رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حضور قسرى

انجى همام;

فى حوالى العاشرة صباحا كانت تمشى على عجل كعادتها، تتلوى قدماها على أسفلت الشارع المتكسر، ذكًرت نفسها أنها ليست بحاجة لتلك العجلة، هدأت من إيقاع مشيتها وروحها معا، تركب الحافلة المعتادة من شارع الهرم، فى الحافلة الصغيرة، تلتصق بصاج السيارة عن يسارها، والأيمن ملتصق براكب عن يمينها كلما مالت السيارة عن يمين أو يسار انكفأ أحدهما فوق الآخر، تتشبث بالصاج قدر قوتها، من كاسيت السيارة الصغيرة ينطلق الصوت شديد العلو

»ياطاهرة يا أم الحسن والحسين من الحسود والحسد يكفينا شر العين»، السيارة تتأرجح تتمايل والسائق مخيف، بحالة مزرية، يداه على المقود ورأسه فى عالم آخر، لم تخف نديًة كعادتها، تركت روحها تطير مع الصوت والسيارة المحلقة بسرعة جنونية، أخذت تدندن فى عقلها مع المهرجان الشعبى وهى تتذكر غناء صغارها ورقصهم عليه، لدى نديًة مخطط خارجى اليوم، تنزل فى الميدان، تتمشى وتعبر الطريق لشارع مراد، الشارع هاديء فى هذه الساعة، والجو يساعد على المسير، واصلت من شارع مراد لشارل ديجول، بحذاء سور الحديقة، لمحت بطرف عينيها «برج النيل الإدارى» بناية الطفولة العملاقة اللامعة، لم تقف، ابتسمت وواصلت السير، أمام «باب النهضة» توقفت لجلب تذكرة، تقف أمامها فى عباءة سوداء شابة فى أواخر العشرينات، فى صحبتها خمسة أطفال، لم تكن نديًة لتلتفت لولا الشجار الذى حدث مع موظف التذاكر، تريد المرأة قطع ثلاث تذاكر، لها وللطفلين الأكبر، أما هو فينهرها ويطلب منها الابتعاد عن نافذة قطع التذاكر، يقوم بعد الأطفال، واحد اثنين ثلاثة .... خمسة، يريدها أن تدفع للجميع، لا تسمع نديًة ما قالته السيدة ولكنها أخذت نقودها وصغارها ومضت، يعتصر الألم قلب نديًة، تعرف معنى أن تأتى أم بأطفالها لباب الحديقة وتُمنع من الدخول، تمنت نديًة لو كانت أفضل حالا، تمنت حتى لو انتبهت بسرعة كافية لربما دفعت عنها رغم كل شيء، فى بضع ثوانى اختفت السيدة والصغار عن مجال رؤيتها، تنظر للموظف الذى قطع عليها صفاءها النادر بغضب لم يفسره، تأخذ تذكرة الحديقة المسعرة بخمسة جنيهات، تتذكر يوم أن كانت نفس التذكرة بعشرة قروش، اليوم تنتبه للسعر، فى صحبة صغارها لا تنتبه لسواهم، تشعر أن عمرها صار ألف عام لا بضع وثلاثين، لابد أن قرونا مرت ليصبح الحال ما هو عليه، حديقة الفقراء، لم يكن هناك من هو أبخس منها سعرا، تعبر البوابات الحديدية الكبيرة المطلية بالأخضر من قديم الزمن، تحاول استعادة سكينتها، لا تعرف بوضوح لماذا قررت المجيء اليوم إلى هنا، المرة الأولى فى حياتها التى تأتى إلى حديقة الحيوان بمفردها، جربت أن تكون الطفلة المدللة فى نزهة بالمكان الفسيح خفيف الظل، جربت أن تكون الأم التى تروًح عن صغارها وتمنحهم بعض ما اختبرت من مبهجات صغيرة فى الحياة، جربت حتى أن تكون طالبة جامعية بصحبة أصدقاء، كان مكانها المفضل مع الشيماء، المكان الأقرب إلى الجامعة، لا تعرف عما جاءت تبحث اليوم، لكنه جزء من نفسها، تمشى وحيدة وسط الأسر المتناثرة على جانبى الحديقة، نفس المشاهد القديمة لأسر بسيطة تفترش الأرض وسط أوانيها المعدنية أو عُلبها البلاستيكية، إفطار متأخر أو غداء مبكر على الأرجح، عندما تراجع نظرها لنفسها وبدأت بالنظر فى الناس لم تجد الوضع اختلف كثيرا، غير أن البؤس زاد بعض الشيء على كل شيء، الوجوه والملابس وحتى الحديقة العملاقة المهملة والحيوانات المسكينة، تشترى حلوى «غزل البنات» زهرية اللون وتجلس لتأكلها تحت ظل برجولة عتيقة كما كانت تفعل والشيماء معا، تستحضر مذاقا ماضيا كانت تحبه، غير أنها لم تشعر بشيء، الحلوى فارغة المذاق، الطعم كان فى الصحبة كان هذا ما شعرت به، نحو ساعة ونصف تجولت بها بين الزرع وما تبقى من حيوانات الحديقة، تتسرب لروحها سكينة خفية، رضاً مفاجيء، أو ربما هى استجلبته معها، قررت قبل المجيء عقد صلح مع العالم، ليس هناك من صحبة دائمة فى هذه الحياة، عليها بالرضا، لا تعرف الرضا بماذا تحديدا ولكنه الشعور الذى ظنته واجبا عليها، ليس هناك سبيل أخر.

فى صبيحة اليوم التالى أفاقت بنشاط، تركت كوابيسها حبيسة غرفة نومها وخرجت للشارع، تركب حافلة المصلحة بروح طفل أحب مدرسته الجديدة فجأة، تجلس جوار نافذتها المعهودة لكن دونما إغفاء، تراقب الطريق وكأنما هى المرة الأولى، استعاد السائق طريقه القديم، يمر من أمام تمثال نهضة مصر ويسلك شارع «النيل» يعبر الكوبرى الخشبى وكوبرى قصر النيل لتجد نفسها فى قلب الميدان، تتأمله تأملا خاطفا فى تلك الدقائق التى تعبره فيها، تشعر بوجع قديم وفرح أزلى، تشعر بارتباك كبير سرعان ما تخلفه وراءها، فالسائق يعدو فى شوارع جانبية ليصل لمستقرهم اليومى، بعض التصاوير المتناثرة بوسط المدينة كاملة أو مجتزأة، واضحة أو اقتربت من المحو، على حوائط الشارع أم حوائط عقلها، لا تستبين شيئا بوضوح، الحافلة مسرعة، نديًة المسكونة بأصوات بعيدة لم تعد تبحث لها عن تفسير، الذكريات الحلوة والمرة صارت ذكريات، لم يعد يجدى التأرق بها، غير أن نديًة وغيرها الكثيرين تتوقف حياتهم عند نقطة بعينها، ربما تكون بعدها الحياة تحصيل حاصل، مجرد روتين يومى، ها هى توقع باسمها الثلاثى فى دفاتر المصلحة ودفاتر الحياة أيضا، تركب المصعد العتيق معبأة بأصواتها الخاصة فلا تسمع حديث الزملاء، تمشى الهوينى فى ممر الطابق قبل الأخير، لا تلحظ رائحة الزمن المتراكمة، تجلس بمكتبها بالطابق المستحدث، تلبس نظارة قراءتها ذات الإطار المعدنى الأحمر، تنغرز عيناها فى الأوراق، ترى دون أن ترفع نظرها الرجل الأربعينى المتخذ دوره فى طابور الجمهور، نظرته تخترق ملابسها تخترق لحمها، تتوقف عند هذا الحد، لا تصل النظرة الخارقة لتلك الروح المستهلكة كليا.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق