رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تجارة البيانات تتفوق على الذهب والنفط

محمد على

وصلت القيمة السوقية لتجارة البيانات في كندا إلي نحو 164 مليار دولار أمريكي سنويا عند أعلي تقدير. وإذا أخذنا في الاعتبار أن الاقتصاد الأمريكي يعادل نظيره الكندي 12 مرة، يصبح الرقم التقديري لذات النشاط في الولايات المتحدة تريليوني دولار تقريبا. وقد تبدو الأرقام صادمة نوعا ما، ولكنها توفر تفسيرا منطقيا لانشغال بعض الاقتصادات الناشئة في العالم باللحاق بركب صناعة المعلومات كمنتجين لا كمستهلكين فحسب. وللإيضاح، فإن البيانات هي مختلف الحقائق والأرقام التي نغذي بها ذاكرة الحاسبات كقاعدة أساسية، أما المعلومات فهي ناتج معالجة هذه البيانات، أو لنقل السلعة الاستهلاكية في نهاية خط الإنتاج.

خصصت مجلة «الإيكونوميست» البريطانية ملحقا كبيرا لتجارة البيانات في العالم، وصنفتها علي أنها نشاط اقتصادي متكامل ينافس صور الأنشطة المتعارف عليها كتجارة المعادن النفيسة، والنفط وغيرهما، بل ويتفوق عليها جميعا من جهة القيمة المادية. واختارت المجلة عنوانا محيرا للموضوع الرئيسي في هذا الملحق وهو «العوالم المنعكسة» تعبيرا عن تحول عالمنا الملموس إلي صورة جديدة علي سطح مرآة افتراضية هائلة تحول كل جزئية في حياتنا إلي خوارزميات معقدة (أرقام). فشهادات ميلاد الأطفال، ووثائق الزواج، والصور التذكارية الخلابة، وأحدث صيحات الأزياء، وصور الأشعة،... إلخ، هي أولا وأخيرا مجرد حزم من المصفوفات الرقمية المفيدة !. بمعني آخر، أن حياة الإنسان المعاصر باتت تعتمد علي تلال من البيانات، الشخصية والعامة، وتتقدم بفضلها يوما بعد آخر. ويتولي صناعة البرمجيات اللازمة لإعداد هذا كله، وابتكار التطبيقات البسيطة الملحقة بها، مجموعة من شركات التكنولوجيا العملاقة، ومعظمها أمريكية. وإمعانا في الإثارة، اعتبرت المجلة المنافسة الدائرة حاليا بين هؤلاء العمالقة سباقا مخصصا للثيران قوية البنية فقط. ويتصدر هذا السباق الافتراضي شركات: مايكروسوفت، وأبل، وجوجل، وفيسبوك، وأمازون. أما قيمة الجائزة الكبري التي تتقاتل هذه الثيران عليها فهي 2 تريليون دولار سنويا. ويعادل هذا الرقم نسبة 5% من رأس المال الخاص، المنقول والثابت، في الولايات المتحدة. لا بأس بالأرقام علي الإطلاق، وإن كانت تقريبية. ولكن ما هي آليات هذا الاقتصاد الجديد وطبيعة أسواقه ؟.

الحيازة والتسويق

تشكل البيانات التي نحن بصددها سلعة شأنها شأن أي مورد طبيعي كالبترول مثلا، ويكمن الاختلاف في الوسيط الناقل وأطراف التعاقد. خلال الأعوام الأخيرة، نمت التجارة فيها بمعدلات أسرع بكثير من حجم النشاط في السلع الملموسة. فعلي سبيل المثال، اكتشف العلماء الخريطة الجينية للإنسان قبل 17 عاما (شفرة الجينوم البشري)، وهي عبارة عن ثلاثة جيجابايت من البيانات، أي سعة قرص مدمج واحد كبير يماثل ما نستخدمه لمشاهدة الأفلام السينمائية في بيوتنا. وفي إبريل الماضي، أعلنت شركة أمريكية تقديم خدمة التحليل الجيني للأفراد استنادا لما حازته من بيانات الجينوم البشري. وبلغ عدد عملاء الشركة الراغبين في معرفة طبيعة خريطتهم الجينية عشرة ملايين أمريكي فور هذا الإعلان. سددت الشركة ثمن النسخة بسعر الجملة، وحصلت العوائد أضعافا مضاعفة من المستهلكين. أما السيارات ذاتية القيادة فتمثل موردا لا ينضب من البيانات المفيدة أينما كانت. وتوفر رحلة مثل هذه السيارات لمدة ثماني ساعات فقط ما يصل إلي 30 تيرا بايت من البيانات أي سعة 6400 أسطوانة مدمجة. ويطول طابور المستفيدين من هذه البيانات ليشمل المصانع المنتجة لكل جزء في هذه السيارات وشركات البرمجيات المعقدة المستخدمة في تسييرها بنظام الذكاء الاصطناعي.

وتقدر شركات التسويق حجم ما سينتجه العالم من بيانات خلال العامين الحالي والمقبل بنحو 90 زيتابايت أي سعة 19 تريليون اسطوانة مدمجة. بعبارة أخري، سيثمر عامان فقط من الجهد إجمالي ما جمعه العالم من بيانات منذ اختراع أجهزة الحاسب الآلي !.

التعاون والصراع

تدير الأرقام الأخيرة رءوس قرائها بلا شك، فالأعداد باتت أضخم بكثير مما نستوعبه في حياتنا العادية، ولكنها تسيل لعاب المغامرين وأصحاب رؤوس الأموال. ويتعين الإشارة هنا إلي أن الجانب الأكبر من هذه البيانات يتسم بصفة المنفعة العامة، أي يجب أن يستغل بطريقة تحقق أكبر ثراء ممكن، وليس العكس، وهنا مكمن الصراع المنتظر. فالشركات العملاقة تحتفظ بهذه البيانات علي خوادم هائلة بوصفها خزانات لرؤوس الأموال، أو بحيرات مغلقة لمنفعتها الحصرية. وقد تضطر بعضها إلي الدخول في مقايضات تجارية مع منافساتها لاستكمال ما ينقص لخدمة مشروع ما أو آخر، ويتوافر لدي آخرين. بل بلغت المنافسة حد حرمان موظفي شركة ما زملاءهم من الحصول علي معلومات تلزمهم داخل الشركة نفسها. وتحمل هذه المركزية التي تصل إلي مستوي الهوس أحيانا خطر الاحتكار. ويتطلب هذا سرعة التدخل تشريعيا علي النطاق الدولي (كمنظمة التجارة العالمية) لتنظيم المعاملات في هذا النشاط الآخذ في الازدهار بنفس طريقة حماية الملكية الفكرية. وعلينا أن نأخذ في الاعتبار هنا أن نسبة كبيرة من هذه البيانات تتطلب إجراءات لحماية الخصوصية أساسا.

الجغرافيا السياسية

وفضلا عن هذا كله، تختلف معدلات الزيادة في إنتاج البيانات من منطقة جغرافية إلي أخري في العالم. وتتصدر الصين القائمة في هذا المجال بمتوسط 41 زيتابايت في العام الواحد، ومن المتوقع أن يقفز الرقم إلي 50 زيتا بايت في العام الحالي. (واحد زيتابايت يعادل تريليون جيجا بايت). أما أوروبا، والشرق الأوسط، وإفريقيا فيصل المتوسط فيها إلي حوالي 35 زيتا بايت فقط. وتقف الولايات المتحدة في المنتصف بنحو 32 زيتا بايت سنويا. ودفع هذا التباين عددا كبيرا من الحكومات إلي تأكيد سيادتها علي البيانات الخارجة من منشآت رقمية علي أرضها. ويتنافي هذا (نظريا) مع فكرة السماوات المفتوحة، ومباديء حرية تبادل المعلومات التي يتشدق العالم الحر بها. ولكنها طبيعة الأمور علي أرض الواقع عندما يتعلق الأمر بالمكسب المادي في نهاية المطاف. وختاما، فإن العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين قد يحمل مفاجآت عجيبة للعالم ومن بينها بورصة مثل وول ستريت أو فرانكفورت للمضاربة والاتجار في بياناتنا أنا وأنت. من يدري !.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق