رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

روسيا تتساءل عن دور رجال الأعمال فى مواجهة الأزمة

قازان تتارستان د. سامى عمارة

فى خطاب استثنائى أعلن الرئيس فلاديمير بوتين سلسلة من الاجراءات التى تستهدف روسيا من خلالها تجاوز الازمة الراهنة، مؤكدا ان الحفاظ على صحة وحياة مواطنيه يظل فى صدارة الدولة والحكومة. جاء هذا الخطاب فى توقيت بالغ الحرج تشهد فيه روسيا تصاعد وتيرة الكارثة، وتزايد عدد المصابين بالفيروس القاتل إلى ما يقترب من ذروة المأساة التى حددت لها السلطات الصحية الروسية شهر أبريل الحالي، وإن كشف بوتين عن توقعاته حول احتمالات تجاوز الأزمة الراهنة فى غضون ما يتراوح بين شهرين - وثلاثة أشهر، فى توقيت تتداول فيه الألسنة ما يتناثر من أنباء حول المسئولية الاجتماعية لمليارديرات روسيا تجاه الوطن الذى طالما سلبوه ثرواته على مدى عقود طويلة منذ انهيار الاتحاد السوفيتى السابق.

وهاهو بوتين يعود إلى صدارة المشهد بعد أن كان ترك الساحة لرئيس حكومته ميخائيل ميشوستين بعض الوقت، ليمسك بدفة الأمور معلنا «إغلاق حدود روسيا، دخولا وخروجا» اعتبارا من 30 مارس دون أن يحدد موعداً بعينه نهاية لهذا الحظر الاضطراري، وإن أعلن عن مايو- يونيو تاريخا محتملا لانفراج الغُمًة. انصرف بوتين عن تركيز جل اهتمامه بما كان أعلنه فى صدارة أولويات سياساته خلال الأشهر الأخيرة حول التعديلات الدستورية التى تتمحور، وحسب كل تقديرات المراقبين، حول استمراره فى سدة الحكم ربما لولايتين أخريين بعد انتهاء مدة ولايته الدستورية الرابعة فى 2024. اكتفى بوتين بالقول إنه ورغم كل اهتمامه بهذه التعديلات التى يرى فيها مستقبل روسيا، فانه يبدو مضطرا إلى طلب تأجيل موعد الاستفتاء الشعبى على هذه التعديلات حتى وقت لاحق، بعد أن كان مقررا له 22 أبريل من هذا العام، وتركيز الاهتمام الأكبر لكل السلطات الرسمية والشعبية فى روسيا من أجل تخليص روسيا ومواطنيها من ربقة الكارثة. وفيما تصاعدت معدلات الإصابات التى راحت تتقافز بسرعات عالية، وتنتقل من معدل عشرات الاصابات فى اليوم الواحد، إلى المئات التى قفزت بمجمل العدد إلى ما فوق الألف ونص فى الألف، توقف بوتين ليعلن إحكام السيطرة على العاصمة التى يظل معدل الإصابات فيها الأقسى والأصعب بأرقام وصلت بها وحدها إلى ما يزيد على نسبة 60-70% من مجمل الإصابات التى دهمت الدولة الروسية. وللتخفيف من حدة الكارثة وتبعاتها الاقتصادية أعلن الرئيس الروسى سلسلة من القرارات الاقتصادية التى تستهدف الحد من وطأة الركود الاقتصادى على الأسر محدودة الدخل، وممثلى الصناعات الصغيرة والمتوسطة. قال بوتين بتخصيص حزمة من الاعانات المادية لأصحاب الدخول الصغيرة، وصرف مبالغ مالية تظل دون المستوى الذى ينشده مواطنوه ( فى حدود أربعة آلاف روبل أى ما يقرب من 55 دولارا) للمتقاعدين والمسنين، وإقرار فترة سماح تصل إلى ستة اشهر وقد تزيد، لسداد القروض البنكية والرهون العقارية، وإلزام رجال الأعمال بعدم تسريح أى من العاملين فى مؤسساتهم، وهى قرارات تظل محدودة التأثير نظرا للضغوط والخسائر التى تتكبدها الدولة من جراء انخفاض أسعار النفط والمحروقات، وانهيار العملة الوطنية، وإن بدأت تستعيد ثانية بعض «عافيتها». ومن هنا تذكر كثيرون ما سبق ولجأ اليه الرئيس بوتين لتمويل كثير من المشاريع القومية من خلال الضغط غير المعلن على كبار رجال الأعمال ومليادريرات روسيا ممن سبق وصارحهم فى مستهل سنوات حكمه فى مطلع القرن الحالى بأن «كثير من ثرواتهم آل إليهم عن غير وجه حق». وفيما سارع بعض هؤلاء المليارديرات بإعلان استعدداهم للمساهمة فيما حددته الدولة من خطط لمواجهة الكارثة، والتخفيف من الأعباء الاقتصادية التى ألقت بها الكارثة على كاهلها، ومنهم الملياردير أوليج ديريباسكا (صاحب الفيديو الشهير الذى ظهر فيه أمام بوتين فى عام 2008 يوقع صاغراً على وثيقة استعادة حقوق عماله)، وميخائيل جوتسيرييف أحد أبرز ممثلى رجال الأعمال فى مجال النفط والعقارات، لم يعلن بعد أى من المعروفين بثرائهم الفاحش عن خطوات تذكر فى هذا الاتجاه. وكان أوليج ديريباسكا أكبر مليارديرات الألومنيوم فى العالم أعلن بدء توفير ما يقرب 250 جهاز اختبار فيروس «كوفيد-19» ، وتزويد المستشفيات القريبة من مقار مؤسساته ومصانعه، بكل ما يلزمها من معدات ومستلزمات طبية، إلى جانب بناء عدد من المراكز الطبية الجديدة لمواجهة الأزمة، فى الوقت الذى بادر فيه ميخائيل جوتسيريف، إبن إنجوشيتيا ذات الأغلبية السكانية المسلمة المجاورة للشيشان فى شمال القوقاز، بإعلانه عن وضع سبعة من أفخر فنادقه فى العاصمة الروسية تحت تصرف السلطات المحلية لاستخدامها مقار للمراكز الطبية المؤقتة وسكن أطقم الاطباء والتمريض. أما الملياردير فلاديمير بوتانين، الذى يملك أرصدة وثروات تتجاوز عشرين مليار دولار، فقد اكتفى بالتبرع بمليار روبل أى ما يقرب من 150 مليون دولار، لمساعدة العائلات محدودة الدخل، وهو مبلغ زهيد لا يقارن بما فى مقدوره أن يفعله، فضلا عن عدم حصافته التى بلغت به بإعلان أن ذلك لن يتم سوى عبر مسابقة تحدد نتائجها، أسماء من يمكنهم «الفوز» بما قد ينعم به عليهم. ومع ذلك يبدو بوتانين ورغم «تواضع مبادرته» التى تتسم بطابع يفتقد الكثير من الانسانية، أفضل من زملائه من أثرياء روسيا الذين طالما استباح كثيرون منهم ثرواتها على مدى عقود طويلة، دون الوفاء بالتزاماتهم تجاه الوطن بما فى ذلك التهرب من الضرائب والانزلاق إلى جرائم تهريب الأموال إلى الخارج.

ومن هنا تتناثر التساؤلات على شفاه الملايين من أبناء روسيا حول ما يمكن أن يقدمه مليارديرات «الوطن» ممن يتصدرون قوائم «فوربس» لأثرى أثرياء العالم، إلى أبناء جلدتهم ممن يواجهون الكارثة فى أبشع صورها. ومن هؤلاء جينادى تيمشينكو، وسليمان كريموف، والكسى مورداشوف، وميخائيل بروخوروف الذى تقدم يوما لمنافسة بوتين فى انتخابات الرئاسة الروسية، وغيرهم من نظرائهم من المجموعة المعروفة بعلاقاتها القريبة بالرئيس بوتين فى سان بطرسبورج ومنهم جوتينبيرج وآخرون كثيرون. كما أن أحدا لم يسمع بعد شيئا عن مساهمات «غاز بروم» و»روس نفط» وهما من أكبر مؤسسات الغاز والنفط فى العالم. وذلك ما يقف مواطنو روسيا فى انتظار ما يمكن أن يتخذه فلاديمير بوتين من قرارات «معلنة» او «غير معلنة»، لإرغام هؤلاء على القيام بواجبهم الاجتماعى الذى كان أشار اليه فى خطابه إلى الأمة. وبهذه المناسبة يتوقف كثيرون من مواطنى روسيا بكثير من الدهشة المفعمة بالأسى والأسف عند ما قام به الملياردير اليهودى الروسى الإسرائيلى الجنسية رومان ابراموفيتش مالك نادى «تشيلسي» فى لندن، الذى أعلن تخصيصه أحد أكبر الفنادق التى يملكها فى العاصمة البريطانية لإقامة الأطباء العاملين فى مجال مكافحة فيروس «كوفيد-19» والتكفل بنفقات إعاشتهم، فيما تتعالى الهمهمات والتساؤلات عما قد يتخذه من خطوات مماثلة تجاه الوطن الذى سبق أن سلبه كثيرا من أرصدته وثرواته التى آلت إليه «عن غير وجه حق».

على أن ذلك لا يعنى أن مواطنى روسيا يغفلون عما يمكن أن يقوم به الرئيس بوتين تجاه من يعرف جيدا أبعاد رءوس الأموال ومواطنيها ذات الأصول الروسية التى يكتنزها العديدون من أبناء الوطن، ولهم فيما شهده الماضى القريب من أحكام بالسجن والغرامات المالية صدرت فى حق عدد من رموز «الأوليجاركيا» الروسية فى مطلع القرن الحالى وما بعد ذلك، خير مثال لما ينتظرونه منه.

ومن هنا يقولون «انهم لقاعدون» فى انتظار نتائج الاجتماع الذى لا بد أن يجمع بوتين أو رئيس حكومته ميشوستين مع من تناسى أويتناسى مسئوليته الاجتماعية من القادرين على تعويض ما تتكبده روسيا من خسائر اقتصادية وأعباء مالية، من جراء «كوفيد-19»، فضلا عما نجم عن انخفاض اسعار النفط من انهيار للعملة الوطنية.

وحتى ذلك الحين يتداول كثيرون فى موسكو وخارجها الأخبار التى تقول بأن هناك من أثرياء روسيا من يتكالبون اليوم على شراء أجهزة التنفس الصناعي، رغم تصريحات المصادر الحكومية الروسية الرسمية حول وجود ما يكفى منها للمراكز الطبية والمستشفيات، وهو ما ينفيه البعض من ممثلى الأقاليم ممن يجأرون بالشكوى من نقص الخدمات الطبية ومكابدة السلطات المحلية أعباء وتبعات الكارثة لأسباب كثيرة منها النقص الكبير فى أعداد الأطباء وأطقم التمريض. وكان الرئيس بوتين أصدر تعليماته الى دينيس مانتوروف وزير الصناعة والتجارة الروسى بالعمل على سرعة توفير المزيد منها، فى الوقت الذى يبلغ فيه سعر الجهاز الواحد منها ما يقرب من 25 ألف دولار، ألى جانب العمل كما يقولون ( 24-7) أى على مدى 24 ساعة سبعة أيام فى الاسبوع ، فى توقيت تسير فيه الدولة الروسية بخطوات حثيثة صوب التوصل إلى «تطوير دواء لعلاج المرض الذى يسببه فيروس كورونا «كوفيد-19»، على أساس عقار «مفلوكوين» المضاد للملاريا»، حسب إعلان الوكالة الفيدرالية الروسية للطب والبيولوجيا. وكانت الوكالة الروسية كشفت عن توصل المركز العلمى الإنتاجى «فارم زاشيتا» إلى «وضع خطة لعلاج عدوى فيروس كورونا على أساس عقار «مفلوكوين» المضاد للملاريا، استنادا الى ما توصلت اليه التجارب الصينية والفرنسية، مع مراعاة توصيات منظمة الصحة العالمية، بينما أشارت إلى أن الوكالة تقدمت إلى وزارة الصحة الروسية بمقترح إدراج الدواء والخطة العلاجية فى توصياتها المنهجية بشأن الوقاية والتشخيص والعلاج من عدوى فيروس «كوفيد-19.» على أن ذلك كله يظل فى إطار «الآمال المؤجلة» لأن استخدام الأمصال الجديدة لن يتم على نطاق جماهيرى واسع، إلا بعد مرور هذه الأمصال للعديد من التجارب التى قد تستغرق أكثر ستة اشهر على أقل تقدير.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق