رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ابتسامة العاشق تحت شجرة التذكار

منير عامر;

أوراق الشجر فى حديقة فندق فلوريدا بقرية كوستا برافا الاسبانى تملأ الخيال بما جرى تحت ظلالها؛ فخطواتنا من مطار باريس وحتى محطة القطار ثم قضاء 14 ساعة حتى الوصول إلى قرية بربنيون التى تفصل بين فرنيا واسبانيا بدت تلك الساعات كمحطة لبدء حياة ولدت ذات صباح أمام باب آداب الإسكندربة وحتى وصولنا إلى قرار الاندماج بزواج غير تقليدى. ولم تكن هناك زفة أو راقصة؛ لكن فى وداعنا على محطة القطار صديقنا الفنان عبدالحليم حافظ الذى وصل لباريس لأيام معدودة بعد مراجعة طبية عاجلة بلندن؛ ثم يعود للقاهرة لمواصلة المعركة التى فرضتها عليه السيدة أم كلثوم بعد أن قررت منعه من الغناء فى الحفل السنوى بذكرى ثورة يوليو عن طريق تطفيش الحاضرين للحفل بمواصلة الغناء طوال الليل تقريبا؛ وكان يضحك متوترا وصلبا وهو يقسم برحمة أمه أن جمال عبدالناصر لن يسمح بذلك وانها إن نجحت فى تلك المؤامرة فلسوف يشترى تاكسيا وينتظرها حين تخرج من بيتها صباحا للتريض ويدهسها؛ قال ذلك وهو مندهش لأنه كان السبب المباشر لدفعها مع محمد عبدالوهاب للعمل معا فأنتجا معجزتهما «أغنية أنت عمرى» فعبدالحليم هو من أثار بشغبه الذى بدا طفوليا وقال على مائدة العشاء التى دعاهم إليها جمال عبدالناصر فى عيدالثورة السابق؛ قال عبدالحليم ضاحكا «يا رايس مش معقول يبقى عبدالوهاب وأم كلثوم معانا ولاتوجد أغنية من صوتها بلحن لعبدالوهاب. فقال عبدالناصر «لو الأغانى بتتعمل بقرار جمهورى كنت أصدرت القرار؛فقال عبدالوهاب «اعتبر القرار قد صدر ياسيادة الريس»، وابتسمت ام كلثوم لتقول «علم وسينفذ سيادة الريس». ورغم البهجة المفتعلة من عبدالوهاب وأم كلثوم معا إلا أن عبدالحليم لاحظ بذكائه المفرط أن ام كلثوم ستعطيه درسا لن ينساه فقد تعودت أن تكون الأولى فى كل الأمور ولن تترك قيادة كل صغيرة وكبيرة لاى كائن من كان؛ وقد تجرأ «الولد عبدالحليم وقرر أن يقود الفن فى مصر ببساطة الحديث دون وجل أمام عبدالناصر.. اليس هو من طلب قبل شهور لقاء عبدالناصر واصطحب معه عبدالوهاب ليطلب إعفاء للفنانين لنسبة من الأعباء الضريبية، ووافق عبدالناصر. ويومها علم كل أهل الفن بأن عبدالحليم هو من تكلم فى هذا اللقاء أما عبدالوهاب فظل صامتا. كما أن عبدالحليم نجا بمعجزة من قضية تهريب عملة، بل صدرت تعليمات بتقليص أغانيه فى الإذاعة. وموجز قضية التهريب أن عبدالحليم امتلك شركة طباعة اسطوانات فى قبرص؛ وأن بعض العائلات التى لها أبناء يدرسون بالخارج يريدون إرسال بعض النقود للأبناء فيودعون فى حساب عبدالحليم نقودا بالعملة المصرية ويتسلمون منه شيكات بالعملة الأجنبية. وطبعا كان رصيده كبيرا فى بنوك الخارج لأن فيه عائد مبيعات أغانيه فى العالم كله. ولكن وصول تلك المعلومات إلى زكريا محيى الدين رجل الأمن الحديدى وعضو مجلس قيادة الثورة ووزير الداخلية العتيد؛ عندما وصلته معلومات تفيد بأن عبدالحليم يعطى بعض العائلات شيكات على بنك خارجى ويقبض مقابها هنا فى مصر كل ذلك جعل زكريا محيى الدين يتصرف بهدوء وحسم؛ فتم تقليص أغانيه من الإذاعة؛ ولن أنسى ما حييت ماجرى أثناء زيارة لى لعبدالحليم أن رأيته يقفز من الأرض ليقف على السرير ممسكا بسماعة التليفون ذات السلك الطويل وهو يقول «ربنا يخليك يا سيادة الريس» ليخبرنى عبدالحليم بعدها بأن عبدالناصر كان هو المتحدث له على التليفون بعد ان لاحظ قلة أغانيه بالإذاعة وعلم بقصة قضية تهريب العملة فاصدر تعليماته بإلغاء العقوبات الصامتة على عبدالحلبم وقال «مش معقول اسمع أغانى مطرب 23 يوليو من إذاعة إسرائيل وما اسمعوش من إذاعات مصر». وطبعا اتصل به د. عبدالقادر حاتم بعدها ليطلب منه مواجهة المنافسة التى أشعلها المطرب محمد رشدى بواسطة الألحان غير التقليدية لبليغ حمدى. فكر عبدالحليم بامتصاص العملية كلها وطلب منى أن أحدث صديقى عبدالرحمن الأبنودى عنه؛ أما بليغ حمدى فعلى عبدالحليم نسيان عدم نجاح أغنية «تخونه وعمره ما خانكم». ضحكت يومها لعبدالحليم قائلا» عبدالرحمن الأبنودى مغزول من حرير وشوك وعليك أنت التواصل معه؛ فهو لايسمع إلا لصوته الداخلى». ولم تمر سوى أيام حتى وصلنى صوت الأبنودى معاتبا لأنى لم أكن جسرا بينه وبين عبدالحليم.

وجاء سفرى لباريس واخترت أنا والحبيبة قضاء أيام مبهجة على ذلك الشاطئ الاسباني؛ ففى جيبى ثلاثمائة استرلينى بدل سفر ومكافأة لى على نشر مذكرات الفنان سيف وانلى مسلسلا ومصاحبا برسوم الفنان العالمى سيف وانلى. وكانت تلك ضربة صحفية لروز اليوسف؛ وكان قرار السفر ببدل سفر مضاعف هو المكافأة التى قررها السيد أحمد فؤاد الذى رأس مجلس إدارة روزاليوسف بجانب رئاسته بنك مصر وكان معروفا أنه المدنى الوحيد القريب من قلب وعقل جمال عبدالناصر ويكاد أن يكون الوحيد الذى نبه جمال عبدالناصر من شراسة فريق مضاد له يلتف حول عبدالحكيم عامر وهو أول من أسند له جمال عبدالناصر عملية تأسيس التنظيم الطليعى ليضم أغلب اليساريين؛ ثم تسلم شعراوى جمعة أمانة هذا التنظيم من بعد ذلك؛ وأتذكر أن الاثنين ظلا يضحكان عندما عرضا على شحصيا الدخول للتنظيم فقلت لهما فى مكتب شعراوى جمعة بالوزارة المركزية أنتم تحتاجون إلى اعضاء منضبطين وأنا غير منضبط على الإطلاق؛ فضلا عن أن صديقى محمد زغلول كامل أصغر الضباط الأحرار فقد قال لى ان هناك شخصيات قد تحتاجهم البلد ولا يكونون منتظمين فى أى تنظيم؛ كما أنى مفلوت اللسان وما أعرفه أقوله لكل من أعرف. وأخذت بنصيحة زغلول كامل الذى أعلم ان علاقته مباشرة مع جمال عبدالناصرعبر عمله بشكل مباشر مع السيد سامى شرف مدير المعلومات بمكتب عبدالناصر.

> >

وصل القطار الذى حملنى مع خلاصة ماحلمت به عاطفيا. وفاجأنى شجر قرية برنبيون بأن أوراق الشجر كانت بالنسبة لعيونى غريبة؛ فكل ورقة شجر حملت لى صورة من صور لقائنا العاطفى، فورقة تحمل صورتنا فى لقانا اليومى بمكتبة الكلية؛ واخرى تصورنا فى المطعم الشعبى بشارع معروف المجاورلبيت المغتربات الذى أقامت به قبل بعثتها لباريس وورقة شجر ثالثة تحمل صورتنا فى المقهى المحاط بالحصير فى مرسى مطروح أثناء اشتراكها فى معسكر الجامعة وأنا ازف لها خبر تعيينى كأصغر محرر بمجلة صباح الخير بناء على طلب من فتحى غانم رئيس تحريرها والموهوب فى صقل المواهب الشابة والذى استجاب لطلبى بأن يحكى قصة تعيينى كأصغر محرر وذلك كى أحطم ما أذاعه زميلنا الموهوب صالح مرسى الذى أشاع أنه هو السبب فى تعييني؛ وكنت أريد الخروج من قفص ادعائه بأنه سبب تعيينى وليس سهرى الليل والنهار كى أثبت جدارتى. وطبعا كان خبر تعينى هو المفاجأة لكل أصدقائى من طلبة قسم الفلسفة بآداب الإسكندرية.

وهكذا بدت أوراق الشجروكأنها تحكى تاريخى.

> >

وجاء حضورنا بالمسرح المكشوف لبلاج كوستا برافا على شاطئ البحر لمسرحية الزفاف الدامى التى كتبها لوركا شاعر اسبانيا العظيم وكان مسرحه ممنوعا قبل يونيو 1965 فى إسبانيا؛ ثم جاء الإفراج عن مسرحه فتهافت الجميع من السياح على تلك العروض التى تقدم بالفرنسية على مسرح مفتوح على البلاج؛ وعندما سألت عن تقديمها بلغة غير لغة البلد قال لى صاحب الفندق لماذا يحضر الإسبانى مسرحية يعيش هو أهوالها كل يوم. فالفتاة فى اسبانيا تساق للزواج لمن يدفع الثمن ويذهب عاشقها إلى حياة مكدودة وعندما تسمح له ظروفه بدرجة من النمو المالى يذهب لشراء حصانايركبه مطاردا لبطلة حلمه المكسور؛ وآه من لحظة لقاء العاشق مع الحبيبة؛ هنا قد تفكر الحبيبة فى الهرب معه؛ وإن حدث الهرب للقاء الحب قد يستمر توهج الحب لأيام لكن العريس الثرى الذى هربت منه العروس يبحث عن المعشوقة الهاربة والغريب أن الجاسوس الذى يدل على موقع العاشقين يكون هو القمر اللامع كهلال يشبه السكين الذى يغرسه الزوج المغدور فى قلب العاشق والمعشوقة.

وكانت ملامح صاحب الفندق ترتسم بألم فسألته « هل لمست المسرحية تجربتك؟ قال الرجل جادا « فى دول حوض البحر المتوسط وفى كل بقاع الأرض تجربة العشق الدامى تتكرر. ورغم أن الكتب السماوية حكت لنا عن هابيل وقابيل لكن البشرية لم تترك الحبيبة لعاشقها أو المعشوق لحبيبته؛ فالقمر فى كل أنحاء الكون يلعب دور السكين».

وأثناء الخروج من المسرح لقينا كلود إستييه رئيس تحرير جريدة ليبراسيون الفرنسية. وقرر يدعونا على العشاء وأن يحدثنا عن رحلته للجزائر؛ وكان قد سافر إليها بحثا عن أسباب عزل واعتقال أحمد بن بيلا وان هوارى بومدين هو من قام بتلك الحكاية وكان بن بيلا فى خيالى هو ملهم فكرة الاستقلال. قال كلود إستييه « أن تلهم بفكرة الثورة فهذا أمر بختلف عن الإمساك بالبندقية واقتحام الأسوار لصناعة الحرية. بن بيلا حلم بالحرية للجزائر وقضى سنوات فى سجون فرنسا؛ لكن بومدين هو من صدق حلم التحرير وقاد جيش التحرير لمعارك جسيمة ومريرة وما حدث فى الجزائر هو خلاف بين صانع الحلم بن بيلا وبين منفذ الحلم وهو بومدين».

وأثار كلود استييه سؤالا كنا نحن أهل مصر نخشاه. السؤال هو « هل ينقلب عبدالحكيم عامر على جمال عبدالناصر؟. «ولم يجرؤ أحد على طرح السؤال وإن كان التفكير فيه قد بدأ منذ حادث انفصال الوحدة بين مصر وسوريا؛ فقد كانت إدارة عبدالحكيم عامر لسوريا موضع جدل بين رجال ثورة يوليو. ولعل عبدالناصر دفع الثمن بمرارة الهزيمة عام 1967 عندما لم يقم عبدالحكيم عامر بمهامه. بل سعى للسلطة مدفوعا بشهوات الصغار المحيطين به.

قال لى كلود إستييه فى آخر تلك الليلة سأقول لك على خبر لن تصدقه ولكن من قاله لى هو أندرييه سكرتير الحزب الشيوعى الفرنسى.. الخبر هو أن الولايات المتحدة طلبت من مصر التوسط بينها وبين فيتنام. وأن عبدالناصر غرق فى الضحك عندما فاتحه الرسول بذلك وقال لمن حدثه فى هذا الأمر « تلك لعبة وكمين. لابد أنهم يحفرون لنا حفرة ضخمة».

وعن نفسى انا كاتب هذه السطور اكاد أجزم بأن عبدالناصر كان يتوجس من شظايا التقلبات فى الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى. وأن الصهيونية العالمية لا تخترق أمريكا وحدها بل تخترق الأعصاب الحساسة فى الكرملين.

> >

وفى الفندق قالت لى الصور المطبوعة على أوراق الشجر «كل عشق فى زماننا سيطعنه قمر كالسكين».

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق