رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

يوميات «كورونا» فى بريطانيا

رسالة لندن منال لطفى

كيف يقنع رئيس الوزراء البريطانى بوريس جونسون البريطانيين بالبقاء فى المنزل؟ حتى الآن وقعت نداءاته على آذان صماء. فكثير من البريطانيين لم ينصتوا للنصائح المتكررة من الحكومة، لدرجة أن حتى أنصار جونسون فى الصحف اليمينية مثل «ديلى تليجراف» تعجبوا: كيف يمكن للرجل الذى نفذ البريكست أن يفشل فى إقناع البريطانيين بتجنب الحدائق والمتنزهات ومناطق التسوق المزدحمة؟.

وأمام الانتقادات لحكومته، أعطى جونسون البريطانيين مهلة 24 ساعة للالتزام بمعايير الحفاظ على السلامة العامة وإلا قام بإغلاق كل الحدائق والمتنزهات والأسواق الشعبية على خطى غالبية الدول الأوروبية، التى فرض بعضها غرامة تتراوح بين 5 آلاف و10 آلاف يورو على المخالفين، فيما فرض البعض الآخر عقوبة بالسجن 3 أشهر.

وما قاد جونسون لهذه التحذيرات هى صور لبريطانيين تجمعوا فى الحدائق والشواطئ والأسواق خلال عطلة نهاية الاسبوع احتفالا بالطقس الدافيء وعيد الأم.

صور التجمعات السعيدة «أرعبت» الحكومة، فمعدلات الإصابة والوفيات بسبب كورونا فى بريطانيا فى ارتفاع مطرد. والبلد على بعد أسبوع أو 10 أيام من «الحالة الإيطالية» عندما تصل معدلات الإصابة لمستوى يؤدى لعجز المستشفيات عن أداء عملها.

لكن عدم مسارعة جونسون بإغلاق كل المتنزهات العامة أثار غضبا فى بريطانيا. فهو حتى الآن يسير خطوة للأمام وخطوة للخلف، فيما يتعلق بتطبيق سياسة «التباعد الاجتماعي» لمنع كورونا من الانتشار، هذا فى الوقت الذى بات فيه عبء انتشار الفيروس محسوسا فى كل صغيرة وكبيرة فى الحياة اليومية للبريطانيين.

 

دموع الممرضة التى أحرجت الشعب

بعد 48 ساعة من العمل المتواصل، خرجت دون بيلبير، الممرضة المتخصصة فى حالات العناية المركزة،لشراء خضراوات وفاكهة من السوبر ماركت كى تأكل وتنام عدة ساعات قبل أن تتوجه إلى المستشفى من جديد.

لم تمكث بيلبير طويلا فى السوبر ماركت لأنها وجدت الأرفف خاوية تماما. وفى عربتها ووسط دموعها إرهاقها الواضح سجلت بيلبير رسالة بالفيديو عبر هاتفها يدعو المتسوقين إلى ترك طعام للآخرين، قائلة: «الناس جردوا الأرفف من كل الطعام...أرجوكم توقفوا لأن هناك أشخاصا مثلى يقومون برعايتكم عند الحاجة لا يجدون طعاما لأنفسهم. توقفوا أرجوكم».

فيديو بيلبير أثار ضجة فى بريطانيا ودعا ستيفن بويز، رئيس الجهاز الوطنى للرعاية الصحية،للتدخل ودعوة الناس للتفكير فى الآخرين، خاصة العاملين فى قطاع الرعاية الصحية الذين يعانون أوضاعا فى منتهى الصعوبة، قائلاً: «هذا غير مقبول، فهؤلاء هم الناس الذين سوف نحتاج إليهم نحن أو أعزاء لدينا فى الأيام المقبلة».

أما جونسون نفسه، فقد أكد أن فى بريطانيا ما يكفى من الطعام والإمدادات الغذائية، وأن الأرفف الخاوية هى نتيجة «الشراء المجنون» بمعدلات غير معقولة.

لم يترك فيروس كورونا بلدا أوروبيا فى حاله، لكن لم تعان بلد من التدافع المجنون لشراء المواد الغذائية الأساسية مثل بريطانيا.

ويقول مديرو السوبر ماركت الكبيرة فى بريطانيا إنه خلال أقل من أسبوعين اشترى البريطانيون مواد غذائية وصحية بقيمة أكثر من مليار جنيه استرلينى.

الصفوف الطويلة الممتدة لعشرات الأمتار والأرفف الفارغة والتكالب على الشراء بطريقة جنونية أثار تساؤلات عديدة حول: لماذا بريطانيا بالذات؟

ففى فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا، وكلها فى أوضاع صعبة بسبب الكورونا، لم يتم إفراغ محال السوبرماركت من محتوياتها بهذا الشكل.

البعض حمل الصحف اليومية المسئولية عن تخويف البريطانيين من وضع البلد كله تحت «الحجر الصحي» وبالتالى منع الحركة إلا للضرورة، ما قاد الملايين لتخزين كل ما يخطر على بالك وما لا يخطر على بالك من مواد غذائية ومنظفات وأدوية ومياه.

البعض حمل علم النفس مسئولية هذا السلوك، فغريزة البقاء والحفاظ على النفس تعلو على غيرها من الغرائز فى لحظات المحن والخطر.

البعض الآخر حمل المحال الصغيرة المسئولية وسط شكوك فى أن أصحابها اشتروا كثيرا من البضائع بكميات هائلة لبيعها بأسعار أعلى فى حالة نقص الإمدادات.

وأمام الصعوبات التى يواجهها العاملون فى القطاعات الحيوية مثل نظام الرعاية الصحية فى إيجاد ما يحتاجون إليه فى السوبر ماركت بعد انتهاء عملهم، قررت غالبية السوبر ماركت فى بريطانيا تخصيص ساعات معينة، غالبا من 9 صباحا حتى 10 صباحا للعاملين فى القطاع الصحى من أطباء وممرضين وعمال نظافة وسائقين وإداريين للتسوق بمفردهم دون مزاحمة من باقى الشعب ،على غرار خطوة مماثلة لكبار السن فوق 70 عاما، حيث تم تخصيص ساعة لهم للتسوق بمفردهم حماية لهم من انتقال العدوى.

ومع ذلك لم يلتزم الجميع بالتعليمات. ففى سوبرماركت «تيسكو» دخل متسوقون عاديون فى الساعة المخصصة للعاملين فى القطاع الصحى، ما أدى إلى مشاحنات واستدعاء الشرطة وإغلاق المحل كله.

 

طرد جوزيف

ومع أن القطاع الصحى يقدم لبريطانيا خدمة لا تقدر بثمن مع مخاطرة مئات الآلاف من العاملين فيه بحياتهم عبر رعاية المصابين بفيروس كورونا، إلا أن هناك نوعا من «الفوبيا» منهم لأنهم على اتصال يومى مع المرضى بالفيروس وقد يصابون ويعرضون آخرين للإصابة.

هذه الفوبيا ظهرت فى أسوأ صورها عندما طلبت سيدة من مستأجر لديها اسمه جوزيف هور، يعمل فى خدمة الإسعاف فى أحد المستشفيات جنوب غرب لندن بمغادرة الشقة التى يستأجرها لأنها تتخوف من أن ينقل إليها المرض. وفى رسالة عبر «واتساب»، ليل السبت طلبت مالكة العقار من جوزيف مغادرة الشقة فى غضون 24 ساعة لأنها «متوترة للغاية من وجود شخص يعمل فى القطاع الصحي»، قائلة فى الرسالة «إنها فقط مسألة وقت قبل أن تلتقط المرض...هل يمكنك الانتقال وجمع أغراضك غدا..عذرا، عادة لا أفعل ذلك أبدا. لكن الأمر لا يستحق المخاطرة».

وأمام شكاوى مماثلة، حذرت سارة جين مارش، المديرة التنفيذية لمؤسسة خيرية لدعم العاملات فى القطاع الصحى فى مدينة برمنجهام البريطانية من أنه «يتم طرد الممرضات من السكن المشترك لأن الناس لا يريدون العيش معهن فى الوقت الحالي». فيما قالت «إيواء» ،المنظمة الخيرية للمشردين، إنها تلقت مكالمات للمساعدة من مستأجرين مهددين بالطرد بسبب أزمة كورونا، بما فى ذلك عاملون فى الخدمات الصحية الوطنية. ووسط مخاوف من تزايد الظاهرة، أعلن جونسون عن تدابير شاملة لحماية المستأجرين وحظر عمليات الإخلاء خلال وباء كورونا، ويجرى العمل حاليا على تشريعات طارئة لمنع الملاك من طرد المستأجرين لمدة ثلاثة أشهر على الأقل.

1.5 مليون شخص «تحت الإقامة الجبرية»

«أنت لست وحدك»، هذه هى رسالة الحكومة لنحو 1.5 مليون شخص طلبت منهم السلطات البقاء فى منازلهم لمدة 12 أسبوعا وعدم الخروج لأى سبب مهما يكن.

الـ1.5 مليون شخص هم ممن تعتبرهم السلطات «مهددين بخطر الإصابة بكورونا» بسبب السن أو أمراض خطيرة. ولإقناعهم بالبقاء فى منازلهم لمدة 3 أشهر، أعلنت الحكومة عن تسليم حزم مساعدات غير مسبوقة من المواد الغذائية والأدوية إليهم فى منازلهم مستعينة بالجيش.

وفى رسائل مفصلة بدقة، طلبت الحكومة من هؤلاء البقاء فى المنزل وعدم الخروج أو الالتقاء بأحد حتى أفراد أسرهم لـ «حماية حياتهم» من فيروس كورونا، وتجنب التواصل وجها لوجه مع أى شخص، وعدم الخروج للتسوق أو الترفيه أو السفر. وعند استلام الدواء والغذاء يجب ترك مسافة مترين عند الباب لتقليل الاتصال بمن سيقومون بتسليم الأدوية والطعام لهم. وإضافة إلى كبار السن، فإن الرسالة وجهت لكل من يعانى من مشكلات صحية مثل: من قاموا بعمليات زرع أعضاء.

المصابين بالسرطان و يخضعون للعلاج الكيميائى أو العلاج الإشعاعى لسرطان الرئة، والمصابين بسرطانات الدم أو النخاع العظمى وفى أى مرحلة من مراحل العلاج،و الأشخاص الذين يخضعون للعلاج المناعى أو غيرها من علاجات الأجسام المضادة المستمرة للسرطان، والأشخاص الذين لديهم علاجات أخرى مستهدفة للسرطان يمكن أن تؤثر على جهاز المناعة، والأشخاص الذين خضعوا لزرع نخاع العظم أو زرع الخلايا الجذعية فى الأشهر الستة الماضية، والأشخاص الذين يعانون أمراضا تنفسية شديدة بما فى ذلك جميع حالات التليف الكيسى والربو الشديد ومرض الانسداد الرئوى المزمن الحاد، والنساء الحوامل المصابات بأمراض القلب، الخلقية أو المكتسبة.

ومهمة توصيل الطعام والأدوية لـ1.5 مليون شخص فى منازلهم لن تكون مهمة سهلة بأى مقياس. وتريد السلطات من الناس المساعدة عبر التطوع خاصة فى المناطق التى يعيشون فيها، لكن هذا لا يخلو من مشكلات من بينها نقل العدوى وزيادة المتاعب النفسية لمن سيجبرون على البقاء 3 أشهر كاملة داخل منازلهم.

 

ليس لكورونا كبير...ولا صغير

خلال الأربع والعشرين ساعة الأخيرة،ارتفع عدد ضحايا كورونا فى بريطانيا إلى 281 شخصاً، مع أكثر من 5600 إصابة. وقالت السلطات إن من توفوا تتراوح أعمارهم بين و18 عاما و102 عام، والمراهق البريطانى كانت لديه متاعب صحية سابقة ولم يتحمل جسده الكورونا ولا يعرف أحد كيف أصيب بالضبط. لكن معدلات الإصابة المتسارعة تعزز وجهة نظر الحكومة حول ضرورة الحفاظ على مسافة المترين. فآخر البيانات حول كورونا تشير إلى أن عدد الأشخاص المصابين بالفيروس الذين لا تظهر عليهم أى أعراض، أو تتأخر الأعراض لديهم، يصل إلى ثلث أولئك الذين ثبتت إصابتهم بالمرض بعد الفحص.

ووفقا لبيانات الحكومة الصينية، فإن نسبة من ينقلون كورونا وهم لا يعانون أى أعراض أو «الناقل الصامت للفيروس» كما يسمونه، أعلى بكثير مما كان يعتقد. وكانت تقديرات البعثة الدولية لمنظمة الصحة العالمية إلى الصين قد أشارت إلى أن نقل العدوى عبر مصابين بلا أعراض تمثل ما بين 1% و 3% من الإصابات. لكن معلومات الحكومة الصينية الأخيرة تشير إلى أن نسبة نقل الفيروس عبر مصابين لا تظهر عليهم أى أعراض أعلى من ذلك بكثير وقد تصل إلى 30%. وهذا الاكتشاف له نتائج كبيرة على الاستراتيجيات التى تستخدمها البلدان المختلفة لاحتواء الفيروس لأنه يجعل قياس الحرارة واختبار الإصابة بالفيروس، حتى لمن لا يعانون أى أعراض، مسألة مهمة جداً لمنع انتقال العدوى. ويعتقد الخبراء الآن أن استراتيجية الصين وكوريا الجنوبية فى اختبار كل شخص كان على اتصال مع مريض، حتى لو لم تظهر عليهم أى أعراض، هى أكثر كفاءة فى الحد من انتشار الفيروس.

 

ما الذى تم إغلاقه فى بريطانيا حتى الآن؟

33 ألف مدرسة أغلقت الأسبوع الماضى من الابتدائى إلى الثانوى بعدد طلاب نحو 7 ملايين، لكن البعض منهم سيظل يتوجه للمدارس لتناول وجبات طعام ساخنة وهم أبناء الأسر الأكثر فقرا، فيما سيتوجه تلاميذ آخرون للمدارس والتعامل معها كدور حضانة لأن الوالدين أو أحدهما يعمل فى القطاعات الحيوية التى حددتها الدولة وعلى رأسها المستشفيات أو المطافئ أو الشرطة أو السوبرماركت.

24 ألف مقهى تم إغلاقها وفى مقدمتها كل المقاهى المستقلة أو السلاسل الشهيرة مثل «ستاربكس» و«كوستا» و«كافى نيرو»، القليل جدا الذى ما زال مفتوحا يقدم خدمات «تيك أواي» بدون جلوس.

7000 صالة رياضية تم إغلاقها بإجمالى عضوية 10 ملايين شخص، وأرباح تقدر بـ5 مليارات جنيه استرلينى.

63 ألف مطعم أغلقت أيضا يعمل فيها نحو 820 ألف شخص.

1300 مسرح تم اغلاقها الأسبوع الماضى أيضا، إلى جانب 775 دار سينما.

وخلال فترة وجيرة إذا لم يلتزم البريطانيون بمسافة المترين، فإن المزيد من الأماكن العامة ستغلق أيضا على غرار باقى أوروبا.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق