رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«كارت» أردوغان الذهبى

شريف سمير
أردوغان

لابد أن نعترف بأن العالم بأسره يواجه لاعبا ماهرا ومخضرما على «المائدة الخضراء»، حيث أثبت الرئيس التركى رجب طيب أردوغان أنه رجل المقامرات بامتياز فى كل جولة تشهدها المائدة بينه وبين خصوم من مختلف الجنسيات ودرجات الذكاء، وآخر جولة كان عنوانها «اللاجئون ومشوار أوروبا»، حيث يستغل أردوغان الحدود التركية اليونانية لدفع ملايين المهاجرين نحو أبواب أوروبا على نحو استفز دول القارة البيضاء وأرغمها على الالتفاف حول رفض هذا الابتزاز السياسى المتكرر.

ولكن ما الذى يحرك أطماع أردوغان ويغذى شهوات الانتقام بداخله ليمارس هوايته المفضلة ويخرج «جوكر» اللاجئين من جرابه؟ اذهب إلى أخبار الاقتصاد، تجد الإجابة فى لحظات وموثقة بالأدلة والأرقام .. وبقراءة شخصية أردوغان تتيقن من تعدد الاتجاهات التى يسير فيها ليفوز بأكبر المكاسب والانتصارات .. وإذا كان الاقتصاد التركى أخيرا يعيش أسوأ حالاته وأصعب أيامه، فلا مناص من توفير بدائل وضخ الأوكسجين الصناعى فى أجهزته .. فقد سجلت الليرة التركية فى الأسابيع الأخيرة تراجعا كبيرا واستقر سعر صرفها عند مستوى أعلى من 6 ليرات للدولار، وتكبد القطاع السياحى خسائر فادحة تأثرا بانتشار وباء كورونا، فضلا عن ارتفاع معدلات البطالة والتضخم لأرقام غير مسبوقة، وزيادة أسعار المحروقات، والمواد الغذائية الرئيسية. وتزامنت المتاعب الاقتصادية مع سياسة أردوغان العنيفة ضد رموز المعارضة والإعلام والقضاء مقابل ارتفاع أسهم خصومه السياسيين وفقدان بلدية أسطنبول باعتبارها «قطعة الجاتوه» التى تجلب الحظ والسعادة لمن يفوز بها .. ولا تحتمل كل هذه التحديات عبئا إضافيا يسمى «اللاجئين»، لذا كان لابد من سرعة التفكير فى التخلص من هذا الصداع وتصديره للآخر .. بل مساومة هذا الآخر على الثمن لقبول هذه الطيور المهاجرة من أوطانها، ومن تلك النقطة ارتفع صراخ أردوغان لنيل مساعدات أوروبية نظير استضافة تركيا لجموع اللاجئين. ولكى يضمن أردوغان نجاح «كارت» اللاجئين فى رهاناته، جلس على المقعد المريح المدعوم بمليارات الدولارات من عدة شركاء ليمارس اللعب بثقة واستعلاء .. وانطلق يهدد بفتح الحدود البحرية أمام جحافل المهاجرين إلى أوروبا بعد أن مزق ورقة الاتفاق القديم مع الاتحاد الأوروبى عام 2016، التى تلزمه باحترام منع تدفق اللاجئين عبر الحدود، وقرر الرئيس التركى تصعيد الأزمة مجددا فى البحر المتوسط معتمدا على سلسلة تحالفات سياسية وعسكرية وتجارية مع أطراف وقوى أخرى بخلاف أوروبا لينغمس فى مقامراته حتى النهاية!. ويمكنك أن تشاهد الأبراج الشاهقة فى تل أبيب لتتعرف على حجم العلاقات الاقتصادية بين تركيا وإسرائيل، حيث أشار السياسى الإسرائيلي، موردخاى كيدار، الباحث والمحاضر فى شئون العالم الإسلامى إلى علامات شركة «يلماز» التركية على تلك الأبراج لنكتشف مليارات من الدولارات حجم التبادل التجارى بين أنقرة وتل أبيب، علاوة على الكميات الضخمة من الأطعمة والملابس الجاهزة فى إسرائيل القادمة من تركيا، وعمال البناء الأتراك العاملين فى تل أبيب

وامتدت العلاقات التركية الإسرائيلية إلى الصراع على ثروات منطقة شرق البحر المتوسط، إذ أقر الجنرال التركى جهاد يايجي، «مهندس» الاتفاقية الأمنية والبحرية مع حكومة فايز السراج فى ليبيا، بضرورة تكرار تلك التجربة أيضا مع إسرائيل وتوسيع الصفقة معها لاستثمار تدخلها فى السيطرة على كنوز الغاز الطبيعى القابعة فى قاع المتوسط.

كما نشطت المفاوضات بين تركيا والولايات المتحدة، مستهدفة الصعود بحجم التبادل التجارى إلى 100 مليار دولار خلال السنوات المقبلة، وسط توافر الإمكانات لدى الصناعات التركية لبلوغ هذا الهدف، فى إجراءات مضادة لحرب العقوبات الوهمية من جانب واشنطن .. ثم انتقال الرئيس التركى إلى الدب الروسى والاستفادة من مخالبه لمغازلة العدو الأمريكى اللدود، فسارع بفتح السوق الروسية لتصريف الخضراوات التركية، ليرتفع حجم التبادل التجارى بين البلدين فى 2019 إلى 25 مليار دولار. واتجهت بوصلة أردوغان نحو التنين الصينى العاشق للتكنولوجيا وأدوات العصر، وابتلعت أسواق أنقرة الصادرات الصينية من أجهزة الاتصال والتسجيل، والآلات الكهربائية، ومنتجات النسيج، والأجهزة والآلات الصناعية، وآلات معالجة البيانات الأوتوماتيكية .. وتدريجيا قفزت أرقام التجارة المتبادلة بين تركيا والصين خلال السنوات الخمس الأخيرة إلى أكثر من 126 مليار دولار. وبينما تنصرف دول أوروبا عن منطقة المغرب العربى وشمال إفريقيا، لم يفرط أردوغان فى الفرصة وألقى بثقله على المغرب وتونس فى ظل تعطيل اتفاقيات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، وبادر بتوقيع اتفاقيات تبادل حر مع البلدين، واعتبرت دول المغرب أن التحالف مع تركيا «إنذار» للأصدقاء فى أوروبا للاستيقاظ من غفوتهم .. خصوصا أن مصالح المغاربة التقت مع أطماع تركيا فى اختراق الأسواق الإفريقية، وهو ملعب آخر مفتوح أمام جشع السلطان العثمانى الجديد، والآن .. تشتعل المائدة الخضراء الكبرى بشراسة المقامر القديم أردوغان .. وسنرى ماذا يمكن أن يربح من «جوكر» اللاجئين الذهبي!

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق