رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«تسييس حدود أوروبا».. لعبة خطرة تهدد تركيا

منال لطفى

لم يعد هناك مستقبلون أوروبيون للاجئين والمهاجرين علي الحدود ومحطات القطار، يحملون الأزهار وزجاجات المياه وملابس التدفئة ولافتات مكتوبا عليها «مرحباً» و«أهلاً وسهلاً». فتلك المشاهد التي فتنت العالم في عام 2015 اختفت، والبعض يقول إلي غير رجعة.

وبدلا من الورد والمياه والطعام والملابس وكلمات الترحاب، ُيستقبل آلاف اللاجئين المنتظرين علي الحدود اليونانية -التركية بالرصاص المطاطي والحي، والغاز المسيل للدموع والأسلاك الشائكة والعصي ليس من قوات حرس الحدود فقط، بل من السكان المحليين أيضا.

ففي جزيرة ليسبوس اليونانية، هناك مزارعون يتركون مزارعهم في الليل كي يقوموا بحراسة الحدود وهم مسلحون منعا لدخول أي مهاجر أو لاجئ بطريقة غير شرعية. أحد هؤلاء المزارعين لخص لـ«بي بي سي» الدوافع التي جعلته ينضم لغيره من المزارعين في «دوريات شعبية» لحماية الحدود إلي جانب قوات حرس الحدود اليونانية الرسمية بقوله: «سأقتل ضرباً من يدخل بطريقة غير شرعية، فلم نعد نحتمل المزيد». هناك سكان آخرون ينتظرون علي الشواطئ لمنع أي زورق للاجئين من النزول في الأراضي اليونانية.

باختصار أوروبا اليوم 2020 غير أوروبا 2015.

التغييرات في المزاج الأوروبي حيال موضوع المهاجرين واللاجئين لا يمكن وصفها بكلمة واحدة ولا يمكن إرجاعها لسبب محدد. فهناك عوامل معقدة ومتشابكة أدت إلي انقلاب المزاج الأوروبي علي استقبال لاجئين جدد.

واليوم ليس هناك مسئول أوروبي واحد لديه ما يكفي من الرصيد السياسي للدفاع عن «القيم الإنسانية الأوروبية التي تحتم مساعدة اللاجئين». فالزعيم الأوروبي الذي قاد أوروبا 2015 لاستقبال أكثر من مليون لاجئ ومهاجر، المستشارة الألمانية انجيلا ميركل، تقف اليوم بصرامة ضد دخول أي لاجئين أو مهاجرين مع تعاظم ظاهرة «خوف أوروبا علي نفسها». فاستقبال أعداد كبيرة من المهاجرين واللاجئين في نظر أحزاب الوسط الأوروبي اليوم هو «عبء سياسي» لن تحتمله أوروبا 2020 بينما هي محاطة بأزمات من كل صوب وحدب. أما في نظر اليمين القومي الأوروبي فاستقبال المزيد من اللاجئين ليس مجرد مُخاطرة أمنية - اقتصادية، بل تهديد ثقافي - ديني. فلم تؤد قضية لانشقاقات في الشارع الأوروبي أكثر من قضية للاجئين والمهاجرين. كما أن المشروع الأوروبي كله يعاني لحظة امتحان صعبة جدا، فإلي جانب البريكست وتوقع إعادة انتخاب الرئيس الامريكي دونالد ترامب لولاية ثانية، يعاني الاقتصاد الأوروبي، وعلي رأسه الألماني والفرنسي انكماشا وتباطؤا. وحتي قبل تأثيرات فيروس كورونا علي الاقتصاد الدولي، كان كثير من الخبراء الأقتصاديين يحذرون من أن منطقة اليورو في طريقها لركود اقتصادي.

وبالتالي عندما التقي الرئيس التركي رجب طيب اردوغان مع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لين، ورئيس مجلس أوروبا تشارلز ميشيل لبحث التوترات علي الحدود التركية -اليونانية كانت هناك ابتسامات متوترة جدا تعكس الأجواء. فقد خبط أردوغان بيده علي صدره وهتف للصحفيين «كورونا» في محاولة لتفسير عدم وجود مصافحة باليد بينه وبين تشارلز ميشيل. أما ميشيل نفسه فقد اعترف بأن الجانبين «لديهما آراء مختلفة بشأن أشياء كثيرة، ولهذا السبب من المهم إجراء حوار صريح ومفتوح».

وسواء منعت «الكورونا» المصافحة أم لا، لم يكن من الممكن تجاهل إشارات أخري للتوتر الشديد من بينها اختيار أردوغان التوجه مباشرة إلي المطار بدلاً من حضور المؤتمر الصحفي مع أورسولا فون دير لين وميشيل.

الخلافات الأوروبية -التركية كثيرة، من العراق، لليبيا، للاجئين والمهاجرين، مروراً بأوضاع الديمقراطية وحقوق الانسان في تركيا، انتهاء بالعلاقات مع روسيا وشراء منظومة «إس 400» الدفاعية، والوضع في سوريا. وحالياً ليس لدي أوروبا أي ثقة في أردوغان. فأزمة الحدود الحالية هي «مسيسة» و«مفتعلة» في رأي قادة الاتحاد الأوروبي، يريد بها اردوغان أولاً التغطية علي سياساته الكارثية في إدلب، وثانيا ابتزاز أوروبا لتقديم تنازلات في ملفات أخري. فوفقاً لاتفاق منع الهجرة غير المشروعة بين تركيا والاتحاد الأوروبي 2016، حصلت حكومة اردوغان علي نحو 6 مليارات يورو لوقف أي تدفق غير قانوني للاجئين، لكن الحكومة التركية تقول إن ما أنفقته يتجاوز 40 مليار يورو. وإلي جانب توقع أن يطلب أردوغان المزيد من الدعم المالي من الاتحاد الأوروبي لإيواء اللاجئين، فإن هناك مطالب أخري لا تتعلق باللاجئين ولا بالوضع في سوريا أصلاً ومن ضمنها منح السلع والمنتجات التركية «ممراً أكبر» للسوق الأوروبية، والسماح بدخول الأتراك لأوروبا دون تأشيرات. هذه مطالب تركية تكررت في الماضي ورفضها الاتحاد الأوروبي، وسيرفضها هذه المرة أيضاً.

ولا عجب أن تتهم فون دير لين أردوغان صراحة بـ«تسييس حدود أوروبا» لانتزاع تنازلات من بروكسل، موضحة:«الأحداث علي الحدود اليونانية ــ التركية تشير بوضوح إلي ضغوط ذات دوافع سياسية علي الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي». هناك نفاد صبر أوروبي حيال تركيا واستخدامها ورقة اللاجئين بهذا الشكل الخطير وغير الإنساني. فمفوض الميزانية بالاتحاد الأوروبي يوهانس هان اتهم أردوغان بإشعال أزمة مهاجرين لتشتيت الانتباه عن أزماته الداخلية، قائلاً «إنه فرد عضلات تقليدي...البحث عن خصم خارجي (في هذه الحالة إرسال اللاجئين) للتغطية علي ضعفه الداخلي».

وتدرك أوروبا الأزمات الكبيرة التي يمر بها أردوغان في الداخل، فقد استقال علي باباجان، حليف أردوغان ونائب رئيس الوزراء السابق من حزب العدالة والتنمية وأسس حزبا جديدا لمواجهة الحزب الحاكم قائلا إن تركيا «تحتاج إلي بداية جديدة»، مشيراً إلي خلافات عميقة حول سياسات أردوغان. وقبله أسس حليف آخر انقلب علي أردوغان، وهو رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو، «حزب المستقبل» لمنافسة حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية المقبلة.

المشكلات الداخلية المتزايدة التي يواجهها أردوغان ستجعله أكثر خطورة خارجيا وهذا أكثر ما يقلق أوروبا. فالمتوقع أن يلعب أردوغان مرات عديدة بورقة اللاجئين التي هي تحد سياسي واقتصادي وأمني كبير لأوروبا، لكنها أيضا «تحدي اخلاقي» لا تريد أوروبا السقوط فيه.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق