رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أغلفة الكتب.. معارض للفن والثقافة

د. مروة الصيفى

«الكتاب يُقرأ من عنوانه».. لم تعد هذه المقولة صحيحة إلى حد كبير، فالعنوان وحده ليس كافيا فى عالم بصرى تتغير فيه أذواق القراء واهتماماتهم باستمرار. مر تصميم أغلفة الكتب بمحطات مختلفة، تحول خلالها من مجرد مهمة روتينية حتى أصبح فنا فى حد ذاته، تقام له المعارض، وبات يشكل ظاهرة لافتة فى كثير من الحالات مثل أغلفة روايات الرعب والإثارة أو تلك الأغلفة التى تحمل لمسة تجريدية رمزية أو تعتمد على برامج المؤثرات البصرية ..بين كل ذلك يرصد هذا التحقيق كيف تحولت أغلفة الكتب لمعارض للفن والثقافة، وللرعب أحيانا أخرى.

تعد الستينيات من أبرز الفترات التى ازدهر فيها فن أغلفة الكتب فى مصر، مع نشاط الحركة التشكيلية، حيث برزت النزعة الفنية على الأغلفة، وكان جمال قطب من أبرز فنانى هذا التيار إذ صمم أغلفة روايات أدباء كبار أمثال نجيب محفوظ، إحسان عبد القدوس، يوسف السباعي، وغيرهم، وكذلك «صانع الكتب» الفنان محيى الدين اللباد الذى استلهم أغلفة كتبه من الرموز البصرية المتوافرة فى الحياة اليومية المصرية والتراث الشعبي. وبذلك كان الكتاب يقدم وجبة دسمة للقراء تجمع بين الفن والثقافة. وقد انتبهت لذلك العديد من دور النشر، فعمدت إلى خلق هوية بصرية خاصة بها ولأعمالها. كما سعى بعض الكُتاب إلى وضع لوحات للفن التشكيلى على أغلفة كتبهم مثل «سهرة تنكرية للموتي» لغادة السمان، غلافه هو لوحة «الصرخة»، أشهر لوحات الفنان النوريجى إدفارت مونك، وكتابها «أعلنت عليك الحب» غلافه عبارة عن لوحة من لوحات الفنان البلجيكى رينيه ماجريت التى ظهر فيها أشخاص يغطون وجوههم ورءوسهم بقطع من القماش.

عودة إلى الفن التشكيلى مرة أخرى

ويبدو أن الحنين للوحات الفن التشكيلى على أغلفة الكتب قد دفع بعض الناشرين لتكرار التجربة، حيث تأتى مبادرة انفردت بها «دار منشورات الربيع المصرية» يكشف عنها أحمد سعيد، مدير الدار لـ«الأهرام»، موضحا أنهم قرروا تقديم معرض للوحات الفنان التشكيلى أحمد صابر على أغلفة الكتب التى ستطرحها الدار خلال معرض القاهرة الدولى للكتاب بدورته القادمة. وتمثل هذه التجربة إعادة إنتاج للفن والثقافة بشكل مختلف، فبدلا من كون اللوحات لا يراها إلا زائرو المعارض، يتم عرضها على أغلفة الكتب التى تتناسب معها وتصبح متاحة لجمهور عريض من القراء، وتعطى قيمة تثقيفية إضافية للكتاب، مؤكدا أنه بدأ بالفعل بطباعة ثلاثين كتابا جميع أغلفتها لوحات للفن التشكيلي، هذه اللوحات تشكل رؤية فنية متكاملة للفنان والكاتب وكذلك الناشر، مضيفا أن الهدف من ذلك ليس ترويجيا، وإنما يهدف للارتقاء بالذوق العام للقراء من خلال الكتاب كمصدر أساسى للتثقيف.

وتعتبر تلك التجربة الأولى للفنان أحمد صابر لعرض لوحاته على أغلفة الكتب. يوضح صابر أنه اختار الرمز المناسب لكل كتاب وفقا لمضمونه وذلك بالتنسيق مع دار النشر؛ ليصبح الغلاف لقطة بصرية متسقة مع أفكار الكتاب، فمثلا كتاب «الأدب الشعبي» يعرض غلافه لوحة معبرة عن أكبر سوق شعبى للجمال فى إسنا، وفى رواية «نداء الصمت» التى تدور حول امرأة فقدت أحبتها فى الحرب، وتعيش مع ذكرياتها لتواجه وحدتها، فغلافها لوحة «إديت بياف» المغنية الفرنسية الشهيرة التى اشتهرت بردائها الأسود وعاشت حياة حزينة، أما كتاب «أنطولوجيا الليل» فهو مجموعة قصصية لأبطال يعيشون أحداثا مختلفة فى أماكن وأزمنة متنوعة، لذا جاء الغلاف بجزء من لوحة «آدم وحواء» يبرز آدم فقط، يمسك فى فمه طرف خيط حيث معظم أبطال القصص من الرجال.

تعددت أدوات تصميم الأغلفة، إذ لا تقتصر على لوحات الفن التشكيلى فحسب خاصة بعد انتشار برامج الجرافيك، ومن التجارب المميزة والمختلفة فى تصميم الأغلفة النموذج الذى يقدمه الفنان ومصمم الجرافيكي، أحمد اللباد، حيث يعتمد على الفوتوغرافيا والرسم والخط العربي، والكولاج فى تصميم أغلفة الكتب، وينتمى اللباد إلى المدرسة التى تحرص على قراءة الكتاب قراءة جيدة جدا قبل البدء فى تصميم الغلاف.

عتبة بصرية للنص تحترم القارئ

يعتبر اللباد أن الغلاف هو العتبة البصرية لنص الكتاب، فالقراء هم مشاهدون أيضا، ذوو خبرة بصرية معقدة فى عصر ثورة الصور التى نتعرض لها باستمرار على الوسائط الحديثة، لذا فإن الغلاف الجيد يتأكد نجاحه إذا أعاد القارئ قراءته «بصريا» بعد إتمامه قراءة الكتاب، لتتأكد لديه الصورة الذهنية التى خلقها النص فى عقله. ويوضح اللباد لـ«الأهرام» أن أكبر خطأ يقع فيه المصمم المستسهل هو إعادة صياغة عنوان الكتاب وليس متنه فى شكل صورة، مما يؤكد أن الغلاف لا يقدم الاحترام الواجب لعقلية القارئ، فقد يأتى سر فكرة الغلاف من الجملة الأخيرة فى الكتاب، ويؤكد ذلك من خلال تجربته مثلا فى تصميم غلاف رواية «الحكى فوق مكعبات الرخام» للكاتبة نهى محمود حيث كانت البطلة طبيبة تصنع مراكب ورق كنوع من التأمل فى فكرة الوداع، وهنا استلهم فكرة الغلاف بتصميم صورة لمراكب ورقية من «روشتات» طبية، وخلفيتها من الظلال.

يلفت اللباد إلى أن الغلاف رغم أدواره المختلفة فى تقديم روح نص الكتاب ودعوة القارئ للاشتباك معه بالاقتناء أو القراءة، فهو صاحب وجه آخر أساسى ومهم، حيث يعكس هوية محددة لدار النشر أيضا، مشيرا إلى حرصه الدائم على معرفة المواد التى تقدمها الدار، فمثلا دار ميريت، وهى من دور النشر العديدة التى قدم فيها تجربة مهمة، يغلب على مطبوعاتها التوجه الطليعي، لذلك يحرص فى تصميمه كتبها أن تكون ذات تجارب بصرية موازية حداثية ومتجاوزة، ترسخ شخصية خاصة للدار، مضيفا «فالغلاف يعكس روح الكتاب ودار النشر، وكذلك انحيازات المصمم أيضا».

ويضرب المثل بتجربته مع تصميم غلاف رواية «قيام وانهيار الصاد شين» للكاتب حمدى أبو جليل، فالغلاف عبارة عن عنصرين، الأول هو ثمرة فلفل أحمر حارة، والثانى صورة للقذافى متداخل معها أفرع من الشجر والنخيل، وبما أن الغلاف يحمل رمزية مستقاة من أحداث الرواية، حيث إن البطل شاب مصرى عمل لفترة من الأحداث بمطعم شعبى فى ليبيا فى التسعينيات، وكانت حياته سلسلة من الأحداث القاسية والحادة، فاختار وجود الفلفل الأحمر بتداعيات حدته وحريفيته المعروفة وسطوة لونه المهدد.

يشدد اللباد على أن التصميم الذى لا يحترم ذكاء القارئ/ المشاهد سيقلل من قيمة تجربة نص الكتاب الفكرية، وقد يضيع عليه فرص القراءة المستحقة، مؤكدا أن الغلاف واحد من أهم عوامل التسويق، والذى يتشارك مع اسم الكاتب والعنوان الجيد للكتاب فى تصنيف وتحديد جودة الكتاب، محذرا من مخاطر إهماله.

بين المبالغة والرمزية

على جانب آخر؛ فى السنوات الأخيرة صاحب ظاهرة صعود أدب الرعب والتشويق ظاهرة تصميم أغلفة تلك الأعمال التى يقترب تصميمها من أفيشات أفلام الرعب المخيفة لجذب القراء ولرفع المبيعات، وربما كان هذا مُرضيا لفئة من القراء خاصة من الشباب، لكنه بالتأكيد لا يُرضى جميع الأذواق، خاصة إذا بالغ المصمم بإثارة الرعب فى تصميم الغلاف.

يؤكد مصمم الأغلفة أسامة علام لـ «الأهرام» أنه حين يقوم بتصميم غلاف لرواية رعب يكون حريصا على جعل الغلاف غير مخيف لدرجة كبيرة حتى لا يضُر بالعمل الأدبى ويصرف الجمهور عنه من شدة الخوف، ويشدد على أهمية كون الغلاف غير مباشر بدرجة كبيرة، فالشكل التجريدى فى التصميم يعطى العمل رمزية جاذبة، وفى النهاية المحتوى هو الذى يحكم. ففى رواية «سر الحانوتى» للكاتب عمر المنوفى والتى تدور أحداثها داخل كنيسة قديمة، حول عالم الموتى والحانوتية، جاءت فكرة الغلاف فى لقطة من الخلفية لصورة موتى يجلسون فى بهو كنيسة قديمة، ويظهرون فى أكفان بيضاء، فالغلاف مثير للرعب ومناسب للجو النفسى للرواية ولكن فى إطار مقبول.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق