رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

عصيدة عيسى صقر

حمدى أبو جليل;

أمى حفَّظتنى سيرة والدها، جدى عولة، رغم أن جدى عيسى والد والدى أولى وأحق، على الأقل على مستوى الإجراءات والوقائع المدونة. جدى عولة يعتبر قاطع طريق نهَّابا كان ينقب البيوت ويطلع البهايم، «تقولى بدوى تقولى فارس هو فى النهاية كان ينهب الناس أو يُنهبوا له» «وبالمناسبة كان جدى عولة يكمن بهائمه المنهوبة فى خرابة أم البريقات، وهى منشأة بيزنطية أثرية مليئة بالتماثيل، وجدى كان يربط بهائمه المكمونة فى التماثيل المهملة»، بينما جدى عيسى كان طيارًا، حمامة، شابًّا أبيض وسيمًا بعيون زرقاء وثروة من الأراضى ممتدة فى ثلاث عزب، وحافظًا كتاب الله، وإمامًا وخطيبًا فى الجامع، و«الشيخ عيسى مشا والشيخ عيسى جا».

وتقلَّد، أو قل أسس، منصب المأذون الشرعى للناحية كلها، وكان أول مأذون شرعى لها بعد قرون من الزواج الشفهى وهو فى العشرينيات من عمره، قال «أنا القاضى» والناحية رضخت ورحَّبت، وكان أول عقد زواج كتبه عقد زواجه هو شخصيًّا من جدتى طامية.

وفجأة وقعت ثورة 19 فصار من أبطالها المجهولين، أرى أصدقائى يبتسمون، أنا شخصيًّا أبتسم.. لنقُل: كان أحد ضحاياها المخفيين. وهو كان ضحية لا مراء فيها، ومن حقنا أن نطلب تعويضًا فيه.

كان مأذونًا كما قلت، وكان شابًّا كما قلت أيضًا، وفى عز شبابه ومأذونيته سُلِّم لسلطات الاحتلال الإنجليزى، وسُجن فى أحداث ثورة 19 وقضى فى السجن ثلاث سنوات، وخرج من السجن شبه مجنون، وظل يهذِى ويهيم على وجهه حتى مات.

لا، ليس هكذا يؤتَى جدى عيسى، حياة قصيرة مارقة ومزدحمة بالأحداث. المؤكد أنه كان حديث الزواج لأن زوجته حنى طامية ولدت بكرية أبى فى الغيط هربًا من السلطات أثناء أحداث ثورة 19. ولابد أن تعرف أن الثورة فى نواحينا كانت عبارة عن نهب متواصل للمصالح الحكومية والسكة الحديد وخطوط التليفونات، وسقف بيتنا قائم حتى الآن على كتل خشبية ضخمة منهوبة من خط التليفون، ويقال إن شباك عمى العمدة، ذلك الإنجليزى الطويل الفخم، أصلًا شباك مكتب مأمور المركز.. عمومًا ثورة 19 لها قصص فى هذا الكتاب وربما كانت قصته الوحيدة، ولكنها من عمى عطوة. هو فضلًا عن أنه راوية محنك وحافظة مهولة يعدُّ أحد شهود الثورة المباشرين: أمه عزّ بنت خليفة كانت ضمن نساء العائلة اللاتى ضبطتهن الشرطة وحجزتهن فى سجن المركز حتى يسلم الرجال أنفسهم، ولكن الحكومة سيطرت فى النهاية، وكبست على البيوت، وفرَّ الرجال فى الغيطان والأحراش والصحارى فقبضت الشرطة على النساء، وقبضت على جداتى عزّ ورسم وشرّادة وشويشة ومنانى، التى ولدت ثلاثة فى بطن أثناء سجنها فى حجز المركز.

ولكن يبدو أن سجن النساء لم يؤدِّ إلى تسليم الرجال الهاربين أنفسهم مباشرة، فقد هدَّدت سلطات الاحتلال الإنجليزى بنسف نجوعنا التسعة بالطائرات، وبالفعل زنت الطائرات فوقها، وأرسلت السلطات وجهًا من وجوه المنطقة يفاوض، والأدق ينذر الرجال الهاربين بأنهم إن لم يسلِّموا واحدًا من كل بيت من بيوت العائلة التسعة ستدك الطائرات نجوعهم التسعة، وفى المقابل فإنهم سيُعرَضون على محكمة عادلة، فإن ثبتت عليهم تهمة نهب المصالح الحكومية والمرافق العامة سُجنوا وإن لم تثبت بُرِّئوا. وبالفعل سلَّم الرجال، وأملًا فى محاكمة عادلة فعلًا سلموا تسعة أبرياء، نخبة من الشباب النظيف المسالم، الذين لم يُعرف عنهم عنف ولا نهب لأى شيءٍ كان، فما بالك بنهب المصالح الحكومية والمرافق العامة!!.

وفى هذه الصفقة سُلِّم جدى عيسى، المسالم المأذون الشرعى حافظ كتاب الله، الذى لم يشارك فى الثورة أساسًا، ولم يسلم جدى عولة الفاتح مكمنًا فى قلب الصحراء، والذى ربط ضابط نقطة الشرطة الإنجليزى فى هجار.. أى قيد الفرس أثناء أحداث الثورة.

ولكن المحاكمة طبعًا لم تكن عادلة وأُدين جدى عيسى وأبناء أعمامه الثمانية، وحُكم على الشباب المسالمين بثلاث سنوات سجنًا بتهمة نهب المصالح الحكومية.

وبحكم نوعية الجريمة سُجنوا مع بلطجية سجن طرة بالقاهرة وهجاميه ولصوصه، وفى يوم تعاركوا مع جدى وأقاربه، يبدو أنهم استفزوا بكونهم «عاملين نظاف ومترفعين وملمومين على أنفسهم»، «وهمّا جرابيع عرب ممسوكين فى الجبل بسريقة».

المهم أنهم سحلوهم، بلطجية القاهرة سحلوهم فى السجن، ويُقال سحلوا جدى وحده ويقال سحلوهم جميعًا، ولكن الثابت أنهم سحلوا جدى عيسى، وفاجأوه بالضرب والصفع بأعضاء من الجسم لم يكن يتوقع أبدًا أنه يمكن الضرب بها، كالرأس مثلًا أو الركبة أو «البونية»أو «المقص»الذى يفرِشك فرشًا على الأرض، ثم أقعدوه وأفرغوا عليه برميل الزبالة أى المخلفات أى «الترّ»فى الزنزانة، وأرسل جدى رحيمة زميل جد عيسى فى السجن إلى عمته، جدتى منبية حماة جدى عيسى، يصف لها المأساة:

هابا عليك ايام يا منبية

عيسى وقع فى السجن ع البتية!!

وتما ينادي

لفلوح ضرونى خدونى غادى

لولا فزعنا له فزع متقادي

لكنو خدوه افلوح فى دهمية

عليك بلاوي

سرولا عليه الترّ تم لواوي

وياما على خدا خدا متساوي

غير ضرب البكوس والبونية

هابا عليك ايام يا منبية

عيسى وقع فى السجن ع البتية!!

وجدى رحيمة مات فى السجن، وجدى عيسى قضى السنوات الثلاث، ولكنهم قضوا عليه. وقبل خروجه مرِض حتى أشرف على الموت، وأثناء سكرات المرض توقَّع مسئولو السجن موته وسألوه إن كان يطلب شيئًا من أهله فى الفيوم فقال: «عصيدة»، والعصيدة طعام بدوى يصنع من الدقيق والعسل والزبدة ويتناول فى وجبة الإفطار، ولكن مسئولى السجن لم يتوقعوا طلبًا كهذا فى ظروفه هذه وظنوها اسم ابنته، وأنه يطلب رؤيتها قبل أن يموت، وأرسلوا برقية إلى النجع يطلبون: عصيدة عيسى صقر لزيارة والدها المريض.

المهم أنه خرج من السجن مجنونًا أو شبه مجنون، وبعد أن كان الشيخ عيسى المأذون الشرعى للناحية صار «عيسى بو كتف ناصل»، وبسبب جنونه شبَّ فى بيته القائم حتى الآن حريق كنسه من فوق لتحت، حتى عروق الخشب التى كانت ممدودة كمفاصل فى الحيطان أكلتها النار، ولما أكلت النار بوابة البيت الخشبية الكبيرة وانفرطت أمام جدى عيسى جمرات تتدحرج قال: «شوق الجوزة»أى تستاهل النرجيلة أو ما أجملها فى النرجيلة، وفى هذه الظروف الهبلة، المجنونة جنونًا، ولِد عمى حامد وعمتى حميدة، ومات.

> جزء من رواية قيد النشر بعنوان «مدام مراية».

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق