رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ألمانيا التى لا نعرفها

سهير غنام;

عقب نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1949. كانت صورة العالم أكثر من مأساوية، القوى المنتصرة جميعها، باستثناء الولايات المتحدة الأمريكية خرجت مجروحة ضعيفة واقتصادها مدمر.. فيما خرجت القوى المنهزمة مثل ألمانيا واليابان مدمرة على نحو لم يعرفه التاريخ من قبل. لكن ذلك لم يكن كل شيء، فقد تسابقت القوى المنتصرة وخاصة الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى فى ذلك الوقت إلى نهب ألمانيا على نحو غير مسبوق ولم تكتف بنهب امكانياتها المادية والثقافية والتاريخية والتراثية بما فيها الآثار والمكتبات فقط بل عمدت أيضا إلى نهب ثروتها البشرية ونقل علمائها ومخترعيها ومفكريها الى الولايات المتحدة التى أجبرت آلاف الألمان على الهجرة اليها وتنفيذ مخترعاتهم هناك وهو ما تسبب بالفعل فى الطفرة العلمية والمادية للولايات المتحدة. وهكذا فعل الروس أيضا.


وبالرغم من ذلك استطاعت ألمانيا خلال أربعة عقود فقط من نهاية الحرب العالمية الثانية أن تتبوأ قائمة الدول المتقدمة فى العالم وباتت منتجاتها الصناعية هى الأكثر شهرة والأغلى فى العالم كله. كذلك احتلت عن جدارة المركز الأول على قائمة اكثر الدول المصدرة فى العالم أجمع ولعقود طويلة.. وصارت ثالث أقوى وأكبر اقتصاد عالمى برغم أن مساحتها لا تتجاوز ثلث مساحة مصر ولا يزيد عدد سكانها عن عدد سكان مصر.

صورة النساء الألمانيات عقب الحرب العالمية الثانية مباشرة اللاتى يفصلن قطعة الصلب من داخل كتلة حجارة البيوت المهدمة ليعاد سكبه واستخدامه مرة أخرى لم تفارق عيون العالم كله، وارتبطت على الدوام تلك الصورة بما حققته ألمانيا خلال عدة عقود فقط من معجزة بكل المقاييس. لم ييأس الألمان برغم ما طال بلادهم من دمار بل انتفضوا ملأى بحب وطنهم وبنوا وشيدوا على بقايا القديم وتمكنوا من الاعتماد المطلق على ما يمتلكونه حينها برغم محدوديته وهو ليس بكثير. فالدولة التى انعدمت فيه معظم الموارد الطبيعية لم تجد أمامها سوى عقول الأطفال لتستثمر فيها ونجحوا فى أن يصبحوا عبر تلك العقول خلال سنوات قليلة من أهم وأكبر الدول الصناعية فى العالم وأشهرها على الاطلاق فى أوروبا. لم تبك ألمانيا على اللبن المسكوب ولم تندب حظها بعد خروجها من الحرب مدمرة ومنهارة بل استطاعت عبر ترميم ما تبقى من النظام القديم ومؤسساته الوقوف مرة أخرى بالاعتماد على نفسها بالدرجة الأولى ومواردها البشرية بما فيها القديمة بعد تفعيل دستور يحفظ الوطن من التفرقة بين أبنائه. وقانون يساوى بين الجميع الكبير والصغير على السواء. ونظام ضريبى يحفظ حقوق الوطن، حقوق الفرد من النهب. وضع الألمان نصب أعينهم هدفا واحدا سعوا دوما لتحقيقه مهما طال الزمن وهو عودة ألمانيا موحدة مرة أخرى ولم شمل الأسرة الألمانية فى شرق وغرب البلاد وهو ما تحقق بالفعل بسقوط سور برلين عام 1989 لتبدأ النهضة الألمانية الجديدة كركن أساسى فى الوحدة الألمانية والأوروبية واقترب تحقيق حلم كبار الألمان الذين حكموها بعد الحرب العالمية فى وحدة أوروبية لإبعاد شبح الحرب فى أوروبا. كذلك أسهم انتهاء الحرب الباردة واعادة تشكيل العالم من جديد فى تحقيق جزء كبير من هذا الحلم. وبات الأوروبى يتحرك فى معظم أنحاء القارة الأوروبية دون تأشيرة سفر ودون حدود داخلية وهذا كله بفضل اصرار الألمان بالدرجة الأولى على اعادة رسم القارة على نحو ينعكس ايجابيا على كل سكانها.

برهن الألمان مرة أخرى على أن العقلية الألمانية القائمة على اعتماد العالم بأساليبه المختلفة على ما عداه فى شتى مناحى الحياة هو الاسلوب الأمثل لضمان بناء دولة عصرية قوية متماسكة الأركان قادرة على حفر مكانتها على الخريطة الدولية بين الكبار فى العالم.

لم تكن ألمانيا الفقيرة فى الموارد الطبيعية براغبة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية فى الاعتماد على غيرها وخاصة أعداء الأمس. وذلك رغم ما قدمته الولايات المتحدة لألمانيا عقب الحرب مباشرة واصطلح على تسميته مشروع مارشال وهو فى حقيقة الأمر لا شيء فقد كان ما نهب من ألمانيا نفسها من كوادر علمية ومخترعات وأفكار يعادل فى قيمته آلاف المرات ما ضخه مشروع مارشال من أموال. ولم تستكن ألمانيا ولم تيأس بل وضعت خطتها لتربية كوادر جديدة وطبقت خطتها تلك فى الحضانة والمدرسة والجامعة ليتخرج لديها سنويا أهم الخبراء فى كل المجالات مساهمين فى اعادة بناء دولتهم والحفاظ على مكانتها الدولية فى مجالات عديدة باعتباره حقا لم ينكره الأبناء على وطنهم. فى نموذج جعل العالم كله يقف للألمان احتراما على ما فعلوه خلال عقود قليلة محولين بلدهم من وطن مهدم مدمر الى ثالث أهم وأغنى بلد فى العالم قادر على منافسة بلدان مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا وغيرها فى مجالات متعددة برغم عدد سكانه الذى لا يتجاوز ثمانين مليون نسمة ومساحته لا تزيد عن ثلاثمائة وثلاثين ألف كيلو متر مربع تقريبا.

مكانة الألمان بين دول العالم لا يختلف عليها اثنان. فالخيار بين المنتج الألمانى وأى منتج آخر أمر محسوم لصالحهم فى شتى أنحاء العالم. ليس فقط فى قطاع السيارات والآلات بل حتى فى مجال الطب والعلاج والفلسفة وخلافه وهذا يفسر حرص قطاع واسع فى العالم أجمع على تربية وتعليم أطفالهم وفقا للنموذج الألمانى. شعب جدير بالاحترام ويفتخر بوطنه عن حق.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق