رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

المملكة المتحدة «مفككة» فى حربها ضد كورونا

منال لطفى

بلغ عدد ضحايا فيروس كورونا فى دور رعاية كبار السن فى بريطانيا نحو 12 ألف شخص، أى نحو 25% من إجمالى ضحايا الفيروس فى البلاد.

وبالتالى السؤال الأساسى فى بريطانيا هذا الاسبوع كان: من المسئول عن فجيعة تحول دور رعاية كبار السن لأماكن للموت الصامت للفيروس؟

اللجنة العلمية بالبرلمان البريطانى التى تتكون من عدد من النواب المختصين الذين ينتمون لأحزاب متباينة أشارت بأصابع الاتهام نحو هيئة الرعاية الصحية فى إنجلترا لأنها لم تول اهتماماً كافياً لدور رعاية كبار السن منذ بدأ الفيروس فى الانتشار فى مارس الماضي. لكن هيئة الرعاية الصحية فى إنجلترا، وهى هيئة مستقلة عن وزارة الصحة من المديرين التنفيذيين تتولى وضع الخطط والاستراتيجيات الكبرى، رفضت تحمل مسئولية الفشل الذريع وأشارت بأصابع الاتهام نحو وزارة الصحة بقيادة مات هانكوك لأنه صاحب قرار وقف اختبارات الإصابة بفيروس كورونا فى 12 مارس الماضي. لكن الوزير والوزارة رفضوا تحمل المسئولية، وأشارت نائبة بحزب المحافظين وعضوة بالبرلمان، وهى تيريز كوفي، بأصابع الاتهام إلى فريق العلماء الذى يقدم النصيحة العلمية للحكومة منذ بدء أزمة كورونا، قائلة «إذا كانت النصيحة التى قدمت للحكومة خاطئة تصبح السياسات خاطئة». لكن فريق العلماء رفض تحمل المسئولية وأشاروا بأصابع الاتهام للسياسيين، محذرين من «الاختباء وراء العلماء»، ففى نهاية المطاف ُتقدم للحكومة عشرات النصائح العلمية حيال كيفية التعامل مع الفيروس وتختار الحكومة ما تراه ملائماً لسياساتها العامة الصحية والاقتصادية. وبالتالى يقول العلماء إن قرار الحكومة، لا نصائح العلماء ،هو المسئول عن الإخفاقات فى التصدى لانتشار الفيروس فى دور رعاية كبار السن، مشيرين إلى أن الحكومة هى من قررت إخراج آلاف المرضى من كبار السن من المستشفيات ووضعهم فى دور رعاية السن دون حتى إجراء اختبار إصابتهم بكورونا من عدمه. وما حدث أن المئات ممن خرجوا كانوا مصابين بالفعل بكورونا، فتم نقل الفيروس عبرهم من المستشفيات إلى دور رعاية كبار السن حيث مات نحو 12 ألف شخص من المرضى وطواقم الرعاية من أطباء وممرضين.

حلقة مفرغة

إنها حلقة مفرغة من الاتهامات والاتهامات المضادة ولعبة تبادل اللوم تعكس الحال الذى وصلت إليه بريطانيا وإخفاق الحكومة فى وضع استراتيجية تتجنب أسوأ تداعيات كورونا. وبكل المعايير كان هذا الاسبوع هو الأسوأ بالنسبة لرئيس الوزراء البريطانى بوريس جونسون وحكومته منذ تولى السلطة. ففى لطمة غير مسبوقة للحكومة المركزية فى ويستمنستر، رفضت السلطات المحلية فى مدن كبرى مثل ليفربول وهارتلبول ومانشستر، طلب حكومة جونسون بإعادة فتح المدارس مطلع يونيو المقبل، مشيرين إلى أن الحكومة «لم تقدم أدلة كافية» للسلطات المحلية فى تلك المدن وغيرها على أن إعادة فتح المدارس فى يونيو ستفض اللطمة الوحيدة التى منيت بها الحكومة، فقبلها بأيام رفضت الحكومات الإقليمية فى ويلز وأسكتلندا وإيرلندا الشمالية السير على خطى انجلترا وتغيير شعار حملة التصدى لفيروس كورونا من «إبق فى المنزل» إلى «إبق متأهباً». وبالتالى سارت إنجلترا فى اتجاه، وكل من ويلز وأسكتلندا وإيرلندا الشمالية فى اتجاه آخر.

ولم تغب المفارقة المؤلمة عن المراقبين، فقبل بضعة أسابيع فقط كان جونسون يستحضر روح شخصيته التاريخية المفضلة، رئيس الوزراء البريطانى الراحل ونستون تشرشل، عندما دعا بريطانيا بقومياتها المختلفة (أنجلترا، ويلز، أسكتلندا، وإيرلندا الشمالية) إلى التوحد فى الحرب ضد كورونا، قائلاً «سنتجاوز هذه الأزمة معاً»، لكن على أرض الواقع تسير بريطانيا «مفككة» أكثر من أى وقت آخر بعد رفض ويلز وأسكتلندا وأيرلندا الشمالية وليفربول ومانشستر وهارتبول وغيرها تطبيق القرارات المتأخرة والمتضاربة للحكومة المركزية فى ويستمنستر.

فالمدارس فى مدن وسط وشمال إنجلترا ترفض إعادة التلاميذ بحلول 1 يونيو المقبل على أساس أن وزارتى الصحة والتعليم لم تقدما ما يكفى من الأدلة لتأكيد أن عودة التلاميذ للمدارس لن تؤدى لانتشار الفيروس بشكل أكبر فى شمال ووسط إنجلترا الذى أصبح بالفعل البؤرة الجديدة للمرض بعد تراجع معدلات العدوى فى لندن. كما أن نقابات المدرسين تشكو من أن الحكومة لم توفر لها ولا للتلاميذ معدات حماية ذاتية ضد كورونا مثل الكمامات والقفازات إذا استأنفوا الدراسة الأسبوع المقبل. أما أكبر الانتقادات لنهج الحكومة فكان بسبب تأجيلها إطلاق تطبيق تتبع المصابين بالفيروس على منصات مثل جوجل أو آبل. ومع أن الحكومة تشير لإنجازات من بينها زيادة عدد الأسرة الطبية والمستشفيات للتصدى للفيروس ورفع طاقة الاختبارات والمسح اليومى لفيروس كورونا بأكثر من 100 ألف اختبار، إلا أن منتقدى الحكومة يشيرون إلى أن إجراء الاختبارات بدون اطلاق تطبيق التتبع على جوجل أو آبل أو أى منصة أخرى «جهد مهدر». فاستراتيجية الاختبار والتتبع والعزل بأركانها الثلاثة لا تنجح إذا تم تطبيق ركن وتجاهل ركن آخر وهذا تحديدا ما يحدث حالياً فى بريطانيا. فإجراء أكثر من 100 الف اختبار كورونا فى اليوم ليس له أى أهمية ما لم يرافقه «التتبع» و«العزل» للمصابين.

انكسار الوحدة

ومع تداعى الاستراتيجية الوطنية، انكسرت الوحدة بين مكونات المملكة المتحدة مع تضعضع الثقة فى قرارات الحكومة المركزية فى لندن.

فرؤساء الحكومات الإقليمية فى ويلز وأسكتلندا وأيرلندا الشمالية يشكون فى أن الدوافع وراء قرار الحكومة فتح المدارس وبعض الأنشطة الاقتصادية هو إرضاء الجناح المتشدد داخل حزب المحافظين الذى لا يريد استمرار غلق الاقتصاد وما يترتب عليه من ديون حكومية كبيرة وانكماش اقتصادى موجع، خاصة أن بريطانيا مقبلة بحلول نهاية العام على الخروج من الاتحاد الأوروبى وهذا سيترتب عليه أيضا تداعيات اقتصادية صعبة.

فمثلاً لم يخف داميان جرين، الوزير السابق فى حكومة تيريزا ماى وعضو حزب المحافظين، خوفه الشديد من تأثير الإغلاق العام فى بريطانيا على الوضع الاقتصادي. وجرين هو واحد من 100 عضو فى البرلمان يضغطون على الحكومة لإعادة الأنشطة الاقتصادية فى أسرع وقت ممكن. وحذر جرين قبل أيام من أن «الحرب الأهلية داخل حزب المحافظين على خلفية بريكست تنتهى لتبدأ حرب أهلية داخل الحزب حول الاقتصاد».

كما يشكو مسئولون آخرون من أن الحكومة المركزية فى ويستمنستر لا تخبر مسئولى المدن والأقاليم الأخرى بالقرارات قبل أن تعلن على شاشات التليفزيون. فمثلا أعلن عمدة كل من مانشستر وليفربول وهارتلبول أنهم عرفوا بخبر قرار إعادة فتح المدارس بحلول 1 يونيو من التليفزيون بدون تشاور معهم أو تمهيد رغم أن مدنهم باتت بؤرة للعدوى بالمرض.

وتساءل أندى بورنهام، عمدة مانشستر الكبرى: الحكومة تتخذ قراراً سيترتب عليه زيادة تشغيل المواصلات العامة، وبدء إرسال الأطفال للمدارس، وإرسال المدرسين للتدريس، والطهاة لطهى الوجبات المدرسية، وعمال النظافة لتنظيف المدارس، دون أن تتشاور معنا أو مع نقابات المدرسين هنا كى تتأكد أننا جاهزون لاستئناف الدراسة فى شروط آمنة. فهناك الكثير ينبغى التحضير له مثل مسافات التباعد الاجتماعى بين التلاميذ، والتعقيم الدائم، وتغيير الطباشير والأدوات المكتبية بشكل دوري، وتوفير قفازات وكمامات. وأخيرا ختم بقوله: «لقد تغيرت الحياة وفجأة أصبح كل شيء متصدعًا للغاية».

أما المجلس المحلى فى مدينة هارتلبول فأصدر بياناً أوضح فيه: «نظرًا لاستمرار ارتفاع حالات الإصابة بفيروس كورونا، فقد عمل مجلس هارتلبول البلدى مع المدارس واتفقنا على عدم إعادة فتحه يوم الاثنين 1 يونيو. وفى حين أننا ندرك أهمية إعادة فتح المدارس، فإننا نريد أن نكون واضحين تماماً فى أننا سنتخذ نهجاً مدروسا وحذرا جداً فى هذا الصدد».

وللضغط على مدن شمال ووسط إنجلترا لإعادة فتح المدارس مطلع يونيو، حذر مايكل جوف ،وزير شئون مجلس الوزراء، من أن التلاميذ سيخسرون تعليما مهما جدا قد لا يمكن تعويضه خاصة فى المدارس العامة الحكومية، ودعا مسئولى هذه المدن لإعادة النظر فى مسئولياتهم». وتابع: «إذا كنت تهتم حقًا بالأطفال، فستريد إرسالهم إلى المدارس...نحن واثقون فى أن الأطفال والمعلمين سيكونون بأمان».

وقال جوف إن المدارس يمكن أن تطبق فترات استراحة غداء «متقطعة»، ومواعيد وصول «متباينة»، وتُجلس الأطفال على «مكاتب فردية»، وتعلمهم فى صفوف من 15 تلميذا على الأكثر، وذلك لتقليل احتمالات نقل العدوى أو الإصابة.

لكن بالضغط عليه، أقر جوف بأنه «لا يمكن إنهاء المخاطر بنسبة 100%»، وأنه ستظل هناك دوما فرصة لانتقال العدوى وسط التلاميذ. وهذا الاعتراف بحد ذاته كان يكفى المدارس فى تلك المدن للتمسك بقرارها بعدم استئناف الدارسة إلا بعد انخفاض معدلات العدوى.

المحامى البارع يفند أداء جونسون

ولا يعانى جونسون فقط من انكسار فى الوحدة داخل المملكة المتحدة وعدم اقتناع كثيرين بقراراته، بل يعانى أيضاً من تراجع لافت لشعبيته ونسبة دعم سياساته. فقد أظهر استطلاع للرأى هذا الاسبوع أن الغالبية فى بريطانيا باتت لأول مرة غير راضية عن أداء الحكومة. وهذه أنباء سيئة جدا لجونسون، خاصة وأن الزعيم الجديد لحزب العمال، السير كير ستارمر، أثار أعجاب البريطانيين والمعلقين السياسيين بأدائه الممتاز فى البرلمان وتمحيصه الدقيق لاستراتيجية الحكومة. فالسير كير ستارمر «كان الرجل الذى لا يريده جونسون» على رأس حزب العمال فى أزمة مثل كورونا. فهى أزمة صحية -اقتصادية-سياسية بامتياز، وليست أزمة ايديولوجية على غرار البريكست. وما حدث أن المحامى والمدعى العام السابق السير كير ستارمر، يتعامل مع جونسون فى جلسات مجلس الوزراء بوصفه «متهم فى قفص الاتهام»، يوجه إليه الانتقادات بدقة بالغة، وبلغة قانونية محايدة، وموضوعية كبيرة، ما يجعل جونسون عاجزاً عن الرد عليه بلغة الاستقطاب الحزبى المألوفة فى بريطانيا.

لا مزاج فى بريطانيا حالياً لإعطاء الحكومة المزيد من الأعذار. فالاسبوع الماضى عندما غير جونسون شعار استراتيجية الحكومة من «إبق فى المنزل» إلى «إبق متأهباً» تهلل الملايين مستعدين لإعادة استئناف جزئى للحياة ،خاصة بعدما أعلنت الحكومة أن تغيير الشعار يعنى السماح للمواطنين بالسفر بحرية أكبر، والخروج إلى المتنزهات العامة لممارسة عدد غير محدود من التمارين، ولعب التنس والجولف، والذهاب للشواطئ. وخلال عطلة الاسبوع والربيع البريطانى فى كامل أبهته، توجه مئات الآلاف للشواطئ والمناطق السياحية المعروفة فى مدن مثل ديفين وسمرست وبرايتون ليكتشفوا أن الشرطة تأمر الغالبية بالرجوع من حيث أتوا خوفا من نقل العدوى مع تحرك تلك التجمعات البشرية. مواطن بريطانى مستاء عاد مع عائلته فى منتصف الطريق من سواحل برايتون لخص الوضع بقوله:»ما نريده هو تعليمات واضحة. نذهب للشواطئ أم لا؟. هذا هو كل المطلوب من الحكومة وقد فشلت فيه حتى الآن».

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق