رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حكاية رسالة من نجيب محفوظ فى ذكرى ميلاده

د. سامى عمارة

أدين للأستاذ الكبير نجيب محفوظ بفضل تحديد ملامح مسيرتي العلمية والعملية التي سرعان ما تحولت إلى تأصيل عشقي للترجمة وامتهانها لعقود طويلة. ولتوضيح ذلك، وفي ذكرى ميلاد أديبنا العظيم، أرفق طيه هذه الرسالة المرفقة صورتها مع هذا الموضوع ويعود تاريخها إلى نهاية ستينيات القرن الماضي، وكنا قد وصلنا مع خمسة من خريجي قسم اللغة الروسية بمدرسة الألسن العليا إلى لينينجراد في إطار بعثة حكومية لاستكمال دراستنا العليا بكلية الآداب، أو بقول أدق «كلية فقه اللغات». الرسالة عثرنا عليها بمحض المصادفة خلال تقليبنا في أرشيف الذكريات بما يتضمنه من وثائق ورسائل شخصية تظل رسائل الأستاذ في صدارة المهم والعزيز منها.

ومن هذه الرسائل تلك التي تضمنت النصيحة التي استأنسنا بها لدي اختيار موضوع التخصص في أحد أهم جامعات الاتحاد السوفيتي.

 ففي عام 1969، وخلال رحلة البحث عن الموضوع المناسب للتخصص، توقفت في البداية عند فكرة اختيار موضوع «الواقعية الاشتراكية» عند ماكسيم جوركي، وعقد مقارنة مع أدب نجيب محفوظ، وهو ما أثار دهشة الكثيرين من الأساتذة السوفيت لأسباب كثيرة، ليس آخرها وعلى حد قولهم آنذاك، إنه غير معروف في الأوساط الأدبية السوفيتية، بالقدر الذي يضعه في مصاف العظام من أمثال جوركي وتشيخوف وغيرهما من أساطين الأدب الروسي. وذلك ما انبريت لدحضه وتفنيده، مؤكدا أن التقصير من الجانب السوفيتي، في وقت يعرف فيه العالم الأديب الكبير من خلال ترجمة الكثير من إنتاجه إلى مختلف لغات العالم.

تساءلت عن أسباب التقصير من جانب تلك الأوساط التي لم تجد في إنتاجه الغزير وحتى منتصف ستينيات القرن الماضي ما يستحق الترجمة أو الاهتمام به.

علمت أن في المكتبات السوفيتية الغزير من نماذج الأدب العربي التى عكفت على دراستها وتدريسها مدرسة الاستشراق الروسية ما قبل الحقبة الشيوعية السوفيتية، وهي واحدة من أهم مدارس الاستشراق في العالم.

قالوا إنها كانت تركز أكثر على نجوم الأدب العربي القديم منه دون المعاصر، وإن وجدنا من بدأ الاهتمام مع منتصف القرن العشرين بالتصدى لترجمة عدد محدود من الروايات المصرية ومنها «زينب» لمحمد حسين هيكل، و»الأيام» لطه حسين، و»عودة الروح» لتوفيق الحكيم، وترجمات أخرى لمحمود تيمور.

ولكم كانت فرحتي لا حدود لها، حين دهمتني المفاجأة في إحدى مكتبات «الكتاب القديم» في شارع نيفسكي (الشارع الرئيسي في لينينجراد). هناك عثرت بمحض المصادفة بين رفوفها على رواية «اللص والكلاب» لأديبنا الكبير نجيب محفوظ مترجمة إلى الروسية بتاريخ 1965.

وكانت هذه المصادفة وهذه الترجمة، سبيلا إلى سرعة تحديد موقفي من موضوع الرسالة العلمية. وجدته في الترجمة، التي كان أشار اليها الاستاذ في معرض أول رسالة سعدت وشرفت بها ردا على رسالة بعثت بها إليه في ديسمبر 1969. وكنت قد وقعت أسيرا لمهنة الترجمة منذ أولى سنواتي العملية، وتكليفنا بالعمل مع الخبراء السوفيت العاملين سواء في السد العالي، أو لاحقا في إعادة بناء القوات المسلحة بعد نكسة 1967. وأذكر أنني رفضت كثيرا ما جنح إليه الأصدقاء في تلك البعثة الدراسية، من كانوا قد استقروا عند موضوعات من صميم فقه اللغة الروسية.

غير أن الفرحة لم تدم طويلا، حيث سرعان ما علمت أن «نظرية الترجمة» في الاتحاد السوفيتي كانت لا تزال في طور البداية، ولا يوجد من المراجع في هذا المجال سوى كتاب ظل الوحيد في هذا المجال منذ إصدار طبعته الاولي في عام 1958 تحت عنوان «مدخل في نظرية الترجمة» لبروفيسور لم يكن قد بلغ الكثير من الشهرة، يدعي أندريه فيدوروف، وذلك ما فاتحت به رئيس قسم اللغة الروسية البروفيسور نيكيتا ميشيرسكي سليل نبلاء ما قبل ثورة أكتوبر الاشتراكية.

وكانت المفاجأة فيما قاله حول «إنه من الجيد أن تكون في طليعة الرواد البادئين، وليس المبتدئين»، ليمد إلينا يد العون على طريق ولوج هذا التخصص الدقيق، مستعينا برواية «اللص والكلاب»، مادة يمكن الاستناد إليها والبحث من خلال ترجمتها في أغوار «نظرية الترجمة»، وهديا بما تضمنه هذا الكتاب البالغ الأهمية حول أسس الترجمة في العصر الحديث.

وعلى هدى كتاب فيدوروف، وصلنا إلى التخصص الدقيق عبر مقارنة النص الأصلي بالترجمة الروسية التي قامت بها المستعربة السوفيتية يلينا ستيفانوفا، وهو ما أضفنا إليه لاحقا ترجمة رواية «عودة الروح» لتوفيق الحكيم من ترجمة ميخائيل سالييه، لما تتضمنه من الكثير من مفردات «الحارة المصرية». وفي هذين العملين تحديدا عثرنا على النماذج المعبرة للكثير من مشكلات «نقل الصبغة الوطنية»، وتفاصيل الحياة اليومية المصرية بكل أطيافها ومفرداتها ومنها ما يتعلق بالأمثال الشعبية والأقوال المأثورة التي تشكل الدرجة الأكبر من صعوبة نقل النص الأدبي. وما أن جلسنا للمقارنة بين النص الأصلي والترجمة حتى تأكد اليقين من ضرورة التوقف عند هذا الجانب تحديداً والتوغل في دراسته، والبحث عن سبل معالجته، استنادا إلى ما تيسر العثور عليه من ثوابت، هي اليوم في عداد البديهيات في عالم الترجمة. الطريف قد يكمن في أن البحث زادنا إصرارا على ضرورة مواجهة صاحبة الترجمة والصديقة لاحقا، بما «جانبها التوفيق» فيه لدى ترجمة «اللص والكلاب» إلى الروسية، لأسباب نعزوها إلى عدم الإلمام بما ندرجه في عداد «عناصر الصبغة الوطنية للنص الأصلي»، رغم قناعتنا ويقيننا من إجادتها للغة العربية. وسعيا وراء اللقاء مع الأستاذة يلينا ستيفانوفا شددنا الرحال من لينينجراد إلى موسكو التي علمنا بأنها من مواطنيها، بل وتشغل هناك منصبا مرموقا في مقر اتحاد الأدباء السوفيت. ومنها علمنا بأن اختيارها للرواية كان محض مصادفة، وأنها عكفت على ترجمتها بتوصية من الشاعر والكاتب المصري نجيب سرور الذي كان استقر في موسكو منذ نهاية خمسينات القرن الماضي لأسباب سياسية. ولم يكن ذلك سوى تأكيد آخر على أن الترجمة كانت في الاتحاد السوفيتي، لا تخضع لخطة، ولا تستند إلى ثوابت، وإنها كانت أسيرة الخيارات الشخصية المرتبطة بالمعايير الأيديولوجية والتوجهات السياسية، وهو ما يظل ساريا وبدرجة كبيرة حتى اليوم. وتلك أمور نضيف إليها ما يصدق معه القول إن الترجمة كانت ولردح طويل من الزمن، أقرب الى كونها «مهنة من لا مهنة له». ولم تختلف ستيفانوفا معنا كثيرا تجاه هذه التقديرات، التي أضافت إليها عدم اعترافها بما يسمى«نظرية الترجمة»، وهو موقف لا يزال الكثيرون غير بعيدين عنه، رغم تلك الأشواط الهائلة التي قطعتها «نظرية الترجمة» في عالم المعرفة والمعلومات، وما صدر عن هذا العلم من كتب وأبحاث ومراجع يتجاوز عددها الألوف، وذلك ما عكفنا على دراسة مفرداته، في محاولة لدحض ما كان يتناثر في الساحة الأدبية من «أقوال مأثورة» منها ما يقول:«أيها المترجم ، أيها الخائن»( وهو مأخوذ عن اليونانية)، وآخر يقول إن»الترجمة كما المرأة، لو كانت جميلة فهي غير أمينة، وإن كانت أمينة، فهي غير جميلة»، وغير ذلك مما كان يعكس مدى عبثية الكثير من «رؤى» ذلك الزمان.

وذلك كله ما نقلناه الى أديبنا الكبير في أول رسالة بعثنا بها إليه مع نهاية ستينيات القرن الماضي، ولم نكن لنتصور أنها يمكن أن تصله، أو إذا وصلته يمكن أن تلقي اهتمامه. وكانت المفاجأة أن يحمل لنا البريد الذي لم يكن يدغدغ مشاعرنا كثيرا في تلك السنوات، الرسالة المرفقة طيه من «العم» نجيب بتاريخ 28 فبراير 1970. وقد سارعت آنذاك بوضع بعض ما تضمنته من وصايا، حيز التنفيذ رغم قناعتي بصعوبة المهمة ومغبة مغامرة الإقدام على مثل تلك المحاولة، وهو ما يتعلق بالتصدى لترجمة بعض قصص الأستاذ نجيب إلى اللغة الروسية. وقد جاءت المغامرة نزولا على عرض من عدد من أساتذة اللغة العربية في كلية الاستشراق بجامعة لينينجراد، ومنهم البروفيسور أولجا فرولوفا التي كنت تتلمذت علي يديها في مدرسة الألسن العليا بالقاهرة في مطلع ستينيات القرن الماضي. وكان هؤلاء بصدد إصدار ترجمة مجموعة من القصص القصيرة لأشهر الكتاب العرب. ومن هذا المنظور واستجابة لتوصية الأستاذ، اخترت بعضا من قصصه القصيرة التي تضمنتها مجموعته «خمارة القط الاسود» الصادرة في القاهرة عام 1969.

وبكل الصراحة والمصداقية أقول إنني ما تعذبت وكابدت، مثلما حدث ذلك لدى ترجمة هذه القصص القصيرة. صحيح أن التجربة نجحت بالقدر الذي سمح بالنشر، بل وإعادة الطباعة مع اختيار عنوان إحدى قصصنا المترجمة وهي «شهرزاد» من مجموعة «خمارة القط الاسود»، عنوانا للمجموعة الصادرة في موسكو، لكن ذلك لا يعني احتمالات تكرار ما سبق، مكتفيا بالتخصص في الترجمة من الروسية إلى العربية التي أنجزنا منها الكثير في إطار عملنا «بدار التقدم» أشهر وأكبر مؤسسات الترجمة والنشر في الاتحاد السوفيتي، والتي شاء القدر أن تؤجر مبناها في قلب العاصمة للمتاجر ومعارض السيارات بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، نظرا لتراجع الاهتمام بها وبما كانت تنتجه من روائع الأدب الروسي والعالمي. ولعلني أذهب الى ما هو أبعد بإعلان صعوبة، إن لم يكن استحالة غير الحامل للغة الناقلة، النجاح بالقدر اللازم في إنجاز هذه المهمة بدون «وسيط» يتمثل في ابن البلد العارف باللغة الوطنية، على الأقل للمراجعة والتدقيق، وليس مجرد الدارس لها «على كِبَرْ» كما يقولون. وذلك ما صارحت به أستاذنا الكبير في أول لقاء جمعنا في صيف عام 1970 في مكتبه بوزارة الثقافة في مبناها الكائن في أول الزمالك على ضفاف النهر الخالد.

وكنت قد نقلت إليه آنذاك أيضا دعوة اتحاد الأدباء السوفيت لزيارة موسكو أولا للحصول على مستحقاته، وثانيا لبحث مختلف أشكال التعاون، وهو ما سارع بالاعتذار عنه. وبهذا الصدد أذكر قوله أنه لم يغادر أرض الوطن سوى مرتين، الأولي لليمن، والثانية ليوجوسلافيا، نزولا على رغبة الرئيس عبد الناصر، وليس على استعداد لتكرار أي من التجربتين. وبهذا الصدد أذكر ما قاله الأديب الكبير حول ما يمكن أن يتعرض إليه إنتاجه من تشوهات، بأن ذلك «أمر طبيعي»، لكنه لن يستمر طويلا، وحتى تستقيم الامور ويظهر من العرب من يعير القضية صدارة اهتمامه. غير أن ما شهدناه منذ ذلك الحين وعلى غير ما توقع الأستاذ، تمثل في الاقتصار على تصحيح المسار والارتقاء بمستوى الترجمة والمترجمين بعد ظهور العديد من الأساتذة والمتخصصين من الروس ومنهم يهود كثيرون، الذين أعاروا هذه القضية الاهتمام اللازم دون أن نجد عربيا واحدا غامر بالولوج إلى عالم الترجمة من العربية إلى الروسية. ومن المترجمين السوفيت كانت البروفيسور فاليريا كيربيتشينكو والدة السفير الروسي الراحل في القاهرة سيرجى كيربيتشينكو، وإحدى أهم المتخصصين في اللغة العربية في نصف القرن الأخير والتي تولت ترجمة الكثير من إنتاج نجيب محفوظ. لكننا نضيف أمرا آخر، يقينا أنه كان يعكس حقيقة التحول بالكثير من الاهتمام إلى نجيب محفوظ وما أنتجه من روايات كانت في غالبيتها الساحقة تتسق وأسس «الواقعية الاشتراكية»، التي طالما حددت معالم الأدب السوفيتي لعقود طويلة من الزمن، وحتى جاءت «البيريسترويكا والجلاسنوست» بما ارتكبته من خطايا أسفرت في نهاية المطاف عن انهيار الاتحاد السوفيتي في نهاية ديسمبر 1991، وما صاحب ذلك من تدهور لقطاع ومؤسسات الترجمة التي لا تزال بعيدة عن بلوغ المستوى المنشود. 

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق