رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بوتين ونيتانياهو .. وسياسات فرض الأمر الواقع

د. سامى عمارة
> لقاء سابق جمع بين بوتين ونيتانياهو

  • ألكسندر بوفين: فلسفة «الهدف النهائى» مقولة  فضفاضة  تسمح بالتلاعب والمماطلة

 

تصريحان لا يفارقان الذاكرة. الأول، ويعود إلى عام 1965، وكان أدلى به أبا إيبان، نائب رئيس الوزراء ووزير خارجية إسرائيل الأسبق، فى أحد لقاءاته مع ممثلى الأوساط الاجتماعية والسياسية فى الولايات المتحدة، والثاني، يعود تاريخه إلى أكتوبر 1991 خلال رحلتنا مع أول سفير سوفييتى إلى إسرائيل، متجاورين فى الطائرة التى أقلتنا لتغطية مؤتمر مدريد للسلام. وكلاهما يرسم ملامح «الكارثة» التى تواجهها المنطقة العربية اليوم، من منظور ما أدلى به بنيامين نيتانياهو من تصريحات حول نواياه بشأن ضم الأراضى الفلسطينية فى الضفة الغربية، فى أعقاب التصويت على حكومته الجديدة.

أما التصريح الأول فيعود إلى أبا إيبان، أو أوبرى سليمان مائير إيبان نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الإسرائيلى الأسبق، وصدر عنه فى عام 1965 تعليقا على رفض البلدان العربية لحدود إسرائيل فى عام 1948، وكان نصه:

 «ليس من المستبعد أن نرى العرب غدا يطالبوننا بالعودة إلى حدود 1966 أو 1967 كما يطالبوننا اليوم بالعودة إلى حدود 1948.»

وأما التصريح الثانى ، فصدر عن الكسندر بوفين أول سفير سوفييتي-روسى فى إسرائيل بعد استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين فى أكتوبر 1991. وكانت الصدفة جمعت بيننا لنكون متجاورين فى مقعدى الطائرة التى أقلتنا من موسكو إلى مدريد فى نهاية اكتوبر 1991، لتغطية مؤتمرها للسلام فى الشرق الأوسط، وكان آنذاك معلقا سياسيا لصحيفة «ازفيستيا» بعد إبعاده عن طاقم مستشارى الزعيم السوفييتى الأسبق ليونيد بريجنيف. فى معرض حديث طويل حول آفاق السلام المرتقب ووضع حد للصراع العربي- الفلسطينى من منظور ما قد يسفر عنه المؤتمر المرتقب فى مدريد ، قال بوفين :

 «أغلب الظن أنهم سوف يبحثون إقرار ما رفضه العرب بعد حرب يونيو 1967، أى العودة إلى حدود 4 يونيو 1967 وإقامة الدولة الفلسطينية الموعودة فى الضفة الغربية وقطاع غزة».

ومضى ليتساءل:

 «ألم تكن الضفة الغربية وقطاع غزة فى متناولكم وتحت أيديكم لما يقرب من العشرين عاما؟ لماذا لم تقيموا الدولة الفلسطينية إذن فى حدود هذه الأراضي؟».

وبعيدا عن تاريخ الأمس.. القريب منه والبعيد، وما زخر به من كبوات وعثرات، بل ونكبات، نأتى إلى الحاضر وما نشهده من تطورات هى والكارثة سواء، على ضوء ما أدلى به بنيامين نيتانياهو رئيس الوزراء الإسرائيلى «القديم-الجديد»، من تصريحات فى أعقاب التصويت على حكومته الجديدة فى الكنيست فى 17 مايو الحالى، وما يعتبر بداية فصل جديد فى تاريخ الصهيونية، قد يضع نقطة النهاية للقضية الفلسطينية. قال نيتانياهو:

  «لقد حان الوقت لتطبيق بنود القانون الإسرائيلى وكتابة فصل جديد فى تاريخ الصهيونية»

ولم يكن ذلك إلا إعلانا عن بداية العمل من أجل «تقنين» ضم الأراضى الفلسطينية فى الضفة الغربية، مثلما سبق وفعلت إسرائيل بالنسبة لمرتفعات الجولان السورية، والقدس الشرقية وما تناثر من مستوطنات صارت أشبه بالبثور على الجسد العليل فى أراضى الضفة الغربية».  

   وننقل عن بوفين ما سجلته فى كتاب نحن بصدد نشره قريبا تحت عنوان «موسكو- تل ابيب . وثائق وأسرار»، حيث يقول:

 «إن نيتانياهو وجد ضالته فيما يقال حول فلسفة «الهدف النهائي»، وهى مقولة فضفاضة هلامية الأطر تسمح بالتلاعب والمماطلة، لأى سياسى يعلم ماهية هذا الهدف دون الإعلان عنها. ومن هنا كان الحديث حول «غزة وأريحا أولا»، ثم ترحيل القضايا المعقدة إلى وقت لاحق وفى صدارتها ما يتعلق بـ»التسوية النهائية» و«الوضعية النهائية»، ومن مفرداتها «السيادة» و«القدس» و«اللاجئين» و«الحدود» .

 واستطرد بوفين ليقول:

«إنه أدرك أن الإسرائيليين وحين بدأوا عملية السلام مع الفلسطينيين وكأنما كانوا على يقين من أنه لو صاغوا أهدافهم النهائية التى يرتضونها وهى «لا» لسيادة الدولة الفلسطينية، و»لا» لتقسيم القدس» ، و«لا» «لعودة اللاجئين» ، و«لا» «لإزالة المستوطنات»، و»لا» للعودة إلى «حدود 1967»، فإن الفلسطينيين لن يقبلوا بالجلوس إلى مائدة المفاوضات. ولذا فقد اختار نيتانياهو الطريق السهل، وهو الانصراف إلى القضايا الفرعية والمرحلية».

 أو ما وصفه بوفين بـ «الأركان الخمسة لبرمودا».

 ونقل بوفين أيضا ما قاله شيمون بيريز فى منتدى دافوس فى فبراير 1996 حول التكتيك الذى يفضله فى المباحثات والذى لا يبتعد كثيرا عن رؤية نيتانياهو، حيث قال:

«إنه عند الجلوس إلى مائدة المباحثات يجب الابتعاد تماما عن تحديد الهدف النهائى من هذه المباحثات. ذلك لأن تحديد الهدف يقتضى بالضرورة تحديد السبل المناسبة للوصول إلى هذا الهدف. كما أن طرح الأمر على هذا النحو، يستوجب تحديد الطرق المناسبة لتحقيق ما تريد، وهو ما قد يحمل فى طياته بعضا من التناقضات فى مواقف الأطراف. لذا فمن الواجب الاكتفاء بالعثور على لغة مشتركة والاتفاق حول الأسس العامة من حيث المبدأ، والانصراف لاحقا ودون تعجل وعدم القفز على الثوابت، إلى الهدف المشترك».

 وخلص بوفين إلى أن ذلك ما يدركه كثيرون فى إسرائيل. وهو ما احتفظ به نيتانياهو لنفسه فى جعبته. وكشف عن أن ادلشتاين ،وكان وزيرا فى الحكومة الإسرائيلية، صارحه فى وقت لاحق بأن الحكومة الإسرائيلية وبعد مناقشات وجدل حاد توصلت فى نهاية الأمر إلى أن «خريطة المصالح الإسرائيلية»، أو بقول آخر «حدود التسوية النهائية» يجب ألا تخرج عن الآتي:

 1ــ لا تستطيع إسرائيل قبول دولة فلسطينية مستقلة على مقربة من حدودها، أو على أقل تقدير الاحتفاظ لنفسها بحق السيطرة على شئونها العسكرية والسياسية .

2ــ  لا يجوز لإسرائيل أن تسلم للفلسطينيين أكثر من 30-40 من أراضى الضفة الغربية ، أما بقية المساحة فيجب أن تظل تحت السيطرة الإسرائيلية.

3ــ  الإبقاء على المستوطنات، ، والنظر فى تطويرها «رأسيا»، بما يكفل زيادة عدد السكان وبناء مساكن أخرى دون التوسع أفقيا، فى ظل حماية الجيش الإسرائيلى لأمن المستوطنات.

4ــ لا يمكن السماح بالعودة التلقائية والكاملة للاجئين . ويمكن بحث كل حالة على حدة انطلاقا من اعتبارات التوازن الأمنى والديموجرافى .

5ــ القدس واحدة لا تتجزأ تظل عاصمة لإسرائيل، مع ضمان إسرائيل الوصول إلى الأماكن المقدسة لكل الأديان.

 واعترف السفير الروسى الأسبق بأن نيتانياهو لم يكن ليجرؤ على الكشف عن هذه الاستراتيجية فى أى من لقاءاته أو مباحثاته، وإن حرص دوما على إماطة اللثام عن مكنون رؤيته التى تهدد مستقبل المنطقة، إذا ما تمعنا النظر ثانية فى معنى الرموز التى اختارها مؤسسو الدولة  اليهودية لرايتهم الوطنية وهى نجمة داود التى تتوسط الخطين الرأسيين إشارة الى حدود دولتهم من النيل غربا الى الفرات شرقا!.

 وكان بوفين السفير السوفييتى الروسى أعاد إلى الأذهان ما سبق وأشار إليه فى ما احتفظ به من مذكرات ومخطوطات أشار إليها فى كتابه المشار إليه عاليه، ورفعها إلى قيادته السياسية فى موسكو فى معرض الإعداد لزيارة نيتانياهو لموسكو مارس 1997 ووصف فيها شخصية نيتانياهو بقوله:

 «ترى السفارة أن نيتانياهو ارتقى إلى مصاف الزعامة، بفضل ما يمتلكه من حيوية ذاتية، وإصرار، وفتوة وقبول تليفزيوني، إلى جانب ذلك النشاط العاصف لصديقه أفجيدور ليبرمان ، وربما أيضا بفضل ما حصل عليه من أموال أقاربه من عائلة «ميليكوفسكي».

واستطرد بوفين ليشير إلى «الواقعية السياسية» لنيتانياهو وإجادته ممارسة أساليب الضغوط فى إطار التكتيك وبعيدا عن التمسك بـ«المبادئ الأيديولوجية الجامدة»، واستناده إلى قدراته على المناورة التى يجيد شتى فنونها، وتغيير أنماطها على النحو الذى يتلاءم مع شخصيات شركائه فى الحوار، وبما يتسق مع توجهات كل منهم، وبما هو أقرب إلى «التنويم المغناطيسي» اعتمادا على ما يجيده من فنون المنطق والإقناع.

أما عن مواقفه  فتتلخص فيما يلى :

القدس، لا إشارة تلميحا أو تصريحا، عن أى احتمالات لتنازلات متبادلة. فالفرنسيون لن يخوضوا أى مباحثات عن مستقبل «باريس»، مثلما الإنجليز بالنسبة لـ«لندن». ومع ذلك الإسرائيليون على استعداد لمنح الفلسطينيين حقوقا كاملة فى القدس وليس «على القدس».

الدولة الفلسطينية، يمكنكم تسميتها كما يحلو لكم، حتى تحت اسم «الدولة»، لكنها لن تتمتع بأى حقوق سيادية، على النحو الذى تتمتع به «اندورا»، على حد قول نيتانياهو الذى أهان به أهل اندورا.

الحدود، لا عودة إلى حدود 1967 «إنها حدود الحرب وليس حدود السلام». ويمكن الحديث عن نسب ما فيما يتعلق بالضفة الغربية والجولان.

  المستوطنات، لن يتكرر ما جرى فى سيناء بالنسبة للمستوطنات، ومن الممكن فقط قبول إزالة بعض المستوطنات المنعزلة.

 اللاجئون، تعبير على طرفى نقيض مع الصهيونية، وأقصى ما يمكن النظر فيه نسبة صغيرة لمنظمة التحرير الفلسطينية.

 سوريا، لن يخوض نيتانياهو أى مباحثات حول منح أى وعود بخصوص الجولان، ويبدو أنه على استعداد لقبول صياغة «فلنبدأ من حيث انتهينا». أما عن المكان الذى انتهينا إليه، فسوف يكون محور خلاف خلال المباحثات. ولن يقبل نيتانياهو الانسحاب الكامل من الجولان، (ليس من منظور الاستراتيجية، بقدر ما هو متعلق بالمياه). ومع ذلك فالحل الوسط ليس مستبعداً.

 ذلك ما طرحه نيتانياهو بالأمس القريب، وهو ما لا أعتقد أنه سوف يظل عنده، على ضوء ما يقوله دوما حول أن ما ذكره بالأمس، يتجاوزه الزمن، وعلينا الانطلاق من واقع اليوم . وكان نيتانياهو كشف فى أكثر من مناسبة عن أنه يلتقى العديد من زعماء البلدان العربية ولا يفصح عن ذلك استجابة لرغبة هؤلاء الزعماء، مؤكدا ما وصفه «بالتطبيع السرى المتصاعد مع الدول العربية». وفى تصريحات نشرها موقع «روسيا اليوم» الصادر بالعربية فى 20 فبراير الماضى قال نيتانياهو :

 «إنه لا يمكنه الإفصاح عن عدد «زياراته السرية» لدول عربية».

 ونقلت قناة «روسيا اليوم «ما قاله رئيس الوزراء الإسرائيلى فى لقائه مع قناة «هلا» الإسرائيلية الناطقة بالعربية:

  «إذا أخبرنى أحدهم قبل 10 سنوات أننا سنصل إلى وضع تكون لنا فيه علاقات تتوطد باستمرار مع كل الدول العربية، باستثناء واحدة أو اثنتين (..) لقلت له إن ذلك مجرد أحلام يقظة، لكن هذا ما يحدث اليوم».

واستطرد ليقول:

«لا يمكننى أن أخبرك كم مرة زرت فيها الدول العربية»، مستدركا: «لكن صدقنى هناك ما هو أكثر بشكل متصاعد». وأكد أن التطبيع مع الدول العربية يتزايد بشكل كبير، «ليس فقط بسبب التهديد المشترك، ممثلا فى إيران، بل أيضا بسبب شغف الدول العربية بالتكنولوجيا الإسرائيلية وبالزراعة الإسرائيلية».وزعم أن الشارع العربى بات أكثر تقبلا للتطبيع مع إسرائيل. ومضى فى تصريحاته ليضيف «نقيس ذلك على الإنترنت، فى المجتمعات العربية، نجرى استطلاعات ونسأل (هل ينبغى على بلدك إقامة علاقات مع إسرائيل؟)، ذات مرة كانت النسبة 0%، وربما حتى بالسالب، اليوم نرى 30% و40%.

وفيما يعيد العرب السؤال الأبدى الذى طالما قفز على الألسنة لما يزيد على السبعين عاما، حول ما يمكن اتخاذه من إجراءات، ومن يمكن استقطابه من قيادات وصداقات عالمية ينشدون الدعم والعون من أجل البحث عن مخرج جديد من الأزمة القديمة،  يسارع الرئيس فلاديمير بوتين  إلى إرسال برقية تهنئة إلى «الصديق الإسرائيلي» يقول فيها :

 «نقدر عاليا العلاقات القائمة بيننا، والتى تسمح بمناقشة مختلف القضايا، بما فيها الصعبة، والأجندة الدولية بشكل شامل».

وننقل عن وكالة «سبوتنيك» الحكومية الروسية ما نقلته حول ما أعرب عنه بوتين من أمل فى أن تواصل «الحكومة الجديدة برئاسة نيتانياهو نهج تطوير العلاقات الودية والتعاون المتبادل بين البلدين»، وما قاله حول ان: هذا بالطبع ما يخدم مصالح شعبى روسيا وإسرائيل ، ويتجه نحو ضمان السلام والأمن والاستقرار».!!. 

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق