رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بريطانيا تستعد لتسونامى الكورونا

رسالة لندن منال لطفى

«إذا أبقينا مستوى الوفيات فى حدود 20 ألف شخص، سيكون هذا إنجازا جيدا جداً» قال البروفيسور ستيفن باويس، مدير خدمة الرعاية الصحية فى إنجلترا فى المؤتمر الصحفى اليومى للحكومة حول فيروس كورونا. حتى الآن توفى فى بريطانيا أكثر قليلاً من ألف شخص، وهذا يعنى أنه خلال الشهرين المقبلين تتوقع الحكومة وفاة نحو 19 ألف شخص آخرين، وإذا توقف العدد عند هذا الرقم سيكون هذا «أفضل سيناريو ممكن» بحسب الخبراء الطبيين للحكومة، أخذاً فى الاعتبار سرعة تفشى فيروس كورونا وعدم وصول بريطانيا بعد لمرحلة ذروة المرض.

 

إنها صورة مرعبة بكل المعايير، ولكنها مرآة لما سيحدث. وربما هذا ما دفع رئيس الوزراء البريطانى بوريس جونسون الذى أصيب بالفيروس ومعزول حالياً فى غرفة بالدور الثانى فى «دواننج ستريت» إلى إرسال 30 مليون خطاب للأسر البريطانية يحذر فيها من أن «الأمور ستزداد سوءاً قبل أن تتحسن»، معلناً أنه مستعد لتشديد الحظر العام فى البلاد، بعد أن عانت بريطانيا يوم السبت من أكبر زيادة يومية فى عدد الضحايا. ففى الأيام الأولى من تفشى كورونا كان عدد الضحايا يزداد ببطء. لكن فى الأسابيع اللاحقة بات العدد يتضاعف من 20 إلى 40 إلى 80 إلى 160 إلى 260 وهو عدد الضحايا فى بريطانيا خلال الـ24 ساعة الماضية ليرتفع العدد الإجمالى حتى الآن إلى 1028 شخصا، غالبيتهم من كبار السن لكن بينهم أيضا من هم فى العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات بعضهم بلا مشاكل صحية سابقة.

وحتى الآن هناك ثلاث مشكلات أساسية تواجه الحكومة.

أولا: بطء اختبار الكشف عن الفيروس. فمعدلات الفحص ما زالت منخفضة جدا وتأمل الحكومة فى فحص 10 آلاف شخص كل يوم بحلول هذا الاسبوع (ما يعنى نحو 50 ألفا أو 60 ألف شخص فى الأسبوع)، لكن حتى إذا حققت الحكومة هدفها ستظل نسبة الفحص متدنية مقارنة بدول أوروبية أخري، فالمانيا تقوم بفحص نصف مليون شخص فى الاسبوع.

ثانيا: قلة عدد آلات التنفس الصناعي. فليس هناك عدد كاف من آلات التنفس الصناعى لإنقاذ الجميع. والمشكلة أن الحاجة لأعداد كبيرة من هذه الأجهزة بات مطلبا عالميا والسبب أنه فى غالبية الأمراض الأخرى يحتاج المريض إلى استخدام آلات التنفس الصناعى أسبوعا أو 10 أيام قبل أن يتعافي، لكن فى حالة فيروس كورونا، تحتاج كثير من الحالات استخدام آلات التنفس الصناعى ما بين أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع وهذا تحد صعب يواجه كل الأنظمة الصحية فى العالم.

ثالثا: التزام البريطانيين بالحظر الذى فرضته الحكومة، فالغالبية ملتزمة، لكن غير الملتزمين يضعون ضغوطا هائلة على جهاز الشرطة الذى فقد ما بين 10% إلى 15% من قوته بسبب الكورونا، فآلاف الضباط معزولون أو يعالجون لإصابتهم بالمرض.

وفى الـ30 مليون رسالة التى أرسلها جونسون للبريطانيين، وكلفت الميزانية 6 ملايين جنيه استرليني، يقول رئيس الوزراء »من المهم بالنسبة لى أن أكون صريحا معكم، نحن نعلم أن الأمور ستزداد سوءًا قبل أن تتحسن. لكننا نقوم بالاستعدادات الصحيحة، وكلما اتبعنا جميعًا القواعد، كلما قلت الخسائر فى الأرواح ويمكن أن تعود الحياة بشكل أسرع إلى طبيعتها. ولهذا، فى هذه اللحظة من الطوارئ الوطنية، أحثك، من فضلك، على البقاء فى المنزل، وحماية نظام الرعاية الصحية وإنقاذ الأرواح».

الخيارات الصعبة

لـ«جيل الساندوتش»

سيلفيا فانى سميث، البالغة من العمر 45 عاماً، والتى تعمل فى الشئون الإدارية فى منتزة عام جنوب لندن تتفهم دعوة رئيس الوزراء للعائلات لبذل المزيد من الجهد لتطبيق تعليمات العزل.

لكن طاقتها حالياً «صفر» كما تقول ولم يتبق لديها أى جهد إضافى لتبذله.

فهى مثلها مثل غيرها من العائلات التى لديها أطفال فى سن الدراسة وآباء مسنون تشعر بالقلق والإجهاد أكثر من أى وقت فى حياتها. فهذا هو الاختبار الأصعب لـ«جيل الساندوتش»، أى تلك الشريحة العمرية من البالغين فى منتصف العمر (غالباً فى الأربعينيات والخمسينيات من العمر) الذين يتعين عليها الآن رعاية كل من أقاربهم المسنين، وأطفالهم الصغار مع إبقائهم بعيداً عن بعضهم البعض فى الوقت نفسه.

وتجد سيلفيا نفسها أمام خيارات صعبة، فهى من ناحية يجب أن تظل فى المنزل مع أطفالها كى تطعمهم وتدرس لهم بعد إغلاق المدارس وتحثهم على الالتزام الدائم بقواعد النظافة للوقاية من كورونا وغسل اليد بالمطهرات ومراقبة ألا يخرجوا لقضاء أوقات مع زملائهم فى المتنزهات القريبة، لكنها من ناحية أخرى عليها أن تتوجه على الأقل مرتين فى الأسبوع لزيارة والديها المسنين، وكلاهما فى نهاية العقد السابع من العمر، لتحضير وجبات ساخنة وشراء مستلزمات ضرورية مثل الخضار والفاكهة الطازجة وتنظيف المنزل. وعلى سيلفيا أن توازن كل هذه المهام مع ضمان أن لا تقوم بنقل عدوى الكورونا لوالديها لانهما من الشرائح العمرية التى لا تحتمل الفيروس.

وفى بريطانيا عدد من الجمعيات الخيرية المخصصة لمساعدة «جيل الساندوتش» لكن بسبب الضغط الشديد على طلب المساعدة مع تفشى كورونا، لا تجد سيلفيا فى الوقت الحالى مساعدة خارجية، وبالتالى عليها الاعتماد على نفسها لتوفير الدعم المادى والعاطفى لأطفالها ولوالديها. وتوضح للأهرام: «أشعر بالتعب كما لم أشعر به من قبل. وإلى جانب التعب هناك الخوف الدائم من نقل العدوى لوالدي. فعندما أذهب إليهما لا أقترب منهما، وأرتدى قفازا وأنا أطهو لهما، وأبُقى على مسافة المترين بينى وبينهما ونحن نتبادل أطراف الحديث، وأنظف كل شيء بالمطهرات قبل أن أغادر. وعندما أعود أكرر روتينا مماثلا مع أطفالى وزوجي. إنه وقت عصيب حقاً».

وأصعب ما فيه أن تبقى سيلفيا على أولادها، الذين تترواح أعمارهم بين 11 عاما و16 عاما فى المنزل، فهم يريدون مقابلة أصدقائهم والتوجه معا للمتنزه القريب من المنزل وقضاء الوقت فى اللعب أو السير معا. ومع تشديد الحكومة لضوابط منع الاختلاط، تجد سيلفيا نفسها مضطرة للعب دور «الشرطى فى المنزل» للتقليل من أى خروج غير ضرورى لأطفالها.

أجواء سريالية

وبالطائرات المسيرة عن بعد التى تردد رسائل صوتية تطالب الناس بالرجوع للمنازل، ونقاط التفتيش فى الشوارع، والغرامات المالية، والنداءات عبر قنوات التليفزيون للالتزام بالحظر المفروض على حرية الحركة، فعلت الشرطة البريطانية كل ما تستطيعه لإقناع البريطانيين بالبقاء فى منازلهم خلال فترة الحظر لمنع انتشار فيروس كورونا. لكن الشمس ساطعةw والسماء زرقاء والجو دافئ، وبالتالى المهمة صعبة. التحدى الحقيقى ليس فى وسط لندن، فالغالبية لا تجرؤ على التوجه لوسط المدينة لأنها تدرك العواقب. المشكلة فى المناطق الريفية الجميلة فى وسط انجلترا، والحدائق والمتنزهات العامة فى ضواحى لندن. وبعد فشل مطاردة المشاة بطائرات الدرون، لجأت شرطة مقاطعة «ديربيشاير» الساحرة فى وسط انجلترا لإلقاء صبغة سوداء غير ضارة فى بحيرة «هاربور هيل» الزرقاء الخلابة لردع المشاة عن التعامل مع «الحظر» على أنه «إجازة». والبحيرة الزرقاء هى موقع شهير يجذب مئات الآلاف من السياح كل عام وباتت، ضمن مناطق أخري، وجهة للبريطانيين للهروب من كورونا وأخبارها. وبعد تحويل اللون الأزرق الجميل للبحيرة للون الأسود لمنع تجمع الناس هناك لأخذ «سيلفي»، حذرت الشرطة من إغلاق منطقة البحيرات كلها وإقامة نقاط تفتيش على الشواطئ. إنها أجواء سريالية تعيشها بريطانيا انتشرت فيها جرائم غريبة بعضها صادم، تقوم بها أقلية محدودة جداً لكنها ترهق شرطة بريطانيا المرهقة أصلاً. ففى منطقة «سربتون» جنوب لندن وزع أحد السكان فيديو على الجيران يحذرهم من قيام عدد من الشباب بالتسلل ليلاً لمرآب كل منزل ولمس مقبض السيارات. من الصعب معرفة دوافع هذا السلوك، وهل هؤلاء الشباب مصابون بالكورونا وهل يريدون نقل الفيروس لباقى الجيران عشوائياً ولماذا؟.

فيديو آخر انتشر يُظهر رجلا تم توقيفه فى الشارع من قبل الشرطة وفيه يقول الرجل للضابط إنه مصاب بالكورونا ثم يبصق عليه. خلال 48 ساعة من هذه الواقعة حكم على الرجل بالسجن لمدة عام. إنها تعزية صغيرة لقوات الشرطة التى بات كثير منها فى حالة احتكاك يومى مع مواطنين لا يريدون الالتزام بالحظر. بعبارة أخري، لم يعد للشرطة البريطانية من عمل إلا التصدى لمخالفى حظر الكورونا وربما من هنا جاءت رسالة جونسون الذى يعلن فيها اتخاذ إجراءات أكثر صرامة وفرض قواعد حظر جديدة، بعد ان قصرت السلطات الخروج على أربعة أسباب فقط هى التسوق لشراء مواد أساسية، وممارسة الرياضة، ورعاية الوالدين، او التوجه للعلاج إذا كان الشخص مريضا.

وتعانى الشرطة البريطانية نقصا متزايدا فى أعداد الضباط بسبب تغيب الكثير منهم إما بسبب إصابتهم بالفيروس أو بسبب قيامهم بالعزل الذاتى لشعورهم بأعراض المرض. ووفقاً لأرقام شرطة لندن فإن نحو 15% من شرطة العاصمة لم تعد تعمل بسبب آثار كورونا. ويحذر كين مارش، رئيس اتحاد شرطة المتروبوليتان، شرطة العاصمة لندن من أن الأيام الثلاثة أو الأربعة المقبلة ستصبح صعبة بسبب التراجع الحاد فى اعداد الضباط. وأمام زيادة المخالفات، قال مارش إنه يجب تشديد العقوبة على المخالفين. ومنح قانون طوارئ الكورونا الذى أقره البرلمان نهاية الأسبوع الشرطة سلطات جديدة تسمح للضباط بتغريم المخالفين 60 جنيهًا إسترلينيًا، بدلاً من 30 جنيهاً، وحتى القيام باعتقالات بسبب خرق قواعد الحظر لمواجهة كورونا. وقال مارش، الذى يمثل 30 ألف ضابط فى العاصمة، إن القواعد الجديدة، برغم صرامتها، لم توفر إجراءات إنفاذ كافية حيث ما زال من الصعب ملاحقة كل المراهقين والشباب المخالفين للحظر.

فما هو الحل من وجهة نظر مارش؟ الحل كما يقول: «يجب أن نأخذهم إلى المنزل ، لكن عندما نأخذهم إلى المنزل، لماذا لا نغرم والديهم؟ وإلا ما هو الرادع؟».

إنها فكرة تُضيف بعداً جديداً للصورة السريالية التى تمر بها بريطانيا حاليا.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق