رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

صورة اخرى

محمد أبوالدهب





نفس الصورة، بمكوِّناتها المتبلِّدة، غير المرشَّحة للتبدُّل، وإنْ ماتت التفاصيل، واحدةً بعد أخرى، تبعاً لمواقيتَ طائشة، ودون أن أفعص الورقة المطبوعة كما كنت أُفضّل. الفوتوغرافيا التى «أعيد قراءتها» لأوفّر لها خلوداً مؤقّتاً، وانطباعاً بتواجدٍ بائس وعنيد، بعد إرسالى، يوماً ما، إلى ساحة العدَم. وحتى لا أقول «أكرّر مُعاينتَها» بما قد يوحى بفراغٍ زمنيّ، لا أملك ادّعاءَه. ربما لأنها الأصلح للتكبير التقليدى، المهجور تقريباً فى هذه الحقبة من الوجود المُتمايع، والوضع فى برواز جنائزى، تُظلّله غيمةٌ سينمائية كلمحةٍ من فيلم رعب، ثم العرض المُغرِى على جدارٍ يواجه الداخل إلى غرفة الاستقبال، فيتنهّد ويقول شيئاً مناسباً. سيظلّ ذلك رهيناً بدوافعى الفنّية المنعزلة، والتى سيخالفها، حتماً ودون مقاصد شرّيرة، مَنْ سيُضطرون للبقاء أحياء بعد أُفولى المنتظَر، فيختارون، بتلقائيّةٍ، صورةً أخرى.

سأتفاوض، كعازفٍ أصيل عن المطامع، على أن المُصوِّر أوّل التفاصيل وآخرها، مع أنه غير معدود، بما يتماشى مع احتفالٍ اصطناعيّ بجنديٍّ مجهول. تفصيلةٌ ساربة، غير مرئيّة. سبب لوجودٍ حادث بلا طموحٍ للمشاركة فيه. والأدهى أنه صار غير مذكور. لو سألنى أحدهم، وليس السؤال فِعلةً شنعاء على أيّ حال، عن الواحد الذى أخذ اللقطة، سأراجع نظرةً مركّزة، كما لو أنه حاضر فى الصورة، ثم أقول: نعم، لقد كان واحداً. هل كان مارّاً، عابراً شريط القطار إلى شقّته فى المساكن، وتضمّن ذلك، ودون تعمُّدٍ منه، عبورَ يومى، الذى لن أتمكّن أبداً من تحديد تاريخه، فاستوقفتُه باستعطاف، ملوِّحاً له بالكاميرا؟ وهل وافق على الفور بابتسامةٍ مُرحِّبة، أم تراجع خطوةً وقلَّص سحنته، مُحاذراً ألاعيب الأفَّاقين؟.. ربما كان رفيقَ رحلة، فالظاهر أنى كنت بعيداً، أجرُّ حقيبة سفرٍ بالقرب من محطة قطار، وبقيّة التفاصيل لا تدلُّ على معالم مدينةٍ بعينها، ولا على بقعةٍ اعتدتُ دهسها، برغم أن الصورة أتاحتْها لى، لعشرين عاماً أو يزيد. ثم أنا السائل بعد المسئول؛ هل كان فى مثل عمرى، عابراً كان أم مرافقاً؟ زميل دراسة أو عمل باعتبار الرفقة؟ هل كنت أكافح قصةَ حبٍّ سِلميّة مع أخته المؤدّبة؟ وبماذا تفوَّه قبل وبعد إمساكه بالكاميرا؟ هل مات الآن، وعرف الشيء، الذى نأكل وننام كل يوم، لسنواتٍ يتمّ حصرها على سبيل مراهنةٍ خاسرةٍ دائماً، فى انتظار معرفته؟ أم أنه أُصيب، فقط، بسرطان القولون؟ ليظلّ غير مطالَبٍ سوى باعتراف اللحظات الأخيرة؛ بأنه مَن اختار، منفرداً، زاوية رؤية الكاميرا، ومَن أوقفنى، كمؤدٍّ مطيع، على هيئة المسافر الأبديّ، وسكة القطار تتطاول من ورائى بلا منتهى. ولن يقول شيئاً عن نظرتى الغائصة فى الأفق، كأنما تستقبل موكباً لسنواتٍ كثيرة، قد يحلّ بى أو يتخطّانى.

الجاكت الجلديّ، المفتوح على مصراعيْه، ربما من هبّة ريحٍ لحظة الفلاش، يدلّ على أنى كنتُ أعيش عصر رخاءٍ ساقطاً من تاريخى، وعلى أنى فعلتُها فى شتاءٍ ضائع، من خمسةٍ وأربعين شتاءً لم يبقَ من آثارها غير التراكم. الحقيبة أيضاً، بصلابتها السوداء، ومقبضها الذى يطول ويقصر حسب الطلب، وتعبيرها الدبلوماسيّ القديم، تؤرِّخ للعصر نفسه. أم أكون استعرتُهما، الجاكت والحقيبة، من مالكٍ شرعيّ، لم أعد مستعدّاً لأقدِّم له عرفاناً بجميلٍ يطوِّقنى، مدّة الرحلة، مع وعدٍ مُقنِع بإعادتهما سليميْن، لأغلق صفحة عصر الرخاء، الذى لم يكن، بأىّ حال، يليق بصورةٍ تموت تفاصيلها بتدرّج عشوائيّ.

أعلم، من معايناتٍ سابقة للصورة، أن بَشَراً زُجَّ بهم فيها، غدراً أو عنوة -يُرجَع فى هذا إلى النوايا المقبورة للمصوّر- أو صدفةً محايدة كتلك التى أوقعتْ بهم فى ختامٍ باهتٍ للقرن العشرين وليس فى النصف الأول، الباهت كالآخَر، من القرن الثالث الميلاديّ، دون أن يتعلّق الأمر بمصائر متشابكة. أعرف الآن، من القراءة المُستجدَّة، أنهم ثمانية، إذا لم يكن البروز الراكع بوَهنٍ فى فتحة السور، الفاصل بين المساكن وشريط القطار، والمرتفع قليلاً فوق كتفى الأيسر، تاسعهم. اثنان يمضيان بالتزامٍ، قاطعَيْن السّكة بالعَرض، على المَدقّ المحكوم للمزلقان، متجاهليْن طموحى فى أخذ صورةٍ للذكرى، أو لعلّهما شهدا الواقعة من بداية المدقّ، فاعتقدا بأنى أرتكب خطأ العشرين عاماً التالية. أما الستّة، فكان السور الأصفر القصير يحوشهم عنى، دون أن يمنع تجسّدهم السرمديّ فى صورتى، وكان خمسة منهم سيشترون -لابد أنهم اشتروا وطبخوا وأكلوا وتغوّطوا ثم لم يرتدعوا- لحماً من (جزارة محمود سعيد)، المحل المفتوح على ناصيتيْن، بأبوابه الثلاثة المشرَعة، والتى لم أرها من قبل. وكانوا يتناقشون فى موضوعٍ غيرى، لأنهم أعطونى أقفيتهم، ولأن الكاميرا لم تغتصب من أحدهم لقطة فضولٍ ناحيتى.

السادس كان يتصدّر الباب الأوسط، مواجهاً لهم، وظهر أنه جاء إلى الصورة بعد أن تحوّل، مباشرةً، بعينيه عنى. ما الذى تبقّى من التفاصيل الميّتة أو الرائحة إلى الموت؟ العمارات القديمة التى تصنع أجزاءٌ منها خلفيّةً كاريكاتوريّة لرأسى المائل إلى اليسار، ستقع من طولها لحظةً ما، إن لم تكن وقعت بالفعل طوعاً أو كرها، مثلما لم يعد لوقوفى المتشامخ، متحدّياً المصوّر المنسيّ، أيّ معنى إلا بقايا إعجابى المتلعثم بنظرتى التى لا تزال غائصةً فى الأفق. واللافتات الموزّعة بلا تنسيق على طوابقها، والتى سأخمّن أنها لأطباء ومحامين، على قدر صلتى بالواقع فى ذلك التوقيت الهارب من قطعيّة حلولى به، لولا ورقة الكرتون هذه التى جرى تحميضها فى أجواء هاربةٍ أيضا، لأصير قارئها المريد. ستظل اللافتات قيد وظيفتها الإعلانية، حتى وإن تغيّر اسم المُعلِن ونوع المُعلَن عنه، وتظلّ بعض الشقق مغلقة النوافذ والشرفات كنُعوشٍ خرسانيّة، لم تُسكن أبداً، أو كأنها ترعى عرضاً مستمراً لمضاجعات مسروقة. «جزارة محمود سعيد» وحدها ستقدّم وقوفاً عنيداً، دون أن يعاكس ذلك حدوث تعديل بسيط لتصير «جزارة أولاد محمود سعيد» قبل أن يتوالى تقلّب أنسالهم فى الأجيال، لأن تجارة اللحوم هى تجارة الديمومة، داخل الفوتوغرافيا وخارجها.

كان الغلاف السّماويّ ضئيلاً، ومنزوياً فى أقصى اليسار، محمولاً فوق رأسى كعمامةٍ عظيمة، ومكتسياً بالأبيض الناصع، تغبشه قليلاً ظلال لعمائر متناهية البعد كأنها لمدينةٍ أخرى، وأعمدة متراصّة تبرز كمسامير مدقوقة فى بطن الورقة على مسافاتٍ متساوية. وكان يقوم، رغم ذلك، بدور لمبة تضيء التفاصيل، أو فلاش مضاد لفلاش الكاميرا. ولعلّه ما هيّأنى، نفس التهيّؤ الفنيّ المنطوى على وهمه، لأتعلّق بالصورة أكثر، فأغوى بها فريق الأحياء من بعدى. والمُريب أن شيئاً لم يتبدّل، بعد تطلّعى الذاهل إلى مِزَق ورقية صغيرة، مجموعةٍ على المنضدة، ميّزتُ فى إحداها عيناً خائفة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق