رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

للحية شهد الاكاذيب

محمد عبدالرحمن

شعرت بأننى خُلقت لتوى.. لا أذكر كيف بدأ وجودى.. لم أكترث لنهايتى غير مأسوف عليّ.. نسيت آلامى الجمة وكففت عن التذمر والشكوى.. هم طلبونى بعد منتصف الليل وقالوا إن العطل خطير، إن توقف خط الإنتاج فسوف تحل كارثة تطيح بالقطاع ومديره، وربما بالوزير نفسه. شعرت بالأهمية، وتركت فراشى، ونزلت كفاتح «القسطنطينية». الشركة بخبرائها ليس لديهم حنكتى ولا عزمي؛ أنا وبلا فخر كنت ضمن أول دفعة عمال بالبترول سافرت للاتحاد السوفيتي؛ قالوا إننا لسنا مجرد عمال وإنما نحن مساعدو مهندسين «قدّ الدنيا»، وكنت أحتفظ فى جيبى دومًا بصورة «عبدالناصر» وهو يُكرِّمنى فى حضور «خروتشوف». كنت أغالب نومى وأنا أستعيد الذكرى العطرة التى انتشيت لها، وسط ما يزكم الأنوف من روائح المازوت والشحوم والمحروقات. وبعد ساعتين من العمل الشاق، حددت بؤرة الخلل وشخصت الحل الأمثل؛ فهل شكرنى أحدهم؟! لا، قالوا إن معالى كبير المهندسين فى الطريق لمتابعة الموقف. كالعادة سيسرق الأضواء وينسب الأمر لنفسه.. ليكُنْ.. ما الجديد؟! ليجلس حضرته حتى فوق كرسى رئاسة الـ «أوبك».. طز!

انتظرت فى العنابر ثلاث ساعات حتى أطلقوا سراحى، وكنت أحلم بأن أكمل الفترة وينتهى عمل اليوم القاهر، لكن هيهات؛ من أريد أن أسترحم؟! هؤلاء الموظفون ملاعين منذ فجر الأيام، شبكة دعارة لا يدخلها إلا مَن له وسيط وقادر على دفع الثمن. وأنا واحد من الهلافيت، رجل كبير و»بركة»، ليس عليَّ إلا تنفيذ أوامرهم.

وكنت أرى سريرى فى كل زاوية، لكن النوم قد خاصم جفنيّ، وقلت لنفسى مواسيًا: «ولو!.. لأرغفة الفول والفلافل فعل السحر، أُحضرهم من العربة الشهيرة بمدخل كوبرى «مِرغِم»؛ لا لشيء سوى إضافات صاحبها من البصل والباذنجان المخلل، والطماطم المحشوة بالثوم.. سوف أنام كالمقتول، المقتول الشاطر الذى لا يوجد منه اثنان فى ورش القطاع بأكمله». وقلت أيضًا: «علامَ هذا المهرجان يا سى نيلة؟! لن يصرفوا لك حتى عشرة جنيهات مهترئة!».

ومع هذا؛ فقد استسلمت لفرحى الخائب، وألقيت السلام حتى على قطط الطريق اللقيطة وكلابه الضالة، ووقفت أشتمُّ اليود المتراكم فى فضاء كوبرى «الطلمبات»، البحر كان حصيرة بلا موج، وباعة أسماك المزارع لم يَحضروا بعد ليزحموا المكان ويتناحروا على قلة زبائنهم، وعلى مقربة كانت عشش الصيادين القدامى التى سوِّيت بالأرض، أعمال الحفر والردم بها قد علا ضجيجها المبتهج بسلاسة تحقيق المستهدف.. وهوانه.. قالوا إن المحافظة صرفت لهم شققًا فى المساكن الجديدة التى تُتاخم مساكننا. وكنت أُمنِّى النفس لو هدموا مساكننا وأعطونا شققًا من تلك المشطبة حديثًا؛ أعطيها للولد الغلبان بدلًا من الجُحر الذى يسكنه بالملاحات ويدفع نصف مرتبه إيجارًا له، ثم سعلت وطردت بلغم الصباح الجاثم فوق صدرى وخجلت من أمنيتى الساذجة؛ هم يحتاجون أرض الصيادين لمشاريعهم السياحية الخمس نجوم، ما الذى سيرميهم على مساكننا النائمة فى حضن صفايات النفط العملاقة؟!

كالمجذوب انخلعت من مكانى حيث تجمدت حالمًا، وصعدت سلم الأدوار الخمس دفعة واحدة كما كنت أفعل قبل أربعين سنة، ولدى الباب كنت أخبط بأطراف أصابعى محيلًا صوتى الأجش لهمس العندليب: «أول مَرة تحب يا قلبى وأول يوم أتهنَّي!»، وانتظرتها أن تفتح لى.

عقود من الزواج لم تغير عادتها تلك؛ تُرتب البيت فى خفة، وتُطعم أسماك دورقنا الهزيلة، وتسقى زروعنا البسيطة، وتوقظنى للوردية أو تنتظر عودتى. لكنها تأخرت، وفجأة تملَّكنى القلق؛ طعننى بفكرة أن يصيبها مكروه يمنعها بالداخل سكر دمها داء غادِر وإغماؤه اللعين لا يرحم والمفتاح ليس معي؛ أنسانيه اتصال الحَوَش وقت الاستدعاء. هل أكسر الباب؟ هل أحاول الدخول من شباك الحمام؟ كررت الخبط الثقيل والنداء العالى دون جدوى، ثم ذهبت أرقب المنور، فحمدت الله؛ الهانم كانت تستحم، وصلنى صوت رذاذ الماء ممزوجًا بغنائها الشجى، دمعت عيناى، وقلت بصوت حاد هز أرجاء المكان: «افتحى الباب يا بنت........!».

لحظات وفتحته، مُستِّرة به بدنها، الذى قطر الماء والصابون على كليم الأرضية، قالت: «حمدًا لله على السلامة»، وضحكت واختفت عن ناظرى، فتمتمت بسباب حتى جدها السابع. لا أعلم كيف سأحيا ليوم آخر بدونها، هى عمرى بكل ما له وما عليه، أحبها حد الرغبة فى قتل من يمسها بسوء، لكنى فى كثير من الأحيان أفكر جديًّا فى قتلها؛ فلو كنَّا فى زمن الآلهة لنصبوها إلهة للغباء!

أفطرت بمفردى ولم أنتظرها، تناولت حصتى وتعديت لحصتها غير آبه بتحذيراتها عن قولونى الذى سيعانى انفجارات مستمرة لأيام، ودخنت سيجارتين متلاحقتين على أمل أن تحضر ويُغضبها ما أفعل. لكنها تدللت، كانت تتزين كفتاة مراهقة؛ تلم شعرها إلى ضفيرتين، وترتدى عباءتها القطنية الموردة التى تشكل تقاسيمها الحلوة.. أصبحت بدينة، إى نعم، لكن زادتها خطوط الزمن سحرًا خفيًّا.. لم أبصر وجهها إلا مشرقًا، حتى وهى خارجة من غرفة الولادة!

وقالت لى وقت أحضرت كوب الشاى بالنعناع الطازج المقطوف من القصرية المعلقة بشبَّاكنا: «كل شهر وأنت طيب؛ آخرها كان بالأمس، وكنت أغتسل لأصلى»! كنت أعلم إلامَ ترمى، وكان عشمها كعشم إبليس فى فردوس يُخلِّد أسطورته؛ أنا وهى والجيران نعلم أننى غير صالح لهذه الأفعال الشقية بدون قرص الإنقاذ الأزرق الذى آخذه من صيدلية بعيدة هناك فى أول شارع «المكس»؛ لا أحد يعرفنى بها، أطلب حاجتى وأنصرف فى صمت، وفى كل مرة ينبهنى الصيدلى أنْ أوقف علاج الذبحة قبل وبعد الجرعة بيوم كامل؛ لذا، رُحت أقهقه: «غدًا يا حلوتي!».

وأخذت أدندن وأنا أنفلت من شرفة الصالة إلى غرفة النوم: «أغدًا ألقاك؟! يا خوفَ فؤادى من غدي!»، لكنها استوقفتني: سوف تتركنى وحدي؟!

اطمئني؛ عفاريت النهار تخافك!

بلا خيبة! طيب والراديو، ألن تصلحه كما وعدتني؟! القعدة تزهق، وكتبك لا أفهمها؛ لا فيها قصص ولا روايات!

أنتِ من تبرعتِ بشاشة عرض حديثة لابنك الموكوس، الذى خرَّب شاشته استهتارًا كعادته وزوجته البومة وأولاده المناكيد؛ ليستولى على الشاشة التى لم أهنأ بالفرجة عليها لأكثر من شهر، والتى كانت هدية زملائى وقت إحالتى للمعاش.. حظه أن الشركة جدَّدت لى وعُدت لشغلى.

هو ولدك. وكل أقرانه مثله لا عيش لهم إلا بأهاليهم. وأنت كان حقك أن تستريح وتبقى إلى جوارى.

ها.. أستريح؟! فى الآخرة وعليكِ خير.

والدنيا؟!

لا ينفع أن أريحك فيها الآن؟!، قالت هذا بلهجتها المهادنة التى تميتنى وتحيينى، لكننى غاضب منها؛ لماذا لم تخبرنى بالأمس أنه سيكون آخر أيامها لأستعد؟! قبَّلتها على الهواء وأشرت لها مودعًا، فقالت صارخة: «طيب والراديو؟!»، وقلت لها: «فيما بعد، إذا أحيانا المولى. وحتى ذاك، عليكِ أن تُمسكى بالمسمار الذى يثبت الهوائي؛ كى يحسن استقبال الإرسال». وأتانى صوتها من بعيد: «كيف هذا؟!»، فتمتمتُ بصوت لا تسمعه: «يا حمارة افهمى، الصوت هذا هو ذبذبات تسرى عبر الأثير الافتراضي؛ لا بد من وجود أداة استقبال حتى نسمعه بوضوح!».

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق