رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«يوميات تولستوى» لأول مرة بالعربية

عزمى عبد الوهاب;

ترك «تولستوى» (9 سبتمبر 1828 20 نوفمبر 1910) بصماته فى مختلف أوجه النشاط الإنسانى، لا فى روسيا وحدها، بل تعداها إلى دول العالم، شرقا وغربا، وعاش حياة حافلة بالكتابة والصراع، حياة واكبتها مواجهة الظلم ومحاربة الظلام، فأصبح أسطورة فى حياته، وبعد مماته، ففى عام 1901 أصدر المجلس الكنسى قرار حرمانه من الكنيسة، وفى العام نفسه سافر إلى شبه جزيرة القرم للعلاج، ثم عاد إلى مسقط رأسه فى العام التالى، إلى أن خرج سرا من منزله فى الخامسة من صباح العاشر من نوفمبر عام 1910، وهو ابن الثالثة والثمانين، وفى عربة من عربات الدرجة الثالثة بالقطار أصيب بنزلة رئوية، ما جعل ناظر المحطة يحمله إلى بيته، حيث توفى فى العشرين من نوفمبر عام 1910 ودفن دون طقوس دينية، فى المكان الذى حدده بنفسه، وسط أشجار غابة ضيعته، وقد أثار خروجه من بيته سرا ووفاته، اهتمام الصحف والمجلات فى مختلف أنحاء العالم.

......................

عاش تولستوى 83 عاما، قضى 50 سنة منها فى الكتابة، فكتب 174 مؤلفا، من بينها «الحرب والسلم» و»آنا كارنينا» و»البعث» وثلاثية «الطفولة» و»الصبا» و»الشباب» التى تعرض الكثير من ملامح سيرته الذاتية، وكتب عدة مسرحيات منها «سلطان الظلام» و»جثة حية» و»إنها سبب كل المصائب» وفى هذه المسرحيات تبلورت فلسفته، فجاءت تعبيرا عن نظرته إلى الحياة، والأسس التى ينادى بها، ومن خلالها تعرف إلى الجانب الروحى الخاص به.

قبل أن يكمل تولستوى عامه الثانى ماتت أمه، ثم انتقلت أسرته إلى موسكو حيث مات أبوه، وهو ابن التاسعة، وفى العام 1844 التحق بكلية اللغات الشرقية، لدراسة اللغتين العربية والتركية وآدابهما، لكنه ترك الدراسة بعد عام، والتحق بكلية الحقوق، ليهجرها عائدا إلى مسقط رأسه، وينخرط فى العسكرية، وتستيقظ روحه على دوى القنابل وهدير المدافع، وتزداد حدة القلق، ليشمل الروح كلها، ويتطرق إلى ما يتعلق بالإنسان، ومكانه ودوره فى الحياة، لتسيطر هذه الأفكار على نظرته للحياة، خصوصا بعد مشاركته فى حرب القرم.

يترك تولستوى الخدمة العسكرية، وتتاح له فرصة السفر إلى فرنسا، بمصاحبة أخيه المريض بالسل، ليعالج هناك، وفى باريس ينبهر بالحرية الاجتماعية، فيجد فيها «عذوبة الحياة» لكن سرعان ما يتبدد انطباعه برؤية المقصلة، وهى تطيح برقبة أحد الخصوم السياسيين للسلطة.

يبدأ تولستوى جهوده من أجل تغيير الواقع، وتكون البداية عن طريق تشكيل جيل جديد، فيفتح مدرسة لأبناء الفلاحين، ويبدأ التطبيق العملى لفلسفته على نفسه، حيث يعود إلى حياة الفطرة، فيمنح زوجته توكيلا بإدارة أملاكه، والحق فى إصدار كل ما كتب من مؤلفات فى الفترة السابقة على عام 1881، أما مؤلفاته التى كتبت بعد هذا العام فهى ملك للجميع، يستطيع إصدارها من يريد، دون حق له أو لأسرته فيها، ويتنازل عن ممتلكاته ويوزعها على أسرته.

مجرد تلاميذ له

كان دستويفسكى يرى أن رواية «أنا كارنينا» هى أعظم رواية روسية، أما عن تولستوى فقال إننا «مجرد تلاميذ له» وقد قامت الدنيا ولم تقعد عند صدور روايته «الحرب والسلم» وكان الكاتب الروسى تورجنيف يعتبره أعظم كاتب، أنجبته روسيا منذ أول التاريخ، وأشفق على موهبته وساءه أن تخلو مكتبته من الكتب سوى الإنجيل وبعض الرسائل الدينية، ورغم آلام المرض التى كان تورجنيف يعانيها، إلا أنه كتب رسالة إليه يلح فيها عليه أن يهجر البحث الدينى، ويعود إلى الأدب، فهو ميدانه الرئيسى، لكن تولستوى لم يعر هذه الرسالة انتباها.

لازم تولستوى دائما سوء الفهم، فقد وصف أدبه بأنه وثنى، يعبر عن روح الملحمة قبل كل شيء، الغريب أن كتاباته بعد تبلور أزمته الروحية العنيفة، أخذت تتجه نحو البساطة والوضوح، بشكل يصعب معه إساءة فهمها أو تفسيرها، ليتسنى للفلاحين البسطاء قراءتها، بعد أن شعر بأن غالبية الشعب الروسى لا يمكنه قراءة الأعمال الأدبية.

أسئلة كثيرة يجيب عنها كتاب تولستوى الصادر عن دار آفاق للنشر والتوزيع وعنوانه «فى الدين والعقل والفلسفة» وقد ترجمه إلى العربية يوسف نبيل، ومن خلاله تكشف كتابات تولستوى عن الموقف المركب من الدين، الذى أدى فى النهاية إلى الخلافات الحقيقية التى نحياها الآن.

يؤكد تولستوى أن العداء مع الدين له جذوره الأخلاقية فى الأساس، لا الفكرية، ويتلخص الدين الحقيقى فى مبادئ بسيطة عن مساواة البشر وإخوتهم ونبذ الشر والعنف، وضبط الذات، وقد حاول أن يبسط أفكاره، ويكرر ما يظنه قد استعصى على الفهم، أما المشكلة الحقيقية فلم تكن فى صعوبة أفكاره، بل فى بساطتها الصادمة للجميع.

كتب تولستوى أعظم رواياته فى ستينيات وسبعينيات القرن التاسع عشر، حيث أظهر اهتماما عميقا بالمراحل الطبيعية للنمو البشرى، وجذبت روايته «الحرب والسلم» الانتباه إلى طبيعة الاجتياح الفرنسى لروسيا عام 1812، لكن الرواية ترفض فكرة الحرب، وتكشف عن رغبة تولستوى فى حياة هادئة، تنسجم مع الطبيعة.

نشرت «الحرب والسلم» لأول مرة منذ سنة 1865 إلى سنة 1869 فى مجلة «المراسل الروسى» وهى تروى قصة تحولات المجتمع الروسى، فى فترة غزو نابليون لروسيا، وتعطى صورة واسعة لحياة الترف، التى عاشتها طبقة النبلاء فى روسيا فى عهد الحكم القيصرى، وهناك من يعتقد أن بعض شخصيات الرواية، تمثل أوجها مختلفة من شخصية تولستوى نفسه.

يوميات تولستوى

حديثا أصدرت دار آفاق للنشر والتوزيع يوميات الكاتب الروسى الكبير فى ثلاثة مجلدات، ترجمة يوسف نبيل، الذى يؤكد أن اليوميات تدوين لأحداث وأفكار وهواجس اليوم، سواء كانت مهمة أم غير مهمة، إنها كاميرا ترصد ما يحدث على المستوى الخارجى والداخلى دون تمييز، وإن كان المنتج قد يبدو فوضويا، أو يتسم بالإسهاب أو بذكر تفاصيل غير مهمة، لكنه فى الوقت ذاته يكون مجهرا حقيقيا يدل على ما يحدث داخل تكوين الشخصية، فكل التفاصيل الصغيرة هى ما شكلت شخصية صاحبها، وقد تم تدوينها دون تمييز أو تفكير، خاصة أنه لم يكن يكتبها بهدف النشر.

بدأ الكاتب الكبير تدوين يومياته منذ عام 1847 حتى وفاته فى عام 1910 أى أنه كتب اليوميات منذ أن كان عمره 19 سنة، حتى وفاته، وحجم هذه اليوميات الضخم كان باعثا على عدم ترجمتها إلى العربية حتى الآن، كما أنها لم تترجم إلى الإنجليزية أيضا بصورة كاملة، بل صدرت مختارات منها فى عدة طبعات.

يقول المترجم إن «ترجمة يوميات تولستوى بأكملها مهمة مهولة تثير الذعر» ليس من الغريب إذن أن أحدا لم يقدم عليها، لذا كانت مغامرة أن يقوم يوسف نبيل بترجمتها إلى العربية، ومن ثم تنشرها دار آفاق كاملة فى ثلاثة مجلدات، كل مجلد يضم أكثر من 650 صفحة.

من خلال اليوميات يتعرف القارئ إلى تولستوى، الذى لا يعرفه الكثيرون، وترصد توليه أمور ضيعته التى ورثها، وحياته العابثة، ثم التحاقه بالجيش ومحاولاته نيل وظيفة بالدولة دون جدوى، وولعه بالموسيقى والقمار، وسفره للقوقاز وانبهاره بالطبيعة هناك، وكتابة الأعمال المبكرة: الطفولة والصبا والشباب، صباح صاحب الضيعة، وغيرهما حتى خروجه من الجيش، وتنقله بين أكثر من مكان.

تضم اليوميات قائمة بنقاط ضعفه، وتحوى بعض التعميمات الموجزة عن الحياة والموت والدين، وجوانب مختلفة من السلوك البشرى، وتشمل أيضا ملاحظات حول كتب يقرؤها، وتطرح منذ وقت مبكر فكرة تولستوى عن تأسيس مسيحية جديدة خالية من الأسرار والطقوس والميتافيزيقا، وتؤكد اقتناعه بفكرة الجانب الأخلاقى فى الأدب، وتتناول رصدا لجوانب مختلفة من الحياة العسكرية، وفى الوقت ذاته تضم جوانب فاضحة لشخصية الكاتب الكبير، وتكشف عن تطور علاقته بالمرأة.

تكشف اليوميات كذلك عن شخصية تولستوى المعقدة والمركبة حتى أقصى حد، وقد التزم الصراحة الشديدة فى تسجيل يومياته، لذا قد يكون لها وقع صادم على القارئ، لكن الأهم أننا نتعرف على تطور وتشكل تلك الشخصية المثيرة للجدل.

يقول يوسف نبيل: «كانت ترجمة الكتاب بالنسبة لى هى الأصعب حتى الآن، فتولستوى لم يكتب يومياته ليعرضها على القارئ، لذا كانت هناك فوضى فى الأسلوب، واختصار شديد أحيانا، وذكر كمية هائلة من الأسماء، احتاجت إلى بحث مضن، حتى أتعرف إليها، وبالتالى قمت بعملية تحرير لليوميات، فأحيانا كان تولستوى يترك بعض الفراغات فى النص، وقد تركتها كما هى مشارا إليها بنقاط».

الترجمة كاملة تقريبا باستثناء بعض المقاطع التى اضطر المترجم لحذفها من باب التحرير، فحينما كان تولستوى يتحدث مثلا عن تفاصيل دقيقة جدا فى بعض ألعاب القمار، يصعب ترجمتها، أو أنه كان يعيد فى نهاية كثير من الأيام ذكر ما كتبه فى كلمات إشارية لليوم، حتى يستطيع أن يعود إليها فيما بعد، قام المترجم بحذفها حتى لا يثير الملل فى نفس القارئ، مادام قد قرأ اليوم نفسه كاملا.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق