رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

كورونا .. يسقط أقنعة النظم الصحية العالمية

فاطمة محمود مهدى

كورونا هذا الفيروس الذى أصاب البشر بالمرض الجسدى والهلع النفسى ،غير وجه العالم وأسقط الأقنعة ، فبالرغم من كون المحنة واحدة ، وتحتاج إلى تكاتف الجميع للقضاء عليها، فإن التعامل معها من خلال الدول كان فرديا، بدأ بالعزل الاجتماعى بين الأفراد ثم العزل بين الدول. واعتبرت الحكومات أن إنقاذ بلادها ومواطنيها هو الأهم، وليذهب الباقى إلى الجحيم، وبدأت كل دولة فى استخدام ما لديها من امكانات للحصول على مستلزمات الدفاع الصحى ضد الفيروس القاتل، مما أظهر الخلل فى أنظمتها الصحية، وهى الدول التى يصنف بعضها بالدول المتقدمة وتصنف الأخرى بالدول العظمي. غير الفيروس معايير القوى فى هيكل النظام العالمي، وأصبح مقياس التقدم والقوة هو التقدم العلمى ومدى تطور منظومة الأبحاث العلمية والطبية، ومدى القدرة على مواجهة الأزمات الصحية وكيفية إدارتها بما يتوافق مع قرارات منظمة الصحة العالمية .

وبما أن جائحة كورونا تعد حربا جديدة تخوضها دول العالم، فإنها تحتاج إلى التسلح لمواجهتها، ولكن لكون المفهوم العالمى للتسلح لدى كثير من الدول يرتكز على السلاح العسكري، يضاف إليه القوة الاقتصادية، لدى الدول الكبري، خاصة بعد ظهور الحرب التجارية، وكذلك التطور التكنولوجى لمواجهة الحروب الالكتونية، لم يتوقع أحد أن تظهر ساحة صراع جديد بين الدول، من أجل اقتناء المستلزمات الطبية للتسلح لمواجهة الفيروس المستجد. فقد كشف تفشى الوباء  عن نقص حاد فى المستلزمات الضرورية لتوفير الرعاية الصحية المطلوبة، منها على سبيل المثال عدد الأسرة بالمستشفيات والتى لا تتناسب مع عدد المواطنين، وقلة أعداد غرف العناية المركزة، ونقص حاد فى أجهزة التنفس الصناعية، بل ونقص الوسائل الأساسية للحماية والوقاية  مثل الكمامات والقفازات الطبية وحتى مواد التطهير !

وحتى تتغلب الدول على الأزمة، دون الاعتراف بعجز أنظمتها الصحية، انتهجت أسلوبا أنانيا يعتمد على تحقيق المصالح الشخصية دون أن تأبه بما يحل بالدول الأخري. وهو ما يدفع كثيرين للتساؤل عن شكل العلاقات والدبلوماسية الدولية بعد تفشى فيروس كوفيد 19، فلقد ظهرت على السطح ظواهر جديدة، منها تخلى الدول الكبرى عن مساندة الدول الصديقة التى طلبت مساندتها  - موقف الاتحاد الأوروبى من ايطاليا- واستخدام الأموال  فى تحويل مسار الشحنات من الدول المتجهة إليها إلى الدولة التى دفعت أضعاف ثمن الشحنات وهوما أطلق عليه « صيد الكنوز»، وخرق الاتفاقيات التجارية الدولية بعدم الوفاء بالتعاقدات المبرمة مسبقا بين الدول المنتجة والدول المستوردة ( تراجعت تركيا عن تسليم صفقة كمامات قد تسلمت ثمنها بالفعل من كل من بلجيكا وايطاليا ). وقيام بعض الدول بتخزين إنتاجها من المستلزمات والمعدات الطبية، والحد من عمليات تصدير هذه المستلزمات ( كما فعلت روسيا ). وأبغض هذه الظواهر، هو تعمد بعض الدول سرقة شحنات المستلزمات الطبية، فظهرت «أعمال السطو والقرصنة والتهريب بين الدول جوا وبرا وبحرا للاستيلاء على المستلزمات الطبية، وهو ما أطلق عليه» حرب الكمامات» ومن أبرز حوادث القرصنة الدولية، استيلاء تركيا على طائرة محملة بأجهزة تنفس صناعية عددها 162جهازا، كانت فى طريقها من الصين إلى إسبانيا، كما اعترضت أمريكا مسار شحنة تحمل 200 ألف كمامة و130 ألف كمامة جراحية و600ألف قفاز لمصلحة الشرطة الألمانية فى أثناء نقلها فى تايلاند واتجهت الشحنة إلى واشنطن. وأعلن الرئيس ترامب منع الشركات الأمريكية من تصدير المنتجات الطبية بموجب تفعيل قانون «الإنتاج الدفاعي» لعام 1950. وقامت جمهورية التشيك بالاستيلاء على 680 ألف كمامة وأجهزة تنفس صناعية كانت موجهة من الصين إلى إيطاليا، وبررت ذلك بأنه نتج عن «سوء فهم.. ولامجال لإعادة المعدات بعدما تم توزيعها على مستشفيات البلاد»!

كما زايدت واشنطن بدفع أضعاف الثمن لشراء شحنات كانت متجهة من الصين إلى فرنسا وكانت الطائرات على مدرجات المطارات الصينية،كما اتهمت شركة مستلزمات  طبية سويدية السلطات الفرنسية بمصادرة شحنات تم استيرادها من الصين لمصلحة إيطاليا وإسبانيا، وكذلك قامت إيطاليا بالاستيلاء على شحنة كحول طبى من باخرة قادمة من الصين ومتجهة إلى تونس. ومن ذلك يتضح أن فيروس كورونا كما عصف بصحة البشر عصف بالعلاقات بين الدول.

وسلط فيروس كوفيد 19 الضوء على تقارير منظمة الصحة العالمية التى أوضحت أن نصف سكان العالم يفتقرون إلى التغطية الكاملة من الخدمات الصحية الأساسية، وأن الرعاية الصحية الأولية تعانى قلة الموارد، وهناك عدة دول لاتنفق سوي40 دولارا لكل شخص تحت بند الرعاية الصحية الأولية فى السنة. وجدير بالذكر أن نجاح النظام الصحى يقاس من خلال عدة مؤشرات رئيسية أبرزها التكاليف وشمول التغطية والجودة، وتعانى الأنظمة التى تعتمد على تحميل التكاليف على الأسر والقطاع الخاص، نقصا فى التغطية الصحية للسكان. ويظهر ذلك بوضوح فى أمريكا، فبالرغم من إنفاق الدولة 18% من ناتجها المحلى على الخدمات الصحية، فإن 30 مليون شخص من سكانها لايتمتع بالتغطية الصحية. ولقد أشار الدكتور تيدروس أدهانوم، مدير عام منظمة الصحة العالمية، إلى «أن سبب عدم قدرتنا على منع انتشار الوباء بسهولة وبسرعة هو ضعف الأنظمة الصحية، وهو أيضا ما سبب نقل العدوى للأطقم الطبية ولا يمكن أن يدعى أى بلد أنه يمتلك نظاما صحيا قويا وقادرا على منع ذلك».

وفى تقرير أعده موقع نومبيو المختص بالأبحاث وتصنيف الدول، تم ترتيب الدول بحسب جودة نظام الرعاية الصحية فيها لعام 2019، وجاءت تايوان فى المركز الأول لكفاءة نظم الرعاية بها التى تكفل المواطنين منذ ولادتهم والمطبقة منذ عام 1955، تليها كوريا الجنوبية ثم اليابان والنمسا والدنمارك، واحتلت الولايات المتحدة المرتبة30، والصين المركز 46 فى القائمة. ولقد استخدمت الدول عدة سيناريوهات فى مواجهة الوباء المتفشى اعتمدت فيه على ثلاث ركائز هى تحليل الوضع، والتنسيق، والاستجابة المناسبة، ولذلك تغيرت الأساليب التى طبقتها الدول مع كل مرحلة من مراحل الاصابة بل وصل الأمر ببعضها إلى مناشدة المواطنين ارتداء الكمامات والقفازات الطبية التى سبق ونهتهم عن ارتدائها، كما اختلفت طرق المواجهة فى كل دولة عن الأخرى طبقا لإحصائيات الإصابات وبروتوكولات العلاج المتبعة وطرق العزل والحظر .

وتسابقت المنظمات والهيئات الدولية ودول العالم فى رصد مبالغ طائلة لمواجهة الخطر الذى يهددها، فأعلنت المفوضية الأوروبية تخصيص أكثر من  230مليون يورو لدعم المجهود المبذول لاحتواء تفشى فيروس كورونا،والأمم المتحدة خصصت 15 مليون دولار لمساعدة البلدان الأكثر عرضة لخطر الفيروس،وأصدرت نداء للتبرع بمبلغ 675 مليون دولار لتمويل مكافحة كورونا،ورصدت الحكومة الصينية مبلغ 170مليار دولار لمكافحة الفيروس ،والولايات المتحدة خصصت ما يقرب من 50 مليار دولار لتعزيز مكافحة الوباء، وكذلك بريطانيا خصصت 30 مليار جنيه استرليني،وخصصت اليابان 430مليار ين ،جميع دول العالم رصدت ميزانيات تقدر بالمليارات لإحتواء تفشى الوباء ،وهذا بخلاف أغنياء العالم الذين تبرعوا لإنقاذ بلادهم على سبيل المثال لا الحصر بيل جيتس الذى تبرع بمبلغ 100 مليون دولار، مالك على بابا «جاك ما» الذى تبرع بـ500 ألف اختبار ومليون كمامة و5٫8 مليون دولار لمعامل الأبحاث، وجورجيو أرمانى الذى تبرع 1٫4 مليون دولار لمحاربة الفيروس المتفشى بايطاليا، والسؤال الذى يطرح نفسه وبقوة.. لماذا لم تدعم حكومات الدول برامجها وأنظمتها الصحية بهذه المليارات من قبل مادامت تستطيع توفيرها؟.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق