رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بوتين بين نارين .. «كورونا» وانتقادات مواطنيه

رسالة موسكو د. سامى عمارة

الرئيس فلاديمير بوتين يقف فى مفترق طريق .. وهناك من يقول إنه بين شقى الرحى .. «كورونا» وتبعاتها من جانب، وانتقادات وشكوى مواطنيه، وما تتعرض له بلاده من عقوبات من جانب آخر.

فبعد الإعلان عن إصابة كبير أطبائه الذى رافقه فى زيارته لأكبر موقع للعزل الصحى بضواحى العاصمة الروسية، وبعد انتشار عدوى «كورونا» فى موسكو التى تحولت إلى أكبر مركز لانتشار هذا الفيروس القاتل، اتخذ بوتين عددا من القرارات السريعة التى تستهدف وقف انتشار هذا الوباء، ومنها فرض «العزل الذاتي» على كل سكانها حتى 30 أبريل الجاري، وحظر عودة العالقين من مواطنيه بالخارج حتى إشعار آخر، وفرض الانضباط فى الشارع الروسى من منظور إقرار التشريعات اللازمة وتغليظ العقوبات التى تصل حتى السجن لمدة سبع سنوات.

ورغم كل الجهود التى يبذلها بوتين فى هذا الصدد، فإن هناك من يحاول النيل من هذه الجهود، فى نفس الوقت الذى تتمسك فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها بما فرضته من عقوبات ضد بلاده. 

وقد سجلت الأجهزة الطبية الروسية «انفجارا» يتسع نطاقه يوما بعد يوم فى عدد الإصابات والوفيات التى شهدتها روسيا منذ بداية انتشار فيروس كورونا داخل البلاد فى فبراير الماضي.

وكان الرئيس بوتين وفى خطابه «الاستثنائى» الثانى منذ بداية الأزمة قد حذر من أن ذروة تفشى كورونا، وحسب خبراء الأمراض المعدية، لم تأت بعد، لا فى العالم ولا فى روسيا، وقال «إن الوضع فى بعض مناطق البلاد أكثر خطورة مما هو عليه فى المناطق الأخرى»، فيما اعترف بأن السلطات الروسية لم تتمكن بعد من إحداث تغير جذرى فى وضع انتشار الفيروس فى العاصمة موسكو.

وأضاف: «من المهم مبدئيا، حسب اعتقادي، أننا نستطيع حتى الآن بشكل عام حماية كبار السن من الخطر ومنع تفشى الوباء داخل رياض الأطفال والمدارس والجامعات وغيرها من المؤسسات التعليمية».

وفيما أعلنت المصادر الرسمية عن أن الأيام القلائل الماضية سجلت أكبر نسبة من المصابين والضحايا، أعربت سلطات العاصمة عن أن نصيب موسكو من هؤلاء يزيد عن السبعين فى المائة، وهو ما يدفعها إلى المزيد من التشدد . وكشفت سلطات سان بطرسبورج ثانى كبريات المدن الروسية عن «طفرة مفاجئة» أيضا فى عدد المصابين الذين بلغوا فى اليوم الأخير 48 حالة، بينما لم تكن أعداد المصابين تتعدى يوميا منذ بداية الأزمة أكثر من بضعة أفراد، وهو ما دفع سلطات المدينة إلى تشديد الرقابة وضبط حركة التنقلات بمساعدة الأمن وفرق المتطوعين والتى بلغت حد فرض نظام «الحجر الذاتى» ومنع الدخول والخروج من المدينة، على نحو مماثل لما تطبقه سلطات العاصمة موسكو.

وعزت السلطات الطبية الروسية هذه «الطفرات المفاجئة» إلى أن روسيا تقترب من «ذروة الإصابات بفيروس الكورونا».

ونقلت وكالة «سبوتنيك» الحكومية عن نيكولاى بريكو كبير أخصائى الأوبئة فى وزارة الصحة الروسية «أن عدد الحالات الجديدة لعدوى الفيروس التاجى سيزداد على الأرجح خلال الأيام القليلة المقبلة، لكنه سوف ينخفض تدريجيا، بسبب التدابير التى يتم اتخاذها، وهى كثيرة وصارمة».

ومن اللافت أن السلطات الروسية التى كانت أعلنت عن تزايد اهتمامها بإعادة المواطنين الروس العالقين فى الخارج والذين بلغت أعدادهم قرابة الأربعين ألف مواطن، أغلبهم من السائحين الذين تجاهلوا ما تمر به البلاد من أزمات وغادروها لقضاء إجازاتهم فى ربوع المنتجعات العربية والأجنبية، عادت لتعلن مساء الجمعة الماضية عن حظر الرحلات الجوية الدولية التى كانت مقررة لإعادة المواطنين الروس الى الوطن اعتبارا من منتصف ليل الرابع من ابريل الجاري، وإن «أعلنت عن تكفل السلطات الروسية بصرف المعونات الاجتماعية اللازمة خلال إقامتهم فى الخارج، فيما وعدت بوضع جداول زمنية لإعادتهم إلى روسيا وفق مقتضيات الموقف»، إلى حين تدبير السبل اللازمة لإعادتهم وتنظيم استقبالهم، وحتى انتهاء فترة الحظر المتوقع إعلانه مع مطلع مايو المقبل، وهو ما رصدت له الحكومة الروسية مبلغ نصف مليار روبل.

وكانت مصادر مؤسسة «روس توريزم» (السياحة الروسية) قد أعلنت أن عدد العالقين حتى 27 مارس الماضى كان يقترب من التسعين ألف مواطن غالبيتهم من السائحين الذين سددوا مجمل تكاليف رحلتهم السياحية بما فيها تذاكر العودة، وأنه جرى تنظيم إعادة ما يزيد عن نصف هذا العدد قبل نهاية الشهر الماضي، فيما عادت لتشير بالأمس إلى أن الحظر إجراء مؤقت سوف يلحقه استئناف إعادة العالقين، لكن وفق برنامج يراعى التوزيع الجغرافى للعائدين وأعدادهم.   

وفى موسكو، أعلنت مصادر الكرملين بعد اكتشاف إصابة دينيس بروتسينكو كبير أطباء الحجر الصحى فى موسكو الذى رافق الرئيس بوتين خلال زيارته للمستشفى المركزى فى «كوموناركا» بضواحى العاصمة بفيروس «كورونا»، عن سلامة الرئيس الروسي، وأنه يجرى بانتظام الاختبارات اللازمة، بعد أن كان ديمترى بيسكوف الناطق الرسمى باسم الكرملين يقول فى السابق إنه يجرى الاكتفاء باختبار سلامة الدائرة المحيطة بالرئيس الروسى وكل الشخصيات التى يتعامل معها، وعاد ليقول لاحقا إن بوتين يتعامل مع أعضاء حكومته من خلال «الفيديو كونفرانس»، فى الوقت الذى شرعت فيه سلطات العاصمة فى اتخاذ مختلف الإجراءات الصارمة التى تقترب من حالة الطوارئ وحظر التجول.

ومن اللافت فى هذا الصدد، ما يبدو اليوم على صعيد توزيع المهام والمسئوليات فى النسق الأعلى للسلطة، وما يرصده المراقبون والمواطنون على حد سواء، من «تصعيد غير معلن» لعمدة موسكو سيرجى سوبيانين وتقدمه إلى صدارة المشهد، بعد أن كان أحد المرشحين الرئيسيين لتولى منصب رئيس الحكومة خلفا لديمترى ميدفيديف فى يناير الماضي، واكتفت القيادة بالكرملين باختيار بعض «معاونيه» من بلدية موسكو إلى منصب نائب رئيس الحكومة ومنهم مارات حسنولين (مراد حسن الله التترى القومية).   

وعودة إلى «كورونا فيروس» وإستراتيجية بوتين فى مواجهة الأزمة، نشير إلى أن اهتمام الرئيس الروسى لا يقتصر على توفير السبل اللازمة لمواجهة هذا «الوباء العالمي» والتدخل فى كل «تفاصيل اللحظة»، على الداخل الروسى وحده، بل ويحرص ومنذ البداية، على أن يكون على مقربة من كل ما يجرى على الصعيد العالمى فى هذا الشأن. ويذكر المراقبون أنه بادر فى مطلع فبراير الماضى بإرسال المعونات الطبية ومنها الكمامات والأقنعة الواقية وأجهزة التنفس الصناعى إلى الصين، ليعود ويتخذ خطوات مماثلة بإرساله 15 طائرة نقل عسكرية إلى إيطاليا محملة بالأجهزة والمستلزمات الطبية وأطقم الأطباء العسكريين الذين ينتشرون اليوم فى المناطق الإيطالية فى إطار محاولات احتواء الكارثة والخروج بإيطاليا إلى بر الأمان، فضلا عن مساعدات مماثلة أرسلها الجانب الروسى إلى صربيا.

وها نحن أخيرا أمام قراره حول إرسال «المعونات» إلى الولايات المتحدة التى طالما تزعمت، ولا تزال، حملات فرض العقوبات الاقتصادية والسياسية والعسكرية ضد بلاده.

وفى الوقت الذى أعلن فيه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فيه عن أن بوتين طلب منه مرتين فى السابق رفع العقوبات المفروضة ضد روسيا، أكد ديمترى بيسكوف عدم صحة هذه التصريحات، وكشف عن اتصال هاتفى بين الرئيسين تناول فى معظم جوانبه حرب أسعار النفط وفنزويلا والموقف من «كورونا»، سرعان ما أعلنت موسكو بعده عن قرار الرئيس بوتين بإرسال طائرة نقل عملاقة تحمل مختلف أجهزة التنفس الصناعى والمستلزمات الطبية كمعونة «رمزية» إلى الولايات المتحدة.

وبينما يحتدم الجدل حول أبعاد هذه الخطوة وحقيقة ما وراءها، قالت مصادر روسية إنها تاتى فى إطار التعاون الإنساني، وأن اتفاقا «غير معلن» بين الرئيسين حول احتمالات تقديم الولايات المتحدة لاحقا معونات إلى روسيا إذا ما تطلبت الظروف ذلك.

لكن وزارة الخارجية الأمريكية سارعت لتعلن أن «المعونات الروسية مدفوعة الثمن»، وهو ما اضطر موسكو إلى تكليف ماريا زاخاروفا الناطقة باسم الخارجية الروسية بإعلان أن الجانب الأمريكى «دفع نصف ثمن الشحنة»، بينما تولى الصندوق الروسى للاستثمارات المباشرة سداد ثمن النصف الآخر، حسبما أشارت وكالة «إنترفاكس»، وذلك فى وقت مواكب لما نقلته «واشنطن بوست» عن أندرو فايس خبير مركز كارنيجى فى واشنطن حول «أنه من المثير للدهشة أن تقوم روسيا وهى الدولة التى فرضت عليها الولايات المتحدة العقوبات بسبب تدخلها فى الانتخابات الأمريكية فى عام 2016، وضمها للقرم فى عام 2014، بإرسال طائرة نقل عسكرية عملاقة محملة بالمعونات الطبية إلى الدولة التى فرضت العقوبات ضدها»، ووصف الخبير الأمريكى هذه الخطوة بأنها «خدعة دعائية من جانب الكرملين»، لكن هناك من يقول برأى مغاير، مثل أندرو فوكسال المعلق البريطانى الذى قال إن «المعونات الروسية للولايات المتحدة هدية إلى بوتين وليست هدية من بوتين».

وأعرب الخبير البريطانى عن يقينه من أن هذه الخطوة محاولة من القيادة الروسية لإقناع مواطنيها بأن الأحوال فى الولايات المتحدة أكبر دولة فى العالم، أسوأ بكثير عن مثيلاتها فى روسيا.

وجاء ذلك فى وقت تتعالى فيه الهمهمات و«الصرخات المكتومة» داخل روسيا احتجاجا على إرسال «المعونات» إلى الخارج، التى يحتاجها مواطنو الداخل ممن يجأرون بالشكوى من عدم توفر «الكمامات» و«السترات الطبية» التى اختفت ليس فقط من الأسواق، بل ومن كثير من المستشفيات الروسية، فيما صارت «سلعة» تجرى المضاربة بأسعارها التى قفزت إلى مئات أضعاف أسعارها الحقيقية.

وثمة من يشير إلى أن السبب الحقيقى فى إرسال هذه المعونات يكمن فى رغبة القيادة الروسية فى إقناع البلدان الغربية بضرورة رفع العقوبات المفروضة ضد روسيا وحلفائها، حسب تقديرات بعض المراقبين المحليين والأجانب، رغم محاولات الكرملين نفى ذلك.

وكانت الأيام القليلة الماضية قد شهدت تقدم روسيا وعدد من حلفائها بمشروع قانون إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة حول ضرورة رفع العقوبات المفروضة دون موافقة الأمم المتحدة ضد عدد من البلدان منها إيران وفنزويلا وكوبا.

وفى الوقت الذى انتظر فيه كثيرون نزول الولايات المتحدة وحلفائها عند رغبة الغالبية من أعضاء المجتمع الدولى على ضوء تفاقم أخطار الوباء العالمي، والحاجة الحقيقية لحشد الجهود والتعاون فى مكافحة هذا الوباء، أعلنت الولايات المتحدة عن رفضها لمشروع القرار ومعها بريطانيا وبلدان الاتحاد الأوروبي، هكذا صراحة ودون أى مراعاة لأى حسابات أو اعتبارات، راهنة كانت أومستقبلية، وهو ما أعربت وزارة الخارجية الروسية عن انتقادها ورفضها له، فى بيان أكد أن عددا من اللاعبين الرئيسيين فى الساحة العالمية يضعون بسطاء البشرية على شفا الكارثة، وأهابت بمنظمة الأمم المتحدة أن ترفع صوتها من أجل العمل لإنهاء سياسة العقوبات.

وعلى صعيد تشديد العقوبات على كل المخالفين للقوانين والتعليمات الخاصة بمواجهة الأزمة، أعلن مجلس الدوما عن عدد من التعديلات التشريعية التى تتراوح بين الغرامات التى تتدرج لتصل حتى 700 ألف روبل، أى قرابة عشرة آلاف دولار، بل وتتزايد حتى زهاء 25 ألف دولار، والسجن حتى سبع سنوات.

وأعلن مجلس الدوما أيضا عن تغليظ العقوبات على كل مرتكبى جريمة ترويج الأخبار الكاذبة التى تتراوح أيضا بين الغرامات والسجن، فى نفس الوقت الذى أعلن فيه عدد من رموز المعارضة السياسية عن احتجاجهم تجاه تشديد العقوبات التى اعتبروها «مساسا بحقوق الإنسان»، حسبما أشار موقع «نيوز. رو» فى العاصمة موسكو.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق