رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أردوغان أمام حائط صد فى المواجهة مع أوروبا

رسالة لندن منال لطفى
> لاجئون من جنسيات مختلفة على الجانب التركى من الحدود مع اليونان فى انتظار الدخول لأوروبا

فعل الرئيس التركى رجب طيب أردوغان كل شيء من أجل إغراق أوروبا فى أزمة لاجئين جديدة، فقد أعلن أن حدود أوروبا «فُتحت من جديد» أمام المهاجرين. ونظم مسئولون أتراك رحلات عاجلة للاجئين. وخصصت الدولة التركية حافلات مجانية لنقلهم إلى الحدود التركية مع جيرانها الأوروبيين.

ودفع التمادى التركى لإرسال أكبر عدد ممكن من اللاجئين خلال فترة وجيزة إلى سخرية البعض من أن تركيا لم يبق لها إلا نشر أرقام هواتف المهربين فى وسائل الإعلام الرسمية.

بين عشية وضحاها تحولت الحدود البرية الطويلة بين تركيا واليونان إلى نقطة مشتعلة تهدد بمواجهة جديدة بين تركيا وأوروبا، وسط انتقادات من الرئيس التركى لدول الاتحاد الأوروبى بأنهم لم يساعدوا أنقرة فى إدارة الأزمة الإنسانية فى إدلب، شمال غرب سوريا. وإذا كان أردوغان يأمل فى كسب تأييد الاتحاد الأوروبى لسياساته فى سوريا. فإن العكس تماماً هو ما حدث.

ابتزاز سياسى وأخلاقي

أعادت صور آلاف اللاجئين العالقين على الحدود التركية ــ الأوروبية لذاكرة أوروبا فصلا مؤلما. واستخدام أردوغان تلك الصور المخيفة وهذه الذاكرة المؤلمة لـ «ابتزاز» أوروبا يُنفر منه القادة الأوروبيون أكثر. ومع أنه لا توجد نية أوروبية لانتهاج سياسة «الأبواب المفتوحة» مجدداً، كما حدث قبل نحو خمسة أعوام، إلا أن أوروبا لا تريد أيضا أن ترى أنقرة تستخدم اللاجئين كورقة ضغط وابتزاز سياسي، كما لا تريد دول الاتحاد الأوروبى أن تتحول هذه الورقة إلى «سيف أخلاقي» على أعناقها. ومن وجهة نظر مسئولى الاتحاد الأوروبى فإن أردوغان «آخر من يتحدث عن معاناة اللاجئين»، فالعملية العسكرية التى يقوم بها الجيش التركى فى شمال شرق سوريا منذ أكتوبر من العام الماضى ضد أكراد سوريا و«قوات سوريا الديمقراطية» أدت لتهجير مئات الآلاف من المدنيين السوريين من قراهم ومدنهم، ومقتل وإصابة الآلاف. ومما زاد النفور الأوروبى من أرودغان وسياساته أن الأزمة الحالية لا دخل لأوروبا فيها. فهى أزمة روسية ــ تركية بالأساس حول مصير إدلب، تلك المحافظة فى شمال غرب سوريا التى باتت المعقل الأخير للتنظيمات المتطرفة فى سوريا مثل »هيئة تحرير الشام« (أو جبهة النصرة سابقاً، فرع تنظيم القاعدة فى بلاد الشام). ويوضح دبلوماسى أوروبى مطلع لـ »الأهرام« أنه رغم أن تركيا تحاول تصوير التصعيد فى إدلب «من منظور إنسانى محض على أساس أن الهجمات الروسية والسورية تؤدى لإعادة انتاج أزمة لاجئين تهدد تركيا بالذات، إلا أن هناك دائما وجهين لنفس الحكاية...يجب ألا ينسى أردوغان أن لقادة أوروبا خطوط اتصال ساخنة مع موسكو«.

والوجه الآخر للحكاية متعلق بانتهاك تركيا لتفاهمات سوتشى وأستانا مع روسيا وإيران حول مصير إدلب. فمنذ دخلت موسكو بكل قوتها على المسرح السورى إلى جانب الحكومة السورية وحلفائها تم الاتفاق على «قواعد اللعبة» مع تركيا وعلى رأسها منع الاشتباكات بين الجيشين الروسى والتركي، وحرية الحركة للقوات الجوية الروسية ضد الجماعات الإرهابية فى إدلب، والفصل بين المعارضة السلمية وبين الإرهابيين المتطرفين، وفتح الطريقين الدوليين «أم 4» و«أم 5» كى تتمكن الحكومة السورية من إعادة ربط شرق وغرب سوريا عبر فتح الطريق الدولى «إم 4» (من الحدود العراقية مروراً بالقامشلى شرقاً، ومنبج والباب وصولاً لحلب شمال شرق، وإدلب واللاذقية شمال غرب)، وربط الشمال بالجنوب عبر فتح الطريق الدولى «إم 5» (أى من إدلب فى الشمال الغربى باتجاه حماة وحمص والعاصمة دمشق، وصولاً للحدود مع لبنان والأردن). ويعتبر الطريقان «صرة إستراتيجية» تربط بين أهم المدن السورية، ومفتاح نقاط الدعم والإمداد العسكري، وبالتالى ورقة قوة كبيرة فى يد الحكومة السورية إذا أحكمت السيطرة عليهما. أيضاً نصت التفاهمات على منطقة حظر طيران للقوات الجوية التركية فى سماء سوريا، وتنسيق حركة ونشر الوحدات التركية فى المناطق السورية مع القيادة العسكرية الروسية، وتسيير دوريات مشتركة على الطرق المتفق عليها، وفرض حظر على نقل منظومات الدفاع الجوى المحمولة على الكتف إلى تنظيمات وجماعات معارضة. لكن أنقرة انتهكت جوهر هذه التفاهمات. فمن ناحية تقف تركيا كحجر عثرة أمام القضاء على «هيئة تحرير الشام» أو (النصرة) وباقى التنظيمات المتطرفة فى إدلب، وتمنع الفصل بين المعارضة السلمية والمتطرفين. إضافة إلى هذا هناك اتهامات لتركيا أنها أو جماعات المعارضة الموالية ربما استخدمت نسخة تركية الصنع من طائرة ستينجر لمحاولة إسقاط طائرة روسية فوق إدلب.

الخوف من شبح القيصر

ووفق كثير من الدلائل، فإن روسيا عندما وجهت ضربتها الموجعة لقوات الجيش التركى فى سوريا، والتى أدت لمقتل العشرات من الجنود الأتراك، كانت تدرك تماما ماذا تفعل. فلم يكن الأمر «خطأ غير مقصود»، بل «رسالة لا تقبل اللبس» من روسيا لتركيا مفادها: توقفوا عن خلط الأوراق فى إدلب ومنع القضاء على التنظيمات المتطرفة، ومنع الحكومة السورية من إعادة ربط المدن السورية بفتح الطرق الإستراتيجية.

ولا شك أن الرسالة وصلت لأنقرة. لكن أردوغان تجنب تماما اتهام روسيا مباشرة بتنفيذ الضربات الجوية. ورد بالهجوم على مواقع وجنود سوريين، ما أوقع نحو 100 قتيل فى قوات الجيش السورى على مدى الأيام الماضية. كما نشرت تركيا آلاف الجنود فى إدلب. لكن المقامرة التركية بالتصعيد قد تكون مكلفة جدا. فمن ضمن كل جيران تركيا لا تتخوف أنقرة إلا من روسيا وإيران.

فعلى الخريطة تركيا محاطة بثلاث دول شرق أوسطية هى العراق، وإيران، وسوريا. ودولتين أوروبيتين هما اليونان، وبلغاريا (عضوا الاتحاد الأوروبي). وقبل عام 1991 كان للاتحاد السوفيتي، ومن قبله روسيا القيصرية حدود بطول 500 كيلومتر مع تركيا، هذه الحدود بعد انهيار الاتحاد السوفيتى أصبحت حدودا مع جمهوريات روسية سابقة هى أرمينيا وأذربيجان وجورجيا .

ومن بين هذه الدول تتحسب السياسة الخارجية التركية من روسيا وإيران. فأنقرة تشعر بالقوة أمام معظم جيرانها، وبالتالى تتدخل فى شئونهم بطرق مختلفة منها حتى العسكرية كما حدث من قبل فى العراق وسوريا. لكن مع روسيا وإيران لدى أنقرة حسابات مختلفة، وهى حسابات تقوم على تجنب المواجهة المباشرة. فروسيا القيصرية هزمت مرارا الدولة العثمانية فى مواجهات على مدى قرون. وفى الوعى التركي، فإن روسيا هى الجار الرئيسى الذى يجب تجنب المواجهة معه، وهذا الخوف هو ما قاد تركيا للانضمام لحلف الأطلنطى 1952 للاحتماء بالغطاء الدفاعى الغربى والحرب البادرة على أشدها. أما فيما يتعلق بإيران، فلم تتمكن الدولة العثمانية من هزيمة إيران أو السيطرة عليها، فهناك تكافؤ قوة بين إيران وتركيا يمنع أنقرة من مقامرة مكلفة. لكن التدخل التركى فى الحرب السورية ودعمها لجماعات معارضة مسلحة بإيديولوجية متطرفة، جعل أنقرة تقف على خط مواجهة مع أكبر جارتين لها تتخوف منهما، وهما موسكو وطهران. ولمواجهة هذا التنافس، بدأت تركيا فى الفترة الأخيرة فى بناء علاقات وثيقة مع العراق وإعادة تعزيز العلاقات مع إسرائيل، والتقارب مع امريكا رغم الخلافات الجسيمة.

والتصعيد فى إدلب يؤكد ان التحالف الروسي-التركى هو تحالف مصالح تكتيكى مؤقت وليس تحالفا إستراتيجيا.

فأنقرة تريد دعما دوليا لإنشاء منطقة عازلة داخل إدلب لحماية 3 ملايين شخص من العمليات السورية-الروسية. لكن لا روسيا ولا أمريكا ولا الاتحاد الأوروبى متحمسون لهذه الفكرة. فالمنطقة العازلة ستكون »ملاذا آمنا» « ليس للمدنيين ولكن للتنظيمات المتطرفة التى تسيطر على إدلب. وهذا كابوس للعالم ولأوروبا التى لديها حدود برية طويلة مع تركيا.

عزلة أنقرة تتفاقم

الاتحاد الأوروبى «حانق» على أردوغان وسياساته وابتزازه السياسى والمالي، وهناك شكوك متبادلة تتعمق عاما بعد عام على خلفية أوضاع الديمقراطية وحقوق الإنسان فى تركيا وسياسات أنقرة الإقليمية وتقربها من موسكو على حساب بروكسل، إضافة إلى علاقات تركيا الغامضة بتنظيمات مثل «هيئة تحرير الشام» و«داعش» أما المؤسسة الأمريكية فمنقسمة إزاء تركيا. فإذا كان دونالد ترامب يردد دعمه العلنى لأنقرة، إلا أن وزارتى الخارجية والدفاع، والكونجرس الأمريكى لديهم تحفظات كبيرة على سياسات أنقرة خاصة حيال أكراد سوريا. وحاليا تقف العلاقات التركية ــ الروسية على حد سكين بسبب تناقض الأهداف بينهما.

ومع أن تركيا تحت حكم أردوغان لا ترى نفسها كدولة تنتمى للغرب بالمعنى السياسى أو الثقافي، لكنها تحتاج استثمارات أمريكا وأوروبا للنمو الاقتصادي، وتحتاج روسيا لإمدادت الغاز، وتحتاج أسواق الاتحاد الأوروبى لبيع منتجاتها، وتحتاج الغطاء العسكرى لحلف الناتو عند الضرورة. ودون هذه الدوائر ليس لتركيا ثقل يحملها فى أى مواجهة، خاصة أن لعب أردوغان على التناقضات الأوروبية -الأمريكية -الروسية وصل لطريق مسدود.

ويتذكر أردوغان أنه فى حفل قسم اليمين الدستورية كرئيس لتركيا بعد التعديلات الدستورية التى أدخلها عام 2018، لم يحضر أى رئيس أو رئيس وزراء من دول الاتحاد الأوروبى أو حلف شمال الأطلنطى حفل قسم اليمين، باستثناء رئيس بلغاريا، كما لم يحضر أى مسئول من الشرق الأوسط، سوى أمير قطر. أيضا لم يحضر رؤساء لا روسيا ولا أمريكا ولا الصين ولا إيران.

ولا شك أن أردوغان يدرك اليوم أكثر من أمس أن عزلته تتفاقم.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق