رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

لماذا أبكتنى هذه القصـة

محمد المخزنجى

فى هذه القصة للكاتب الأمريكى "ريموند كارفر"، والتى ترجمها الشاعر والصحفى اللبنانى الراحل " بسام حجار"، ثمة فقرة يصف فيها الكاتب اللحظة التى أعقبت موت عظيم القصة الإنسانية " أنطون تشيخوف"، حيث طلبت زوجته " أولجا كنيبر" من الطبيب أن يؤجل إعلان الوفاة، لتمكث مع زوجها بمفردها بعض الوقت قبل أن تختطفه منها الصحافة والإجراءات الحكومية، وبعد وصف مناجاة أولجا الصامتة لزوجها الصامت، يغلق الكاتب الفقرة بعبارة سبق أن قرأتها فى أكثر من كتاب عن تشيخوف الذى هو كاتبى المفضل الدائم، وهى من مذكرات أولجا عن هذه اللحظة، تقول: " لم تكن تترامى إلينا أى أصوات بشرية. كان اضطراب الحياة اليومية غائبا. ولم يبق إلا الجمال والدعة وجلال الموت". قرأتها فاضطررت للتوقف عن القراءة إذ امتلأت عيناى بالدموع وغامت الكلمات، ورحت أسائل نفسي: لماذا تبكينى هذه العبارة الآن؟


حددت أن ما أبكانى تحديدا هو جملة " ولم يبق إلا الجمال والدعة وجلال الموت"، واكتشفت أن تعبير " جلال الموت" تحديدا كان اللمسة التى استدرت الدمع لأنها استدعت مشاهد الذين يموتون بلا وداع أحبائهم من ضحايا كورونا المُستجد فى الشمال الإيطالي. مشاهد قاسية تتلوها مشاهد أقسى للتعامل مع الجثامين بأشكال تطيح بأى جلال للموت، وتتحول عندى إلى تثبيت يقينى بضرورة عدم التنازل عن هذا الجلال تحت وطأة أية ضغوط، خاصة وأن هناك حلولا واقتراحات طبية وإنسانية أعتنق فلسفتها، وقد ترددت طويلا فى التعبير عنها، ولها عناوين معروفة مثل " الموت بكرامة" باعتبار فترة المشارفة على الموت ولها مؤشرات ومُرجِّحات يعرفها الطب جيدا هى جزء نفيس من الحياة، ومن ثم هى جديرة بعناية خاصة ومختلفة من رسالة الطب كونه مدافعا عن الحياة، وهذا يتبناه بشكل متنامِ "الطب الحكيم" ( على عكس الطب المدرسى أو الإجرائى أو المُنظماتى أو مفرط الميكنة).

هذه القصة الجميلة والتى ينبع جمالها الفنى والفكرى من الاحترام العميق لجلال الموت، أعتقد أنه من الطبيعى أن تُبكينى الآن، كما يمكن أن تُبكى أى إنسان يشعر بمدى ابتذال الموت تحت وطأة هلع كورنا العالمي، الذى بعضه مُستحق، وبعضُه مصنوع، تحت تلك المظلة المعتمة للجائحة التى يعيشها جنسنا فى هذا الكوكب الآن، والتى سنخرج من أسر عتمتها بإذن الله، ولن يكون خروجنا حقيقيا، شافيا وكافيا، إلا بمحاكمة كل إجرام أساء لجلال الحياة، وجلال الموت.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق