رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«جنرال الموساد» الذى يتمتع بحصانة الكرملين

رسالة موسكو د. سامى عمارة
> جنرال الموساد ياكوف كيدمى والمعلق السياسى الاوكرانى فاديم كاراسيف

حقا فعل فلاديسلاف سوركوف مساعد الرئيس فلاديمير بوتين وناصحه الأمين قبل رحيله عن منصبه فى فبراير الماضى حين «اخترع» منذ سنوات طويلة ما وصفها بالديمقراطية السيادية، أو «الديمقراطية الموجهة»، التى يمكن للحاكم وأربابه ممن يسمون أنفسهم أقطاب الإعلام فى روسيا، تحت ستارها تحديد ملامح السياسة والتطور الديمقراطي، فتَحْت هذه التسمية «الفضفاضة» و«الهلامية الاطر»، أمام جنرال اسرائيلى خرج من معطف الموساد ليحتل مكانه على شاشات العديد من القنوات التليفزيونية والمحطات الاذاعية الفيدرالية، بل والمسارح ومراكز الثقافة فى موسكو وكبريات المدن الروسية، بعد سنوات طويلة من العمل مشرفا على جهاز «ناتيف» المسئول عن تهجير اليهود السوفييت وغيرهم من البلدان الاشتراكية وتوطينهم فى اراض فلسطينية لا تزال موسكو تعترف بأنها اراض محتلة. هذا الجنرال هو نفس المنشق السوفيتى السابق ياكوف كيدمي، او كازاكوف وفق لقبه السوفيتى السابق قبل هجرته الى إسرائيل بعد حرب يونيو 1967 وانخراطه فى صفوف الجيش الإسرائيلى تحت إمرة إيهود باراك الذى خاض معه عددا من معاركه الدموية فى سيناء حتى حرب السادس من اكتوبر 1973.

وتقول المصادر الروسية إنه التحق بعد إصابته خلال المعارك مع القوات المسلحة المصرية، بالخارجية الإسرائيلية، وعاد إلى موسكو للعمل تحت سقف سفارة هولندا فى العاصمة السوفيتية ضمن الموظفين الإسرائيليين المرتبطين بجهازى «الموساد» و«الشاباك»، فى قسم رعاية المصالح الإسرائيلية خلال الفترة 1988-1990. وكان كيدمى قريبا آنذاك من بنيامين نيتانياهو نائب وزير الخارجية، الذى يبدو أنه وراء عودته وظهوره فى الساحة الإعلامية الروسية، بعد أن كان وحتى الأمس القريب ضمن القائمة السوداء المحظور دخولها إلى الأراضى الروسية والتعامل معها. وثمة من يقول إن إدراجه ضمن «القائمة السوداء» كان بسبب تورطه فى عام 1997، فى عملية تهريب 150 من الأطفال اليهود الموجودين فى «دور الايتام» (فى أعمار تتراوح من 5-18 سنة)، بمساعدة ثلاثة من رجال المخابرات الاسرائيلية كانوا يعملون تحت ستار السفارة الاسرائيلية فى تسعينيات القرن الماضي.

ياكوف الذى اختار لنفسه كنية «كيدمي» وتعنى بالعبرية «الجموح والمندفع دوما إلى الأمام»، يواصل صولاته وجولاته فى معظم البرامج الحوارية على شاشات التليفزيون الرسمى الروسى ومنها القناة الإخبارية الرسمية «روسيا ــ1» التى تذاع عادة قبل وبعد منتصف الليل، وكثيرا ما يحل عليها ضيفا تحت اسم «شخصية اجتماعية من إسرائيل». ومن اللافت فى هذا الصدد ان الجنرال ياكوف كيدمى يحظى دائما بكثير من الحفاوة والترحاب، من جانب فلاديمير سولوفيوف ابن جلدته مقدم البرامج الواسع الانتشار المدعوم أيضا من جانب الكرملين.

ونتوقف هنا لنشير إلى ان سولوفيوف خريج معهد الصلب الذى ترك العمل الحر والتجارة، وعاد إلى روسيا بعد سنوات عديدة عاشها فى الولايات المتحدة وجنوب شرق آسيا، ليمتهن الإعلام, الذى دلف منه إلى كواليس الكرملين وارتبط بعلاقات وثيقة مع سدنة جهازه الصحفى ممن يكفلون له الغطاء المادى والأدبى أينما كان، لا يكف عن ترديد انه يهودى دون ان يسأله أحد عن هويته أو قوميته.

ما يهمنا هنا، هو ما تابعنا مشاهده «المثيرة للجدل»، ضمن برنامج «أمسية مع فلاديمير سولوفيوف» على شاشة «روسيا -1»، وما لا يزال يثير دهشة الملايين من مشاهدى هذا البرنامج الحوارى واسع الانتشار، وكان بطله الأوحد ياكوف كيدمي. فقد راح كيدمى يصول ويجول، قبل أن ينفجر فى وصلة سباب «كاملة الدسم» شملت كلا من رئيسى بولندا واوكرانيا وحملت بين ثناياها مختلف الالفاظ التى يعاقب عليها القانون ومنها وصفه لرئيس أوكرانيا فلاديمير زيلينسكى بـ«المعتوه» و«السافل» و«الدنئ»، وانه عار على الشعب الأوكرانى بل وعلى اليهود بأسرهم، (وكلها الفاظ يعاقب عليها القانون الروسى ولا سيما انها تصدر عن قناة رسمية، وفى حق رئيس دولة ترتبط معها موسكو بعلاقات دبلوماسية)، لأسباب عزاها إلى تخلفهما عن إحتفالات إسرائيل بالذكرى 75 لضحايا الهولوكوست، لأسباب قالوا أنها كانت بسبب تصدر الرئيس بوتين لهذه الاحتفالات. وما أن حاول فاديم كاراسيف المعلق السياسى الأوكرانى الذى شارك فى البرنامج «مدفوع الأجر»، الذود عن كرامة رئيس بلاده، وتأكيد عدم جواز الانحدار إلى مثل هذا المستوى فى مثل هذا البرنامج «الجدير بالاحترام»، على حد قوله، حتى تحول جنرال الموساد إليه بوصلة أخرى من الاهانات المدعومة بمثيلاتها من جانب مقدم البرنامج سولوفيوف، الذى انفجر ليقول بكل الصراحة منزوعة الحصافة واللياقة : «بغض النظر عن درجة الاحترام التى أملك أنا حق تحديدها، فان ياكوف يتمتع هنا بكل الاحترام والتقدير». قال أيضا «ان تاريخ ياكوف وسيرته الذاتية، وكذلك ما بذله من دماء فى ساحة المعارك تشفع له ليقول كل ما يعن له، وليتحدث كما يريد باسم الشعب اليهودي«، فى إشارة إلى مشاركته فى حرب أكتوبر ضد مصر. واستطرد سولوفيوف ليقول »إنه هو الذى يدير الحوار، وهو الذى يملك حق المنع وحق المنح، وعلى الجميع الامتثال لهذه القواعد، وان لا أحد يملك فى برامجه حق الاعتراض أو التطاول او مقاطعة «ياكوف».

ولسنا هنا بصدد التعليق على «دكتاتورية» وصلف «ربيب» الكرملين، أو التوقف عند صمت وخنوع المعلق السياسى الأوكرانى وعدم اتخاذ موقف حاد أو على الأقل ما يحفظ له «بعض ماء وجهه»، على شاكلة الرد، أوالمبادرة بالانسحاب من البرنامج احتجاجا أو اعتراضا، نظرا ليقيننا من أنه مُشارك مُسْتَأجَر أى «مدفوع الأجر»، لا يملك أى حق فى ذلك، بموجب تعاقده مع «ولى نعمته»، وهو ما سبق وكتبنا عنه على صفحات «الأهرام» فى إطار حديثنا عن البرامج الاعلامية المدفوعة الأجر على شاشات التليفزيون الروسي. لكن الذى يستحق التوقف عنده لما يتسم به من غرابة وإثارة للدهشة، يتمثل فى أن أحدا من المشاركين فى البرنامج لم يعلق أو يعترض أو ينبس ببنت شفة، رغم أن الحلقة كانت تضم بين ضيوفها قامات سياسية وثقافية روسية تحظى فى موسكو بالكثير من الوقار والتقدير والاحترام (!).

وتعليقا على مثل كل هذه المواقف العبثية، نشير إلى ما يتردد على استحياء فى الساحة الإعلامية والسياسية حول إن ما يتمتع به جنرال الموساد (على اعتبار ان جنرال المخابرات لا يتقاعد) طوال مشاركته فى البرامج الحوارية الروسية من »حصانة« و«إمتيازات» فى روسيا، من خلال مشاركته فى البرامج الحوارية المعروفة بأنها تجرى تحت إشراف غير مباشر ومباركة غير معلنة من جانب الكرملين، يوفر له الأرضية اللازمة للعمل بشكل غير مباشر فى خدمة «مؤسسات بعينها» توفر له الاقامة «شبه الدائمة» فى العاصمة الروسية، وهو الذى كان حتى الأمس القريب من الشخصيات غير المرغوب فيها بتعليمات أمنية. ونضيف ان هناك أيضا من يعزو عدم معارضة كيدمى او عدم مناقشته فيما يقوله، إلى اعتبار ان ذلك يمكن ان يكون مُعَبٍراً بشكل او بآخر عن مصالح الدولة الروسية وقيادتها السياسية، سواء فيما يتعلق بعلاقات روسيا مع بلدان الجوار القريب فى الفضاء السوفيتى السابق ولا سيما جورجيا وأوكرانيا، أو فى صراعها التاريخى مع الولايات المتحدة وبلدان غرب أوروبا. على أن الأمر لا يقتصر على مشاركة كيدمى فى البرامج الحوارية التليفزيونية، بل ويتعداها إلى إقامة الحفلات العامة مدفوعة الأجر فى عدد من دور المسارح والقاعات الجماهيرية العامة فى العاصمة الروسية، التى يلتقى فيها كيدمى مع «عشاقه ومريديه» من مواطنى العاصمة، وفى معظمهم من اليهود. ويقول بعض من شهود العيان، إن هذه اللقاءات سرعان ما تتحول إلى صورة مصغرة من لقاءات النجم السينمائى مع معجبيه، فضلا عن إنتشار تسجيلات لهذه اللقاءات، وكذلك التى يجريها فى تل أبيب والقدس والمدن «الإسرائيلية» على مواقع «الإنترنت» و«اليوتيوب» فى موسكو وكبريات المدن الروسية. ولله فى خلقه شئون !

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق