رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بوتين يعيد أردوغان إلى «الطريق القويم»

رسالة موسكو د. سامى عمارة

من موقعه فى الكرملين تابع «القيصر» تحركات «السلطان». راح يرصد تحركاته وسكناته واتصالاته التى كان يجريها تارة مع «غريمه» غير المعلن فيما وراء المحيط، ووزير خارجيته مايك بومبيو، وأخرى مع وكلائه فى أوروبا من ممثلى حلف الناتو، وثالثة مع المستشارة الالمانية ميركل، ونظيره الفرنسى إيمانويل ماكرون. أصاخ الرئيس بوتين السمع لكل ما صدر عن «السلطان» من تصريحات عنترية، ثمة من اعتبرها فى موسكو «جوفاء، للاستهلاك المحلي»، ليعلن عن قراره بدعوته الى «بساط الكرملين».

ما أن انتهت المكالمة الهاتفية التى جرت بين الرئيسين فلاديمير بوتين ورجب طيب اردوغان وطلب الرئيس التركى خلالها أن تتركه موسكو «وجها لوجه»، مع حليفها فى الشرق الاوسط الرئيس السورى بشار الأسد، حتى اتخذ الكرملين قراره الذى لم يحد عنه طوال الأيام التالية، وحتى جاءه «السلطان» بكامل إرادته، ووحده  مصحوبا فقط ببعض معاونيه، دون الغطاء الدولى الذى ظل ينشده طوال فترة حملته العسكرية «المحمومة» فى سوريا.

وكانت القيادة السياسية والعسكرية فى موسكو تدرك مدى تجاوز «الشريك» التركى لما يعتبرونه «خطوطا حمراء»، ويستحق الرد عليه على النحو الذى يتفق مع القول الذى صار مأثورا فى موسكو. «على من لا يستطيع الإصغاء لما يقوله لافروف، أن يستعد لقبول ما سوف يفعله شويجو». و«التورية» هنا واضحة لا لبس فيها، وتعنى أن من لا تعجبه توصيات عميد الدبلوماسية الروسية والعالمية سيرجى لافروف بالاصغاء إلى صوت العقل واعتماد السياسة والدبلوماسية السبيل الأمثل للوصول إلى القرار المنشود للخروج من الأزمة التى لا «حل عسكريا لها»، فعليه أن يكون مستعدا لما قد يتخذه من قرارات، سيرجى شويجو وزير الدفاع الروسى.

من هذا المنظور انطلقت فرقاطتان روسيتان مزودتان بصواريخ «كاليبر» صوب البحر الأبيض المتوسط، عبر مضيقى البسفور والدردنيل، على مرأى ومسمع من «السلطان» الذى ترامت إلى أسماعه بيانات وزارة الدفاع الروسية التى تقول إن الفرقاطتين سوف تتخذان مواقعهما على مقربة من السواحل السورية، وبما كان يعنى أن «أرباب» السيد أردوغان فى إدلب سوف يكونون فى مرمى نيران الفرقاطتين». وليرغى ويزبد «السلطان» كما يشاء، وخاصة بعد أن كشفت وزارة الدفاع الروسية عن أن ما فقدته تركيا من أفراد يزيد عددهم على الثلاثين كانوا ضمن صفوف التشكيلات الارهابية فى إدلب حسبما نشرت صحيفة «كوميرسانت» الروسية.

وفضلا عن كل ذلك، كانت موسكو تدرك ولا تزال، أبعاد ما يريده «السلطان» باتصالاته المحمومة مع العالم الخارجى. وكانت تعلم أيضا، ولا تزال مغبة مخططاته وقراراته «غير المحسوبة» ومنها «مواصلة ما سبق وتورط فيه من اتصالات مع الفصائل المسلحة والتشكيلات الارهابية» التى يحاول الاستعانة بها لتنفيذ «خططه التوسعية» غير المعلنة. ومن ثم فقد راحت تعمل أولا من أجل الابتعاد بالأزمة عن محاولات «تدويلها» من خلال مشاركة أطراف أوروبية من جانب، وثانيا: بدعوة أردوغان إلى «بساط الكرملين» بعيدا عن رغبته فى عقد اللقاء على «أرض تركية بمشاركة اثنين من بلدان الناتو» من جانب آخر.

جاء أردوغان إلى الكرملين مصحوبا بوزيرى خارجيته ودفاعه ورئيس مخابراته، ووفد رفيع المستوى شاء «بروتوكول الكرملين» أن يقفوا جميعهم على يسار الزعيمين فى قاعة المباحثات أسفل تمثال إمبراطورة روسيا القيصرية يكاتيرينا الثانية التى ألحقت قواتها بالاتراك 11 هزيمة، ومنها فى معارك القرم التى انتهت بضم شبه الجزيرة إلى الامبراطورية الروسية فى 1877-1878، فى إشارة لا تخلو من مغزى.

جاء «السلطان»، ليستهل حديثه مع بوتين بطلب «لقاء انفرادي»، طال بين جنبات الكرملين لما يقرب من الثلاث ساعات، انضم بعده اليهما لاحقا أعضاء الوفدين الروسى والتركى لثلاث ساعات أخرى. أما عن نتائج هاتين الجولتين، فقد أوجزها الرئيس بوتين فى ختامهما بالكشف عن أن اللقاء الأخير بين الرئيسين هو الثالث منذ بداية العام الحالى. قال إنهما استهلا مباحثاتهما فى الكرملين «وجها لوجه»، حسب طلب أردوغان، فيما انضم اليهما المسئولون من الوفدين الروسى والتركى. وإستطرد الرئيس الروسى ليقول «إن الأوضاع فى إدلب توترت إلى الدرجة التى تتطلب التدخل المباشر من جانب الرئيسين»، فيما أكد ضرورة تجاوز هذا التوتر والعمل على عدم تكراره. وفيما تقدم بعزائه فى الجنود الأتراك الذين لقوا حتفهم فى بداية العمليات القتالية مع القوات الحكومية فى سوريا، قال بوتين «إن خسارة البشر دائما مأساة كبيرة»، وأوضح «أن العسكريين الروس والسوريين لم يكونوا على علم بموقع الجنود الأتراك، والجيش السورى خلال هذه الفترة تكبد أيضا خسائر كبيرة». وأضاف الرئيس الروسى «أنه بات من الضرورى مناقشة الوضع الراهن اليوم والعمل على عدم تكراره، من أجل الحيلولة دون إلحاق الضرر بالعلاقات الروسية التركية التى قال إنه «يثمنها عاليا». لكنه قال أيضا  ان قاعدة حميميم الجوية الروسية تعرضت خلال الفترة القليلة الماضية إلى 15 هجوما من جانب الإرهابيين فى منطقة إدلب وهو ما كان الروس يبلغون به الجانب التركى، فى إشارة لا تخلو من مغزى إلى المسئولية المشتركة لتركيا تجاه مثل هذه الاعتداءات، التى لم يكن الجانب الروسى ليغض الطرف عنها، مؤكدا فى نفس الوقت إصراره وتمسكه بضرورة احترام وحدة وسلامة أراضى الجمهورية السورية.

 ومن جانبه أشار أردوغان إلى «متانة» العلاقات التركية الروسية، مؤكدا أن العمل على تطويرها يعد «مسألة هامة». وقال :«إن هذه العلاقات بلغت الذروة فى الوقت الراهن، وهو ما ينطبق على الصناعات الدفاعية والعلاقات التجارية.. ونحن نعتبر أن المهمة الأساسية التى تواجهنا تتمثل فى تطوير هذه العلاقات، وأعتقد أننا قادرون على ذلك».

وبعيدا عن هذه التصريحات التى تتسم فى بعض جوانبها بالمجاملات البروتوكولية، نعود لنشير إلى أن الجانب الروسى استبق هذه المباحثات بسلسلة من التحركات والتصريحات التى أشرنا منها إلى تحرك الفرقاطتين الروسيتين صوب السواحل السورية على مقربة من ساحة المعارك فى إدلب، وكذلك إعلان وزارة الدفاع الروسية عن ان تحركات الجيش السورى كانت تنبثق من اتفاقيات سوتشى، بما يعنى أنها جرت بدعم ومباركة الجانب الروسى فى إطار ما وقع عليه «السلطان» مع قيصر الكرملين حول ضرورة إخلاء إدلب من التشكيلات الارهابية، وفى مقدمتها فلول تنظيم «القاعدة» التى كانت تعمل تحت ستار «جبهة النصرة» قبل تغييرها الى «هيئة تحرير الشام». ومن هذا المنظور كانت نتائج اللقاء «العاصف» فى بعض جوانبه، والذى أسفر عن ذات النتائج التى سبق وتوصل اليها الرئيسان فى سوتشى فى سبتمبر 2018، ومنها وقف إطلاق النار وتسيير الدوريات المشتركة وفرض المناطق المنزوعة السلاح.

وشأن ما فعلا آنذاك فى ختام مباحثاتهما فى سوتشى، أوكل الرئيسان إلى وزيرى خارجيتهما سيرجى لافروف ومولود شاويش أوغلو إعلان ما توصلت إليه مباحثات الكرملين من نتائج كل بلغته، فضلا عن تسجيلها باللغة الإنجليزية ليفهمها «العالم بأسره»، بمن فيه من كانت تسول له نفسه «اللعب على أوتار التناقضات، وتأجيج ما يختمر فى نفس السلطان من آمال». ولعل الاهم فى هذا البيان الذى صدر «كملحق إضافى للمذكرة الصادرة عن نتائج مباحثات سوتشى فى 2018»، ما ترك بوتين لضيوفه إعلانه باللغة التركية حول ان «روسيا وتركيا تؤكدان التزامهما باستقلال الجمهورية العربية السورية ووحدتها ووحدة أراضيها، وتشيران إلى عزمهما على مكافحة جميع أشكال الإرهاب والقضاء على كل التنظيمات الإرهابية التى إعترف بتصنيفها مجلس الأمن الدولى، فيما تتفقان فى الوقت نفسه على أن تهديد المدنيين والبنية التحتية المدنية لا يمكن تبريره بأى ذرائع». ومن المهم التوقف عنده أيضا، ما أعلن عنه وزيرا خارجية البلدين حول أنه «لا حل عسكريا للنزاع السورى، الذى يمكن تسويته فقط من خلال عملية سياسية يقودها وينفذها السوريون بأنفسهم بدعم الأمم المتحدة وفق القرار 2254 الصادر عن مجلس الأمن الدولي». ومن هنا كان القرار الحاسم حول إعلان وقف إطلاق النار اعتباراً من منتصف نفس الليلة التى انتهت فيها مباحثات الكرملين دون إبطاء أو تسويف، وبتوقيع واضح من جانب وزيرى دفاع البلدين سيرجى شويجو وخلوصى أكار!!. ومن منظور المثل الصينى القائل» إذا أردت الإجهاز على خصمك، عليك أن توفر له جسرا للانسحاب»،  فإن هناك من يعتبر فى موسكو انه لا ضير من غض الطرف عما يطلقه أردوغان من تصريحات «عنترية» للاستهلاك المحلى، ومنها ما صدر عنه فى أعقاب اللقاء لدى عودته إلى وطنه ومنها «أن بلاده ستظل على أهبة الاستعداد دائما للرد على الانتهاكات والهجمات المحتملة من القوات الحكومية السورية فى إدلب». لكنه كان قد اعترف أيضا بخيبة أمله فى الشريك الامريكى، بقوله إنه «كان فى مقدور أمريكا أن ترسل معدات عسكرية إلى إدلب إن لم يبرم اتفاق وقف إطلاق نار، لكن لم نتلق دعما حتى الآن». ولم ينس أردوغان الاعتراف بما يشعر به من ضيم وأسف إزاء ما وصفه بأن الغرب منافق جدا حيث وعد اليونان على الفور بتقديم 700 مليون يورو»، لتعويض ما يتكبده من خسائر نتيجة محاولات الابتزاز التى بذلها بحشد الالوف من المهاجرين واللاجئين الذين لا يشكل السوريون ضمنهم اكثر من نسبة 20%، فى المناطق المتاخمة للحدود مع اليونان، ممن تؤكد المصادر الغربية ان غالبيتهم من العائدين من أفغانستان وجنسيات اخرى، ومنهم عناصر ارهابية، زودها الجانب التركى بقنابل مسيلة للدموع من ترسانة القوات المسلحة التركية!!.

وتلك أمور لا يمكن للجانب الروسى  أن يغض الطرف عن تفاصيلها ومفرداتها، ليظل عند موقفه من ضرورة التحلى بالصبر المفعم بالكثير من الحذر، وإن بدا على استعداد لتفهم ما يصدر عن «السلطان» من تصريحات «منزوعة الدسم»، تدرك موسكو أنها «للاستهلاك المحلي»!.       

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق