رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بوتين وترامب وسباق «غير معلن» لإنقاذ نيتانياهو

د. سامى عمارة
بوتن خلال زيارته الاخيرة للقدس

حين يتفق بوتين وترامب على إنقاذ نيتانياهو.. أحدهما تحت ستار الذكرى الخامسة والسبعين للهولوكوست ومناسبات أخرى كثيرة، والآخر بالإعلان عن اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل، بعد الكشف عن «خطة السلام» التى كان صهره اليهودى جاريد كوشنر طاف بها على البلدان العربية وحاول إقرارها لاحقا فى منتدى البحرين، فإننا نكون قاب قوسين أو أدنى مما قد يتجاوز «هولوكوست» جديدة فى حق الفلسطينيين الذين يرزحون تحت وطأة «التحالف الأمريكى الإسرائيلي» المدعوم ضمنا من جانب موسكو التى سبق ووقفت عمليا وراء قيام دولة إسرائيل، وكانت أول دولة منحتها الاعتراف القانونى فى 18 مايو 1948، بعد كثير من الدعم المادى والبشرى والعسكرى المباشر طيلة فترة الأربعينيات من القرن الماضى، فى وقت نشهد فيه استمرار مسلسل دعم بوتين لإسرائيل حتى الحد الذى اعترف فيه حاخام اليهود الروس بأنه أكثر الزعماء الروس دعما لها على مر التاريخ المعاصر.

بعد زيارته الأخيرة للقدس، للمشاركة فى احتفالاتها بالذكرى الخامسة والسبعين للهولوكوست، والنيل ممن يحاول الوقوف من هذه «الجريمة» على نحو أكثر موضوعية وعقلانية، على اعتبار أن كل ضحاياها لم يكونوا من اليهود وحدهم، وكان بينهم كثيرون من الروس وأبناء القوميات الأخرى، عاد الرئيس فلاديمير بوتين ليبعث إلى حضور حفل ما أطلقوا عليه تسمية «حافظ الذكرى»، الذى يقام فى موسكو بمناسبة إحياء اليوم العالمى لذكرى ضحايا الهولوكوست، برسالته، التى نشرها الكرملين على موقعه الالكترونى وأشار فيها إلى أن «الهولوكوست تعد من أكثر صفحات التاريخ العالمى مأساوية وسوادا». ومضى بوتين ليقول «إن جرائم النازيين وأعوانهم لا تسقط بالتقادم، لا غفران لها ولا نسيان، وكل محاولات التعتيم على تلك الأحداث وإعادة كتابة التاريخ غير مقبولة وغير أخلاقية». واستطرد بوتين ليؤكد «ان الواجب المشترك يقتضى من الجميع أن نحفظ وننقل للأجيال القادمة الحقيقة عن أكثر حروب القرن العشرين دموية، وعن أن الجيش الأحمر هو الذى وضع حدا لهذه الفظائع غير المسبوقة، الجيش الذى دحر النازية ولم ينقذ الشعب اليهودى وحده بل وشعوبا أخرى فى كوكبنا من الإبادة والاستعباد». كان ذلك بعد أن أقرت روسيا وللعام السادس على التوالى «الاحتفال بذكرى ضحايا الهولوكوست لمدة اسبوع من كل عام اعتبارا من 20 يناير وحتى 2 فبراير». ولا خلاف حول هذا كله، بل ونضيف اليه المكرمة التى أغدق بها بوتين على ضيفة نيتانياهو، التى فرضها على كثير من لقاءاته معه بعد ان جاء بها خصيصا للقاء الرئيس الروسى، لتطلب منه العفو عن نعمت هاسارا ابنتها المسجونة فى روسيا بتهمة تهريب المخدرات. وسارع بوتين على مرأى ومسمع من الملايين الذين تابعوا مراسم استقباله فى القدس واحتفالات ذكرى «الهولوكوست»، بتهدئة روع الام التى طلبت الافراج عن ابنتها مؤكدا «أن كل شئ سيكون على ما يرام، وهو ما سارع بإصدار عفوه الرئاسى فور عودته إلى موسكو، وقبيل استقباله لنتانياهو الذى كان وصل فى زيارته الدورية إلى روسيا.. لكننا نشير فقط إلى رفض المبالغة فى ذلك، على ضوء ان موسكو تقتصر فى احتفالاتها بذكرى النصر ضد النازية على يوم واحد فى التاسع من مايو كل عام، وكذلك شأنها بالنسبة لفك الحصار حول لينينجراد والذى استمر قرابة التسعمائة يوم أى زهاء الثلاث سنوات، ودون اعتبار لما ارتكبه أبناء صهيون من جرائم على مدى ما يزيد على السبعين عاما أى منذ إعلان قيام دولة اسرئيل بدعم مباشر ومباركة صريحة من الاتحاد السوفييتى السابق، ولا نتحدث عن كل ما ارتكبته وترتكبه اسرائيل، بل ونيتانياهو شخصيا، فى حق الفلسطينيين من جرائم.

وقد جاء كل ما فعله ويفعله بوتين دعما لنيتانياهو، مواكبا لإعلان نظيره الأمريكى دونالد ترامب عن «خطة السلام فى الشرق الأوسط»، وما تتضمنه من تفاصيل تبدد عمليا حلم الفلسطينيين فى إقامة دولتهم المستقلة، وما استبق ذلك من خطوات وقرارات على غرار اعتراف الإدارة الأمريكية بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارتها إليها، فضلا عن المرسوم الذى أصدره الرئيس الأمريكى حول محاربة السامية فى الجامعات الأمريكية، والذى سارع بنيامين نيتانياهو رئيس الحكومة الاسرائيلية بتقديم شكره عليه، على اعتبار أن ذلك مناهضة للتمييز العنصرى ضد الشعب اليهودى، فى نفس الوقت الذى ثمة من اعتبر فى هذا المرسوم مساسا بحرية التعبير.

ولم يكتف ترامب بما يتخذه من إجراءات ويصدره من بيانات تبدو بمثابة الدعم المباشر لنيتانياهو وسياساته، ليتجاوزها إلى تهديد كل من يتخذ منها موقفا انتقاديا مثلما فعل مع خصوم مرسومه الأخير حول «محاربة السامية فى الجامعات الأمريكية». وننقل عنه بعض تصريحاته التى أدلى بها خلال حفل أقيم فى البيت الأبيض بمناسبة عيد الأنوار اليهودى وقال فيها: «هذه هى رسالتنا إلى الجامعات. إذا كنتم ترغبون فى الاستفادة من المبالغ الضخمة التى تتلقونها كل عام من الحكومة الفيدرالية، فمن الواجب عليكم أن ترفضوا معاداة السامية». وفيما نقلت وكالة «فرانس برس» ما قاله جاريد كوشنر صهر الرئيس ومستشاره، فى مقال نشره فى صحيفة «نيويورك تايمز» حول ان دونالد ترامب يدافع بهذا المرسوم عن الطلاب اليهود، و«يشير بوضوح إلى أنه لن يتمّ التسامح مع معاداة السامية، ظهر من دعاة حرية التعبير من يعرب عن مخاوفه من استخدام مثل هذه التعريفات الفضفاضة والغامضة لمعاداة السامية من أجل حظر أى انتقاد لسياسة الحكومة الإسرائيلية. واستشهدت وكالة «فرانس برس» فى ذلك، بما قاله جيريمى بن عامى، رئيس المنظمة اليهودية التقدمية «جاى ستريت» حول ان المرسوم «لا يهدف على ما يبدو إلى محاربة معاداة السامية بقدر ما يهدف إلى تقييد حرية التعبير ولمنع انتقاد إسرائيل فى الجامعات». وننقل عن «تايمز أوف إسرائيل»، ما قالته حول انقسام المنظمات اليهودية بين مؤيدة ومستنكرة للمرسوم الذى وقعه الرئيس الأمريكى دونالد فى نهاية يناير الماضى حول معاداة السامية فى الجامعات. وقالت إن هذا المرسوم يستهدف توسيع تعريف الحكومة الفيدرالية لمعاداة السامية، ويلزم بتطبيق القوانين ضد التمييز فى الجامعات. ونواصل الاستشهاد بما نقلته «تايمز أوف إسرائيل» عن هالى سويفر المديرة التنفيذية لـ»المجلس الديمقراطى اليهودى فى أمريكا»، التى قالت «إن الأمر مجرد محاولة من قبل ترامب «للتستر على معاداته هو للسامية، ودوره المباشر فى انعدام الأمن المتزايد لدينا».

أما عن خطة ترامب للسلام وهى القضية المحورية التى صارت محور أحاديث العامة والخاصة فى الداخل والخارج ، فيمكن تناولها من منظور ما سبق وتناوله الكسندر بوفين، أول سفير للاتحاد السوفيتى وروسيا فى إسرائيل بعد استئناف العلاقات الدبلوماسية فى نهاية عام 1991، فى كتابه مذكرات سفير غير حقيقى. قال بوفين: «ان نيتانياهو أدرك أن الإسرائيليين حين بدأوا عملية السلام مع الفلسطينيين، وكأنما كانوا على يقين من أنهم لو صاغوا أهدافهم النهائية التى يرتضونها وهى «لا» لسيادة الدولة الفلسطينية، و«لا» لتقسيم القدس»، و«لا» «لعودة اللاجئين»، و«لا» «لإزالة المستوطنات»، و«لا» للعودة إلى «حدود 1967»، فإن الفلسطينيين لن يقبلوا بالجلوس إلى مائدة المفاوضات.

وخلص بوفين إلى أن ذلك ما يدركه كثيرون فى إسرائيل. وهو ما احتفظ به نيتانياهو فى جعبته. وكشف عن أن ادلشتاين وكان وزيرا فى الحكومة الإسرائيلية، صارحه فى وقت لاحق بأن الحكومة الإسرائيلية وبعد مناقشات وجدل حاد توصلت فى نهاية الأمر إلى أن «خريطة المصالح الإسرائيلية»، أو بقول آخر «حدود التسوية النهائية» يجب ألا تخرج عن الآتي:

1ـ لا تستطيع إسرائيل قبول دولة فلسطينية مستقلة على مقربة من حدودها، أو على أقل تقدير الاحتفاظ لنفسها بحق السيطرة على شئونها العسكرية والسياسية.

2ـ لا يجوز لإسرائيل أن تسلم للفلسطينيين أكثر من 30-40% من أراضى الضفة الغربية، أما بقية المساحة فيجب أن تظل تحت السيطرة الإسرائيلية .

3 ـ الإبقاء على المستوطنات، والنظر فى تطويرها «رأسيا»، بما يكفل زيادة عدد السكان وبناء مساكن أخرى دون التوسع أفقيا، فى ظل حماية الجيش الإسرائيلى أمن المستوطنات.

4 ـ لا يمكن السماح بالعودة التلقائية والكاملة للاجئين. ويمكن بحث كل حالة على حدة انطلاقا من اعتبارات التوازن الأمنى والديموغرافى.

5 ـ القدس واحدة لا تتجزأ تظل عاصمة لإسرائيل، مع ضمان إسرائيل الوصول إلى الأماكن المقدسة لكل الأديان.

واعترف السفير الروسى الأسبق بأن نيتانياهو لم يكن ليجرؤ على الكشف عن هذه الاستراتيجية فى أى من لقاءاته أو مباحثاته، وإن حرص دوما على إماطة اللثام عن مكنون رؤيته التى تهدد مستقبل المنطقة، إذا ما تمعنا النظر ثانية فى معنى الرموز التى اختارها مؤسسو الدولة اليهودية لرايتهم الوطنية، وهى نجمة داود التى تتوسط الخطين الرأسيين إشارة إلى حدود دولتهم من النيل غربا الى الفرات شرقا!.

وكان بوفين السفير السوفييتى الروسى أعاد إلى الأذهان ما سبق وأشار إليه فى ما احتفظ به من مذكرات ومخطوطات حول «الواقعية السياسية» لنيتانياهو وإجادته أساليب الضغوط فى إطار التكتيك وبعيدا عن التمسك بـ«المبادئ الايديولوجية الجامدة»، وإستناده إلى قدراته على المناورة التى يجيد شتى فنونها، وتغيير أنماطها على النحو الذى يتلائم مع شخصيات شركائه فى الحوار، وبما يتسق مع توجهات كل منهم، وبما هو أقرب إلى «التنويم المغناطيسي» اعتمادا على ما يجيده من فنون المنطق والإقناع.

أما عن مواقفه فقال السفير الروسى إنها تتلخص فيما يلى :

القدس: لا أى إشارة تلميحا كانت أو تصريحا، عن أى احتمالات لتنازلات متبادلة. فالفرنسيون لن يخوضوا أى مباحثات عن مستقبل «باريس»، مثلما الانجليز بالنسبة لـ«لندن». ومع ذلك فإن الاسرائيليين على إستعداد لمنح الفلسطينيين حقوقا كاملة فى القدس وليس «على القدس».

الدولة الفلسطينية: يمكنكم تسميتها كما يحلو لكم، حتى تحت اسم «الدولة»، لكنها لن تتمتع بأية حقوق سيادية، على النحو الذى تتمتع به «اندورا»، على حد قول نيتانياهو الذى أهان به أهل اندورا.

الحدود: لا عودة إلى حدود 1967 «إنها حدود الحرب وليست حدود السلام». ويمكن الحديث عن نسب ما فيما يتعلق بالضفة الغربية والجولان.

اللاجئون: تعبير على طرف نقيض مع الصهيونية، وأقصى ما يمكن النظر فيه نسبة صغيرة لمنظمة التحرير الفلسطينية.

سوريا : لن يخوض نيتانياهو أى مباحثات حول منح أى وعود بخصوص الجولان، ويبدو أنه على إستعداد لقبول صياغة «فلنبدأ من حيث انتهينا». أما عن المكان الذى انتهينا إليه، فسوف يكون محور خلاف خلال المباحثات. ولن يقبل نتانياهو بالانسحاب الكامل عن الجولان، (ليس من منظور الاستراتيجية، بقدر ما هو متعلق بالمياه). ومع ذلك فالحل الوسط ليس مستبعداً،(وإن صار مشكوكا فيه بعد قرار ترامب الذى اتخذه بهذا الشأن).

تلك هى المواقف الحقيقية لنيتانياهو ازاء قضية الدولة الفلسطينية، ويقول يفجينى بريماكوف الذى يظل الأهم والأبرز بين خبراء روسيا لشئون الشرق الأوسط فى تاريخها المعاصر، تعليقا على أحد تساؤلاتنا حول الحظوة التى يلقاها بنيامين نيتانياهو رئيس الحكومة الاسرائيلية فى موسكو،» إنه يختلف عن نظرائه فى النسق الأعلى للسلطة فى إسرائيل». وعن تجربته الشخصية مع نيتانياهو، قال بريماكوف إنه «زعيم وصاحب كاريزما قادر على تنفيذ ما يعد به»، لكنه سرعان ما تدارك مثل هذه السمات الإيجابية ليقول «وإن كان ما يعد به قليلا، ولا يستجيب لما يجب أن يلتزم به».. ولعل ما قاله بريماكوف بشأن شخصية نيتانياهو يبدو اقرب الى التعبيرات التى لا تضع حدودا لفهم هذه الشخصية السياسية التى تحظى بما هى أشبه بالوضعية الخاصة فى موسكو، بعد ان صار نيتانياهو الزعيم الإسرائيلى الأكثر زيارة لروسيا والأوثق ارتباطا بقياداتها، على مدى كل تاريخ العلاقات الروسية الإسرائيلية المعاصر.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق