مبدعين»، و«قوائم التمنيات» كانت وليدة ذلك الإبداع. وعبرها استطاع أن يفعل شيئا غير معتاد عادة وهو «الدردشة مع الناس»، مع احترام مسافة المترين بالطبع. فالعزل والحظر جاءا بنتائج غير متوقعة على الإطلاق فيما يتعلق بالتواصل المباشر بين الناس. فنسبة كبيرة من البريطانيين تقول إنها باتت تتحدث مع الجيران لأول مرة منذ سنوات. فاللهث اليومى من 9 صباحا إلى 6 مساء توقف لبعض الوقت وبات بإمكان الناس تبادل أطراف الحديث مع الجيران. وفى نظر لونج فإن كتابة التطلعات بمثابة «تأريخ للحظة من منظور مجتمع محلي... إنه رمز للأمل وشيء إيجابى يتشاركه الناس.» وإلى جانب تطلعه لاستئناف مباريات الدورى الممتاز لكرة القدم، يتطلع لونج أيضا إلى «عالم أفضل بعد كورونا».

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق