رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الدكتور ة بنت الشاطئ تكتب عن « فرحة العيد»

في عدد الأهرام الذي صدر في عيد الفطر عام 1953، كتبت الدكتورة عائشة عبد الرحمن، « بنت الشاطيء» عن فكرة «فرحة العيد» ومعناها بالنسبة للشعوب المختلفة، ونزعة البعض، ومنهم الشعب المصري، إلى إضفاء «ظلال» سلبية على «العيد» وتقاليده، فكان هذا النص الناقد الاستثنائي :

«شعرت أمس بشئ من وخز الضمير،حين تذكرت بضع مقالات لي، كتبتها في مثل هذا الموسم من أعوام مضت، وعرضت فيها بعض الصور البالة التي تلقانا في الريف، فتلقى على الكون من حولنا ظلالا ربداء، وتحول بيننا و بين فرحة العيد.كيف سمحت لقلمي أن يعرض تلك الصور، في الايام الطيبة الجديرة بان ننسى فيها المشاغل و الهموم؟

أن أعيادنا قليلة، لا تستغرق اياما معدودات من العام الطويل، فماذا أعفينا انفسنا و قراءنا من الاحاديث المقبضة وامامنا بقية العام، نكتب فيها ماشئنا عن الاشقياء و البؤساء و المحرومين؟اتراها عدوى بيئتنا التي لم تعرف حتى اليوم كيف تحتفل باعيادها، ولم تعلمنا كيف نجد و كيف نلهو؟

عفا الله عن قومنا! لقد نشأنا في بيوت لا يطيب لها أن تزور المقابر الا في ايام العيد، ولا تسع ان تستقبل لياليه الا في المدافن، ولا تنشط لذكر الموت الا في مواسم الراحة والأنس.

وكنا معشر الكتاب مرجوين لنحارب هذا الاسلوب الشاذ في الاحتفال بالعيد، كما ننفي تلك الظلال التي تفشى الافق المشرق، وتنقى الهواء من رائحة الموت و القبور، ونتخفف من تلك الأحمال التي ندخرها لأعز موسم وأطيب وقت!

كنا جديرين بأن نجد أقلامنا لكي نرد اعيادنا اعيادا، يبتسم فيها المكروب، ويستريح المتعب، ويهدأ المشغول،وينام الذي الح عليه السهاد لكنا مع الأسف، مضينا نبرز بأقلامنا الصور التعسة، و نزيد الظلال كآبة و سوداء، بما نكتب في العيد من مآسي الذين لا يعرفون العيد!ألا فليغفر الله لنا...

وليعف عن قومنا، فان الحياة لتمسي غير محتملة، اذا لم نبذل جهدنا مرة لكي نمسح دمعة الباكي بدلا من أن نبكي دوما معه، و أن الظلام ليتبقى على الكون اذا لم يكن فينا من يحاول أن يضئ شمعه، بدلا من أن نقف جميعا لنعلن الظلام و العيد هو فرصتنا الواحدة، التي يتاح لنا فيها ان نهادن شواغلنا واحزاننا، ان نهتف بكل مانملك من قوة و ايمان!

مهلا يا قوم، اليوم مبشر وغدا أمر؛ أن المتاعب تستطيع أن تنتذر أياما معدودات،ربما نستريح من جهاد مضى و نتزود لجهاد آت!

وما أجمل أن هذه «الهدنه» شاقة على ناس تعودوا أن يقتاتو بأحزان ماضيهم، ويستعجلو هموم مستقبلهم، لكن لماذا لا نحاول، كما فعل زميل شاعر من مواطنينا، جاءه النذير بفراق وشيك لمن يحب، فصاح في أصرار:

صرخ القلب في الضلوع ألينا

قبل أن يصبح الوداع بقينا

قلت: ياقلب ماغد ببعيد

فانتظره،وجن فيه جنونا

ودع اليوم للتزود ممن

هو زاد النفوس أنا و لينا؟

أن معركة الحياة تستنفد العمر كله، و ما أراناقادرين على مكابدتها اذا لم نتوقف بين حين و حين؛ لنستمد من فرحة العيد قوة على مواصلة النضال.هكذا يفعل أهل الغرب الذي طالما رنا اليه اكثرنا مفتونين، فهل فهل تراهم هناك قد خسروا المعركة؟ اللهم كلا...

واني لأذكر الساعة، ليلة وصلت الى «بارشلونة» منذ ستة أعوام، و هي تحتفل بأحد أعيادها الدينية، فخيل الى أن القوم قد جن جنونهم؛ اذ رأتهم يسلمون أنفسهم الى مباهج العيد في فرح مصرف، ومضى الليل كله و المدينة ساهرة تغني و ترقص و تلهو، حتى ظننت أن العيد لن ينتهي الا و القوم هامدون سكارى لا يقوون على عمل، فما راعني الا ان رأيتهم يعودون الى حياتهم العاملة في جد و نشاط و اقبال،بأولئك الذين بعفون هنا عن اللهو، ويزهدون في المرح، ويعكفون ابدا على اعمالهم، لكنه العكوف الجامد الذي تعوزهم فيه الروح، ويجعل منهم آلات كليلة مسخرة!

وشهدت من بعد ذلك، عيد الموسيقى في سالزبورج وفينيا، و عيد الزهور في النمسا العليا،و عيد السنة المقدسة في روما، وعيد الكرنفال في فنيسيا، وأعيادا أخرى مختلفة في بلدان و أقاليم شتى، فاذاالظاهرة واحدة لا تكاد تختلف و ان اختلفت الصور و تعددت الاسماء و الازياء : اسرار عجيب على تذوق ما يستطاع من مرات الحياة؛ واقبال، بكل الكيان،على التمتع بافراح العيد، ونسيان متعمد ، لكل ما تضج به الدنيا من متاعب...

و عجبت لأولئك المحتفلين بالعيد:ارا بينهم جرحى الحرب ومشوهيها و اعلم ان بينهم يتاماها و ثواكلها وأراملها، والمح وراء زينات العيد انقاض العالم الذي دمرته الحرب، واطلالا حزينة تحدث عن هول ماكان : لكني ما لبثت أن ادركت لماذا احتملو هذا الاعصار المدمر الذي حصد رجالهم حصدا، و كيف اطاقوا المجاعة التي أعقبت الحرب، واقبلو يبنون دنياهم من جديد، دون أن يصرفهم عن البناء خوف من غد قد يأتي بحرب ثالثة، تدمر كل الذي يقيمون...و ادركت كذلك أنه كلما كان نصيب الآنسان من شقاء الدنيا افدح، كان أحوج الى جرعة كهذه من المتعة و السرور، تخفف مرارة الكاس ،و تعين على حمل العبء !

فهل لقومي أن يستقبلو العيد بقلوب متفتحة راجية، و نفوس مؤمنة بحقها في الحياة، مصرة على أن تنال نصيبها من الدنيا، كيلا يرهقها الضجر، و تطحنها الرحى، وينال منها الاعيال و الكلال!؟ و هل لنا أن نغني مع «الخيام».«قد يظهر الغيب، واليوم لي»؟ ارجو،وأمل!»

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق