رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

هوس السلطة وتفكيكها فى «جنازة جديدة لعماد حمدى»

فى روايته الجديدة «جنازة جديدة لعماد حمدي»، يبرع الكاتب وحيد الطويلة فى تفكيك مفهوم السلطة بمستوياتها المختلفة. هم يشغل «الطويلة» فى معظم أعماله فيسعى لتفكيكها والانتصار لهؤلاء المقهورين منها، ولو رمزيا. يستخدم صاحب «حذاء فيلليني» السخرية، التى لا تفارق روحه، كسلاح فى مواجهة السلطة، أيا كان نوعها ومستواها، والواقع المؤلم الذى تفرضه .

تغوص الرواية، الصادرة عن دار الشروق، داخل عالم المرشدين والمجرمين، مقدمة شخصيات مدهشة بثرائها، وتفاصيلها التى تعكس أطيافا إنسانية متنوعة. فهناك زعيمهم ناجح، كبير مسجلى خطر البلاد هو زعيم حين يطلب منه الأعوان المشورة، وتاجر عند تصريف الغنيمة، ومرشد للحكومة عندما يضيق عليه الخناق. يدير «ناجح» دولته بالخفاء دون جلبة يحمى من يريد حتى جعل الحماية سلعة سرية. وهناك «أم خنوقة» مدير عام الخناقات، و«الأصفراوى» شاهد الزور المتمرس، و«شحتة» محترف الحبس، و«أم حواء»، و«منير زبالة» كبير بمملكة الحشيش، و«أسعد قشطة» النصاب الظريف، و«عماد لون» قائد ألتراس مأجور، والمفتش المزيف، ودنيا ، و«شهد» النشالة، و«أبو شمس» تاجر المخدرات. تتناوب حكاياتهم وتتشابك.

الشخصية الرئيسية هو الضابط «فجنون»، الذى يعيش صراعا بين شغفه بالفن، وبين وظيفته المجبرعليها، لكنه ينتصر فى النهاية لروح الفنان بداخله. يرافقه «عبقرينو» الذى على عكس «فجنون» حالت ظروفه دون التحاقه بكلية الشرطة لكنه لم يتخلص من حلمه بالعمل بالشرطة: يقول فجنون: «أنا وناجح وعبقرينو، الضابط والمرشد والغاوي، اتحاد جمهوريات مثل الذى كان يتم فى ليلة ويتفكك بعد أسبوع، اجتمعنا بقلب واحد ، المصلحة واحدة وإن اختلفت الأهداف، أنا أريد أن أربح القضية، وعبقرينو يريد أن يربح قضيته الشخصية وناجح قضيته الزعامة على طريقته». تنطلق الأحداث من سرادق عزاء هوجان، نجل ناجح، حيث تجتمع جميع الشخصيات. وتبدأ الهواجس لدى «فجنون»، هل يذهب بقدميه إلى الرجل الذى تسبب فى استبعاده من الشرطة بسبب اتهامه بإقامة علاقة مع مسجل خطر بالمخالفة لقواعد الوظيفة إلا أن علاقته الخاصة بناجح تحسم أمر ذهابه .

لا يرتبط عنوان الرواية بأحداثها بل يأتى رمزا يلخص الصراع الأكبر داخلها، فجنازة الفنان عماد حمدى لم تكن سوى مشهد عابر ببداية عمل «فجنون» عندما اقتصرت مهمته على تأمين المواكب والجنازات التى تمنحه سلطة مزيفة، فيما كانت رغبته ورغبة أبيه أن تكون لديه سلطة حقيقية وأن يكون ضابط شرطة يواجه الجرائم ويقبض على المجرمين ولكن مع انخراطه فى عالم المسجلين والمرشدين وتعاونه معهم هل كانت سلطته حقيقية كما أراد حقا؟. يبرز استخدام الرموز والصراع النفسى الذى يتحكم فى مصير شخصيات الرواية، سواء كان فى صراعها مع السلطة أو مع ظروفها لتحدد مصيرها «شكل النهاية لا يعنيهم مادام المصير واحدا، صراعهم فى الحياة مع نفوسهم المشوهة لا مع الناس، مع غواياتهم وغاياتهم».

هناك أيضا أكثر من رمز لهوس الناس بالسلطة والبحث عنها حتى ولو كانت مزيفة. وتتنوع مستويات السلطة فى الرواية فهناك سلطة الأب، الذى يمثله والد فجنون، هو شرطى سابق سلطوى وطبقى مهزوم من داخله ويريد أن يعوض هزيمته بأبنائه، يؤمن بضرورة توريث مهنته لهم، كما يصرخ بابنه : «لو ترك أبناء الضباط المهنة للرعاع سيتسلل الأوباش إلى حياتنا ولن نستطيع أن نعيش» أو كما يتذكر فجنون «والدك الضابط الفخيم قال إنك يجب أن توجد فى بيئة شرطية.. حتى فى المصيف!.. وفى الحمام إن أمكن، الجرابيع فى المصايف الأخري، وحذار أن تتهور ويعرف أحد أنك زفت، رسام». نجح الابن الأول بالفرار، وفشل الثانى الذى التحق بالشرطة مقهورا، وصار مثار سخرية زملائه الذين اطلقوا عليه اسم «فجنون» الذى جمع بين الفن والجنون، وفى المساء يفرغ فجنون سخرية زملائه وشغفه الحقيقى داخل لوحاته.

فى الرواية أيضا هناك سلطة القانون وأجهزته التقليدية وصراعات ضباطه، وسلطة المجتمع التى قد تلقى بالمقهورين بسبب الفقر أو الظلم الاجتماعى فى أحضان سلطة دولة المرشدين والمخبرين، كما حدث مع دنيا التى اغتصبها خالها أو «أم حواء» التى تخلت عن ابنتها وباعتها وتحولت إلى «السفيرة أم آدم» أو شحتة الذى يحترف السجن بمقابل مادى فى قضايا لم يرتكبها. وبدورها تمارس دولة المرشدين القهر على ابنائها، كما تتمتع بسلطة موازية ،ويتم استخدامها واستغلالها كفزاعة للسلطة التقليدية، وتتصارع معها على النفوذ والسيطرة فتسعى للتلاعب بها أحيانا على الرغم من كونها أداة فى يد السلطة التقليدية، وربما يتعمد «الطويلة» رسم ذلك الصراع بتلك الطريقة للتحذير من خطورة تضخم دولة المرشدين كسلطة موازية ويبرز ذلك عبر رمزية توظيف مشهد سرادق عزاء هوجان، حيث ينزوى فجنون وحيدا فى ركن بعيد على الرغم من أن جميع المجرمين بالسرادق يعرفونه جيدا، فيما يجلس زعيمهم ناجح مزهوا بتحد وارتياح فى مقعده فقد «جاءته الحكومة بثوب باهت، وهو كطاووس فى مقعده».

تطغى اللغة الشعرية على كتابات «الطويلة» بصفة عامة وفى «جنازة جديدة لعماد حمدى» يحضر بقوة الاقتباس من قصيدة «مش باقى منى» لجمال بخيت فى النص. وتتنوع لعبة السرد فى الرواية بين استخدام الضمائر، فتارة يكون الراوى بضمير الغائب وتارة يكون الضابط هو الراوى وتارة ثالثة يكون «الطويلة» نفسه هو الراوي، حيث يسعى لإشراك القارئ فى النص عبر عبارات محذرة مثل : احترس أيها القارئ، وقف مكانك، وانتبه، ولا تستغرب، ودعك منه ،ولا تركب معه..إلخ. وقد أسهم كل ذلك مع تنقل السرد بين الماضى والحاضر وتعدد الشخصيات بالرواية فى إضفاء المزيد من الحيوية على الرواية وأحداثها.

وفى النهاية ترسم روح الدعابة للحكواتى ورئيس المنظمة العربية للمقاهى عناوين بديلة للرواية يقترحها صاحب «ألعاب الهوى» على القارئ ليعنون الرواية كما يشاء بعد انتهائه من قراءتها. كما يقدم له قائمة بأسماء المقاهى التى شهدت كتابة الرواية ورسم شخوصها وأحداثها التى انسابت بعفوية كحكايات المقاهى.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق