رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

خيارات محدودة أمام الاقتصاد الأمريكى

تنقسم آراء الخبراء حول كيفية مواجهة فيروس كورونا المستجد كوفيد 19 بناء على نموذجين طرحهما الخبراء فى مجال علوم الأوبئة. النموذج الأول طرحه الباحثون فى «امبريال كوليدج» فى لندن وأثار الخوف لدى الحكومتين البريطانية والأمريكية ودفعهما لاتخاذ اجراءات مشددة تتعلق بالتباعد الاجتماعي. وتوقع ذلك النموذج انه اذا لم يتم التصدى للفيروس بشكل حاسم فإنه سيقتل أكثر من نصف مليون شخص فى المملكة المتحدة وأكثر من مليونى شخص فى الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك دون احتساب الوفيات الإضافية الناجمة عن انهيار نظام الرعاية الصحية فى الدولتين.

أما النموذج الثاني، الذى طرحه الباحثون فى جامعة اكسفورد فيقترح ان الفيروس قد أصاب بالفعل 40 فى المائة من المواطنين البريطانيين، ولكن الغالبية ظهرت عليهم أعراض طفيفة أو لم تظهر على الإطلاق. ووفقا لهذا النموذج سيتسبب كوفيد 19 فى عدد كبير من الوفيات وسيفرض ضغوطا هائلة على نظام الرعاية الصحية. ولكن لأن ذلك النموذج افترض أن تكون حالات الإصابة الحرجة أقل، فقد رأى أن فرض الاغلاق الكامل غير محدد المدة لن يكون ضروريا.

وبالتالى من الواضح مدى جاذبية نموذج أكسفورد، ولكن اذا بنى القادة السياسيون خططهم على هذا النموذج ثم تبين اننا نعيش فى العالم الذى وصفه نموذج» امبريال كوليدج» سيكونون قد تسببوا فى زيادة الأوضاع سوءا.

وعلى نفس المنوال، يجب أن ترتكز القرارات الخطيرة المتعلقة بحماية الاقتصاد الوطنى من تأثيرات كوفيد 19 على نماذج. يستخدم الاقتصاديون السياسيون «نماذج النمو» لوصف ما يمكن أن تفعله الدول لتعزيز النمو فى ظل الظروف الطبيعية، ولكن تلك النماذج يمكنها أن تشير أيضا إلى كيفية استجابة الدول فى حالة الأزمات مثل الوباء العالمي.على سبيل المثال، يعد نموذج النمو الأساسى للمملكة المتحدة مدفوعا بالتمويل والإسكان وقبل كل شىء الاستهلاك المحلي.وعندما ضرب فيروس كورونا الاقتصاد البريطانى وتم إبلاغ الجميع بضرورة البقاء فى المنازل ،كانت الاستجابة الضرورية المطلوبة هى اتخاذ اجراءات لزيادة الاستهلاك-مثل توفير 80 فى المائة من الأجور.فى المقابل ،نجد أنه فى ألمانيا،والتى تعد منصة تصدير عملاقة تمتص الطلب من أماكن أخري،شملت الاستجابة الضرورية المطلوبة تقليص أيام العمل وضمان الميزانية العامة للشركات دون دعم الأجور.

بالنسبة للولايات المتحدة ،نجد أن اختيار الطريقة الأمثل لحماية الاقتصاد من تأثيرات الوباء أكثر تعقيدا. فوفقا لنموذج النمو، تعد الولايات المتحدة مصدرا ضخما للمنتجات الأولية والطائرات والأسلحة والنفط والخدمات والبرمجيات والتجارة الالكترونية، ببساطة لأن اقتصادها يمثل ربع اجمالى الناتج المحلى العالمي،ورغم كل ذلك مازال الاستهلاك المحلى العنصر الأهم فى دفع الاقتصاد الأمريكي. ومع أن نموذج النمو الأمريكى لا يعتمد على الائتمان أو على الدين كما ادعى بعض المحللين، فإن الولايات المتحدة تقع فى وسط حزمة دول منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية من حيث نسبة ديون الأسرة مقابل دخل الأسرة .والدور الذى تلعبه ديون القطاع الخاص فى الاقتصاد الأمريكى يجعل من الصعب الإستجابة لأزمة فى حجم وباء كورونا.

تخفيف الصدمة

تميل نماذج النمو المعتمدة على التجارة، مثل تلك الموجودة فى شمال وغرب أوروبا، إلى أن يكون لديها أنظمة رفاه تعمل على «امتصاص الصدمات»وبالتالى تساعد على التخفيف من حدة تأثير الصدمات الاقتصادية. وبوجه عام ، كلما كان اقتصاد الدولة الأوروبية مفتوحا أمام التجارة الدولية كلما كبر نظام الرفاهة الذى تنشئه للعمل «كعازل» فى حالة توقف التجارة.كما تسمح أنظمة الرفاهة الكبيرة لمواطنيها بتحمل كميات كبيرة من الديون، حيث إنها تؤمنهم بشكل فعال ضد فترات البطالة. أكثر الشعوب المديونة فى العالم ليسوا الأمريكيين ولكن الدنماركيين والهولنديين.

وفى المقابل تميل نماذج النمو «الأنجلو أمريكان»، خاصة فى الولايات المتحدة إلى أنظمة رفاهة أضعف وضرائب أقل وقطاعات مالية كبيرة.تحظى هذه النماذج بأسواق عمل أكثر مرونة عن تلك الموجودة فى أنظمة الرفاهة، مما يعنى أنهم يعتمدون تماما على الأجور لدفع النمو. وبما أن تلك الأجور أصبحت تشترى أقل فأقل مع مرور الوقت ،أصبحت بطاقات الائتمان وقروض الطلاب والديون الطبية جزءا أساسيا فى ميزانية الأسرة فى الولايات المتحدة. وعندما تنكمش ميزانية الأسرة بشكل حاد، لا يتم تعويض ديونها عن طريق «امتصاص الصدمات» كما يحدث فى ألمانيا والمملكة المتحدة. ويعد عدم وجود «ماصات للصدمات»جزءا لا يتجزأ من نموذج النمو الأمريكي، وفى الظروف الطبيعية يعتبر ذلك الأمر ميزة وليس عيبا.فعندما تتعرض أنظمة، مثل النظام الأمريكى ،للصدمات تميل نحو انقاذ نظامها المالى للإبقاء على تدفق الائتمان وتسمح للاقتصاد الحقيقى بامتصاص الضربة من خلال البطالة وسياسات التقشف.

والمفترض انه مع عدم وجود ماصات للصدمات سيتم تعديل الأسعار والأجور بسرعة، وسيعاد توزيع رأس المال، وسيعود النمو دون حاجة لتدخل الدولة. ولكن لسنا فى ظروف طبيعية. وأصبح مسئولو السياسات الأمريكية يدركون الآن أن النهج المعتاد لن يجدى فى ظل وباء كورونا.

تضخيم الكارثة

خلال الأزمة الاقتصادية العالمية،كان للولايات المتحدة ميزة كبرى على الدول الأخري: وهى أنها تطبع عملات الاحتياطى العالمي. فالدول الأخرى تحتاج للدولارات الأمريكية لأن أنظمتها المصرفية تقرض بالدولار حتى لو لم تكن تطبعه. وخلال الأزمات السابقة ،مثل الأزمة المالية فى 2008 والانهيارات الحادة فى الأسواق العالمية، تم تصحيح الانخفاضات الحادة فى الأسواق المالية العالمية من خلال الإجراءات التى اتخذها الاحتياطى الفيدرالي، مثل خفض معدلات الفائدة وبرامج شراء السندات. ولكن هذه المرة ،لم تحقق اجراءات الاحتياطى الفيدرالى تأثيرها المهدئ المعتاد: فقد استمر انهيار الأسواق المالية وفشلت هيمنة الدولار فى منع هروب الأموال.ورغم موافقة الكونجرس على تمرير حزمة استقرار اقتصادى بقيمة تريليونى دولار،إلا أن عدم قدرة الولايات المتحدة على تحديد من تريد إنقاذه (الشركات أم المستهلكين) يعكس التوترات الكامنة فى نموذج النمو الأمريكي.

عادة ما تختار الولايات المتحدة حماية رأس المال مع ترك العمال ببساطة يتكيفون من خلال البطالة.ولكن هذا الإجراء تحديدا ، والذى يعتمد على حماية اللاعبين الكبار وترك العمال يتلقون الضربة،هو السبب الرئيسى وراء كون وباء كورونا «كارثة مضخمة» بالنسبة لنموذج النمو الأمريكى بطريقة لا تنطبق على ألمانيا أو المملكة المتحدة.

يعمل نموذج النمو الأمريكى بشكل جيد عندما تكون البطالة قليلة، ويتم كسب الأجور وانفاقها، ويتم إعادة تدوير الائتمان بحيث يستطيع التغطية على الفرق بين الأجور والتكاليف من قبل المستهلكين والشركات.ولكن عندما تتجمد الأسواق ولا يمكنها تسعير الأصول بشكل صحيح (لا أحد يعلم قيمة أسهم خطوط يونيتد ايرلاينز لأنه من غير المعلوم متى سيستأنف الأمريكيون الطيران) ينهار نموذج النمو.وما أن يحدث هذا، يصبح من الصعب العثور على القاع.

يستطيع الاحتياطى الفيدرالى والكونجرس محاولة وضع حد أدنى لأسعار الأصول عن طريق إنقاذ الشركات ولكن لا يوجد قاع لأزمة الاستهلاك الأوسع نطاقا الناتجة عن تسريح ثلث العمالة فى حين أن الثلثين الآخرين معزولون بالمنازل لفترة زمنية ممتدة.فى هذه الحالة تصبح الاجراءات الخاصة بإنقاذ رأس المال وتوقع تكيف العمالة مع خفض الأجور والبطالة أمرا مستحيلا، نظرا لحجم الإغلاق.

تأسس نموذج النمو فى الولايات المتحدة بشكل لايمكن معها تطبيق الإغلاق دون إلحاق أضرار كارثية بالنموذج. فالنموذج يعتمد على تعديل المسار من خلال خفض الأجور والبطالة بدلا من زيادة نفقات الرفاهة. ويمكن للقادة السياسيين التفكير فى تقديم إعانات البطالة المؤقتة، بدلا من التحويلات النقدية شبه الدائمة (ما يفعله البريطانيون).

ويعتبر الحل البريطانى ساما للغاية من الناحية السياسية ،ولن يكون سوى مجرد وسيلة قصيرة المدى فى السياق الأمريكي.وبالتالى مجرد ما اتضح أن الاستجابة الصحيحة للوباء (على الأقل وفقا لتحذيرات أمبريال كوليدج) هى وضع الاقتصاد فى حالة سبات لعدة أشهر،بدأ القادة الأمريكيون فى البحث عن حلول أخري.

من بين الحلول البديلة ،والذى قدمه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، هو ببساطة «إعادة تشغيل الاقتصاد».والتكلفة المباشرة لمثل هذا الإجراء، وفقا لنموذج إمبريال كوليدج فى لندن، هو وفاة حوالى 2٫2 مليون أمريكي.أو كما اقترح دان باتريك حاكم ولاية تكساس بصراحة خلال مقابلة صحفية «على المسنين أن يموتوا لإنقاذ الاقتصاد».

ولكن للأسف، حتى لو ثبت صحة نموذج أكسفورد الأقل قتامة، فإن إعادة تشغيل الاقتصاد لن يكون مجديا، لأن ذلك النموذج يعنى أن 70 فى المائة من الأمريكيين سيصابون بالفيروس مما قد يتطلب رعاية صحية مركزة لأكثر من عشرة فى المائة من الحالات. واذا عاد الأمريكيون إلى العمل فان معدلات العدوى هذه ستغلق أسواق العمل بشكل فعال سواء شاء الرئيس أم لا. كما أنه من المستبعد أن يتدفق المستهلكون على مراكز التسوق عندما يمكنهم حرفيا «التسوق حتى يسقطوا» بسبب سوء وضعهم الصحي. كما أنه من غير المحتمل أن تستثمر الشركات ،التى يملأ العاملون بها غرف الطوارئ فى المستشفيات، فى منتجات لن يتمكنوا من شحنها.

تواجه الولايات المتحدة،الذى يبلغ عدد سكانها 330 مليون شخص وبها270 مسدسا و80 مليون عامل بالساعة بدون أجور مرضية، تحديا يختلف عما تواجهه الدول الأخري.فتجميد الاقتصاد لمدة ستة أشهر أو أكثر قد يدمر ما تبقى من نسيجها الاجتماعى ومعه نموذج النمو الخاص بها. كما أن إعادة تشغيل الاقتصاد قد يحول الوباء إلى «طاعون» قد يتسبب فى خسائر كبيرة مثل التجميد.

التخلى عن الإغلاق

والسؤال الذى يطرح نفسه، أيا من هذه المسارات غير الجذابة من المرجح أن تختار الولايات المتحدة؟ مرة أخري، نجد أن فحص نموذج النمو فى الولايات المتحدة يعتبر كاشفا. فهو يقترح أن الولايات المتحدة ستقوم بإنقاذ الشركات مؤقتا، وتدعم الاستهلاك جزئيا، وتتخلى عن الإغلاق فور أن تستطيع ذلك. ويبدو ترامب ومن حوله مستعدون للمقامرة ببضعة ملايين من الأرواح مقابل إنقاذ أصولهم، مراهنين على أن نظام الرعاية الصحية سيكون قادرا دائما على رعاية النخبة.

واذا ثبتت صحة نموذج امبريال كوليدج فان إعادة تشغيل الاقتصاد الأمريكى سيضاعف من الأضرار، أما اذا ثبتت صحة توقعات نموذج إكسفورد فإن اقتصادات الدول الأخرى ستتعرض لأضرار اقتصادية أقل من الولايات المتحدة وستتعافى بشكل أسرع لأن عمليات الإغلاق ستتسبب فى أضرار اقتصادية أقل من فتح الأبواب أمام العدوى غير المنضبطة.

ربما تشهد البورصة الأمريكية ارتفاعا إذا ما صحت توقعات نموذج إكسفورد، ولكن ذلك لن يقدم شيئا للملايين من العمال بالساعة الذين تم تسريحهم، ولا لآلاف الشركات التى أفلست، ولا للملايين الإضافيين الذين قد يصابون بالعدوى اذا عادت الولايات المتحدة للعمل فى وقت مبكر للغاية.

إذا سلكت الولايات المتحدة هذا المسار، قد تصل فى النهاية إلى تلك اللحظة التى أكد الرئيس الأمريكى الأسبق بيل كلينتون أنها «لن تأت أبدا»: وهى عندما يراهن الناس ضد أمريكا. واذا كانت أفضل استراتيجية للقادة الأمريكيين فى ظل الوباء هى «دعها تتمزق»،ستكف باقى دول العالم عن النظر للولايات المتحدة بوصفها نموذجا للنمو أو لأى شيء آخر.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق