رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الأميرة الواهمة وكابوس الملكية الزائف

شيماء مأمون

تبدأ القصة وتنتهى فى مدينة دلهي، فعلى مدى الأربعين عاما الماضية، تابع كثيرون  قصة آخر عائلات «أوده» الملكية تلك العائلة الارستقراطية التى سكنت أحد القصور المهجورة على أطراف العاصمة الهندية دلهي، لتبصح لغزا من ألغاز المدينة يتناقله العامة فيما بينهم بعد أن شكل الغموض الذى أحاط بهم  مصدرا لجذب وإثارة الفضول لمعرفة أسرار تلك الحياة المليئة بعلامات الاستفهام، إلا أنه مع ظهور العديد من الحقائق والروايات الجديدة قد ينسدل الستار على آخر سر من أسرارها, لتنسف بذلك حقيقة وجود آخر عائلة فى هذه السلالة من جذورها. 

 المحطة الأولي 

«إنها حقا قصة مأساوية ومدهشة».. كانت هذه هى الكلمات التى استهلت بها صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية تقريرها, الذى سلطت فيه الضوء على حقيقة آخر أسرة فى هذه العائلة، ففى أوائل سبعينيات القرن الماضى وصلت امرأة تدعى ولايات محل طويلة القامة وذات ملامح صارمة، مرتدية ساريا من الحرير الثقيل الغامق محتفظة بمسدس فى ثناياه، هى واثنان من أبنائها الأربعة إلى محطة قطار دلهي، وزعمت أنها وأطفالها عائلة «أوده» الملكية وأنها حفيدة آخر ملوكها واجد على شاه. واحتلت «ولايات محل» غرفة كبار الشخصيات فى محطة القطار مع كلابها وخدمها بعد أن أثثتها بالسجاد والتحف التى أحضرتها معها، رافضة مغادرة المحطة ومطالبة الدولة بإعادة ثروات وممتلكات أجدادها التى استولى عليها البريطانيون بشكل غير قانوني، على حد تعبيرها، فقد كان للعائلة ممتلكات ضخمة وقصور شاسعة. وتعد عائلة «أوده» الملكية واحدة من أقوى الإمبراطوريات التى حكمت مملكة من خمس مقاطعات فى شمال الهند عاصمتها «أوتار براديش»، منذ أوائل القرن السادس عشر حتى أطاح بهم البريطانيون فى منتصف القرن التاسع عشر، ومنذ ذلك الوقت فر أفراد هذه الأسرة إلى نيبال.  ووصف التقرير «ولايات محل» بأنها شخصية مثيرة للجدل ففى الوقت الذى قامت به بإعلان نفسها الوريثة الوحيدة لعائلة «أوده» حيث طالبت بممتلكات مملكة لم تعد موجودة بعد، رفضت إجراء أى محادثات مباشرة مع أى طرف من الحكومة الهندية، فقد كانت تكتب ما تريده فى قرطاس مزخرف يتم وضعه على طبق من فضة يحمله خدمها. كما هددت أيضا فى حال حدوث أى أذى لها أو لأبنائها سوف تقوم بقتل نفسها بسم الأفعي. وخلال هذه الفترة نشرت صحيفة «التايمز» البريطانية تقريرا عن هذه الأسرة الملكية المقيمة فى محطة القطار تحت عنوان «أميرة الهند تسيطر على محطة السكك الحديدية».حيث كانت تسيطر على خدمها وأطفالها سيطرة كاملة.

واقع مؤلم

وفى الحقيقة سارع المسئولون الحكوميون بالعمل على إيجاد مكان مناسب لكى تعيش فيه «ولايات محل» مع أطفالها, خاصة أنها كانت بين الحين والآخر تحاول جذب انتباه وسائل الإعلام الأجنبى لتروى لهم الظلم الواقع عليها من قبل الحكومة الهندية، ولذلك عرض عليها الإقامة فى منزل مكون من أربع غرف نوم داخل مدينة لكناو الشمالية، لكنها رفضت. وفى نهاية المطاف استجابت رئيسة الوزراء آنذاك، إنديرا غاندي، عام 1984 وقبلت وساطة طبقة النبلاء فى البلاد لحل محنة «ولايات محل» وأطفالها حيث عرض عليها قصر قديم. 

وبالفعل غادرت «ولايات محل» وأبنائها محطة القطار بعد أن مكثت فيها ما يقرب عقد من الزمان إلى هذا القصر القديم والذى لم يوجد به أى شيء من مقومات الحياة الحديثة، والمحاط بالأسلاك الشائكة والكلاب الشرسة لمنع الغرباء من زيارتهم. ومنذ ذلك الوقت ابتعدت العائلة عن مخالطة المحيطين بهم، وذلك فى ضوء حرصهم على وضعهم الملكى وتجنب العامة. ويشير التقرير إلى أنه على مر السنين لم تظهر ولايات محل علنا مرة أخري، إلا أنه بين الحين والآخر كان يسمح أبناؤها لعدد قليل من الصحفيين والمصورين الأجانب بمقابلتهم كى يشكوا الحكومة الهندية، التى لم تعد لهم ميراثهم. وفى عام 1997قامت صحيفة «التايمز» البريطانية بمقابلة الأمير والأميرة، اللذين كانا يعيشان حياة قاسية على حد وصف التقرير، فقد بدت الأميرة سكينة شاحبة اللون بعد أن ظهر على وجهها ملامح العجز واليأس، وفى حديثها لمراسل التايمز قالت: «لقد تركنا فى الظلام» .. مضيفة: « لا أرغب فى شيء، لا أريد شيئا.. نحن الآن سلالة من الموتى الأحياء .» وكانت المفاجأة التى فجرها التقرير فى ذلك الوقت قيام والدتهما البالغة من العمر (62 عاما) بالانتحار بعد أن تناولت «مشروب الصمت»، وهو عبارة عن سم مخلوط بمسحوق الألماس واللؤلؤ فى بادرة أخيرة منها  للاحتجاج على خيانة بريطانيا والهند.

الحقيقة الصادمة 

على الجانب الآخر كانت الشكوك تحوم حول مصداقية عائلة «ولايات محل» فى وقت مبكر منذ مجيئها للهند، حيث قامت مؤرخة تدعى لأنجوم كودير بإرسال رسالة إلى رئيس وزراء الهند فى الوقت الذى كان من المقرر فيه انتقال البيجوم إلى «ملشا محل» مقر القصر الذى أقامت به تؤكد فيه أنه لم يتم تسجيل اسمها فى علم أنساب العائلة الملكية وأنها قد اخترعت قصتها مشيرة إلى أنها ربما تكون سيدة كشميرية متعلمة .

وفى بحثها عن الحقيقة ذهبت مراسلة «نيويورك تايمز» إلى مدينة  لكناو، واستقلت سيارة أجرة إلى أحد الشوارع السكنية الموجودة خلف الأضرحة والقصور الكبرى فى المدينة القديمة وقابلت خلالها كبار السن، والذين ترأسوا الحي، ومعظمهم أكدوا كذب رواية ولايات محل. وبخصوص ذلك قال سليمان نقفي، إنه قابل البيجوم «ولايات محل» بصفته صحفيا من أجل التحقق من أوراقها الرسمية إلا أنها رفضت، وأضاف: «فى رأيى كانت هذه السيدة مصابة بجنون العظمة وكان يجب أن تخضع للاختبار النفسي». وكشف التقرير عن مفاجأة حيث لم تكتف مراسلة «نيويورك تايمز» بذلك خلال بحثها عن حقيقة هذه العائلة حيث قامت بمقابلة شهيد بوت ابن من أبناء ولايات محل يقيم فى لندن والذى اعترف لها أن والدته ولايات محل فى الواقع هى أرملة موظف، اسمه عناية الله بوت. وقد تم إدخالها إلى مستشفى لاهور للأمراض العقلية بعد وفاة زوجها، وكان شهيد بوت الابن الأكبر لولاية، قد غادر إلى إنجلترا فى سن المراهقة. كما كشف التقرير أيضا عن الابن الثانى لها واسمه صلاح الدين زاهد بوت، والذى كان يعمل طيارا فى سلاح الجو الباكستاني، فقد كان بطل حرب قصف المواقع الهندية فى حرب عام 1965 وتوفى عام 2017 . وتقول زوجته سلمى ادعاءات «ولايات محل» بحقوقها الملكية كانت زائفة، وقالت عن ولاية: «لقد ظنت أنها أميرة «أوده»، لكن هذا لم يحدث أبدا».. مضيفة: «أنه من الواضح أنها كانت تعانى بعض الاضطرابات العقلية». وفى النهاية تختم مراسلة «نيويورك تايمز» تقريرها قائلة « :لقد كانوا مقنعين للغاية، وأصروا على ذلك لدرجة أن الناس آمنوا بهم لمدة 40 عاما ..» إلا أنه بغض النظر عما إذا  كانت «ولايات محل» بالفعل تنتسب لعائلة «أوده» الملكية فإن رغبتها فى استعادة الإرث المفقود يدل على شخصيتها القوية التى تمثل أسطورة تجذب انتباه الآخرين.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق